«أما مشكلتنا الكبرى، كأردنيين، مع الملك حسين، فهي أنه بطغيان شخصيته وأولوية سياساته الإقليمية، منع تكوّن الشخصية الوطنية الأردنية التي بدأت بالتبلور في عهد الملك عبد الله الثاني، ولكن بعدما خسرت حاضنتها المتمثلة في الدولة والقطاع العام». (من مقالة «ليس دفاعاً عن الملك حسين»، ناهض حتر).


هكذا إذاً... هذه هي مشكلة الأردنيين الكبرى مع الملك حسين! وأما المقالات التي يطالعنا بها ناهض حتر هذه الأيام، بكثافة لافتة تستحق كل تقدير، فهي إذا تعود لأحد أبرز ممثلي «الشخصية الوطنية الأردنية» التي بلورها الملك عبدا لله الثاني... ولكن للأسف بدون قطاع عام!
عزمي بشارة - ناهض حتر، ثنائية الموت، وإحراق سوريا من الداخل
من الصعب أن ينسى أحد تلك المرحلة، عندما كان «المفكر العربي» عزمي بشارة صديقاً مقرباً من النظام السوري، ثم وبغمضة عين - بعد بدء الاحتجاجات في سوريا - أصبح بشارة الناطق الرسمي، والمعلم، والمرشد «للثورة السورية» يطل بشكل منتظم على شاشة «الجزيرة» ليعلم المعارضين السوريين كيف يمكن إسقاط النظام في عشرة أيام! ويقرر من المعارض «الحقيقي» ومن المعارض «الزائف»، ويعد المقاتلين بالدعم القطري والأميركي، ويقنعهم أنّ الحوار والمصالحة خيانة للدم السوري، ولا خيار أمامهم إلا القتال، ممارساً التضليل بأعلى صوره عبر ثنائية الموت «معارضة _ نظام»، فالحراك المعارض برأيه ملاك لا يخطئ، والنظام شيطان متوحش.

استحق النظام السوري بجدارة لقب «بطل الفرص الضائعة» في تعامله مع الأزمة
هكذا بعد أن أنجز مهماته الوطنية «على أكمل وجه» في فلسطين المحتلة، تفرغ بشارة «القومي اليساري» لقضية «الثورات العربية» إلى أن صدمته - هو وأميره السابق - الحقائق والتطورات الدولية والسورية، فما عدنا نسمع حتى باسمه.
في هذه الأثناء كان «الناطق الرسمي» باسم اليسار العربي القومي ناهض حتر ينتقد سياسات النظام السوري الليبرالية، ويوضح الجذر الاجتماعي للحراك السوري. ويشرح لنا كيف أدت هذه السياسات إلى تهميش مناطق بأكملها في سوريا، ودفعت مئات آلاف السوريين للاحتجاج. ولكن حتر سرعان ما استدرك «خطأه» واكتشف الحقيقة.
«ويمكننا أن نصف تلك الانتفاضة، منذ بداياتها، بأنها لم تكن سوى تعبير عن مناخ عربي عام، استخدمته النخب الليبرالية (بما فيها اليسارية؛ فاليساري يغدو ليبرالياً لدى التركيز على أولوية «الديمقراطية») ورجال الأعمال المرتبطون بالخليج والجماهير الريفية وشبه الريفية المهمّشة ذات الوعي الطائفي (السني المتأثر بالأخونة والسلفية الجهادية والوهابية)» (من مقالة حتر: ست قضايا لحوار منهجي مع المعارضة السورية، «الأخبار»، 18 آذار 2014). بهذه البساطة غير حتر رأيه، وأصبح الحراك في سوريا و«منذ البداية» حراك ليبرالي طائفي وليس سوى تعبير عن مناخ عام عربي! فأصبح حتر من صقور الحسم العسكري، رافضاً الحل السياسي بعد أن أصبح جنيف 2 «قطاراً وهمياً». بل أكثر من ذلك، فإن كل من يدعو إلى المصالحة الوطنية والحل السياسي عبر جنيف، أصبح منقوص الوطنية ويطعن الجيش السوري! من جديد يعيدنا ناهض حتر إلى ثنائية الموت.
فالحراك السوري المعارض (بأكمله ومنذ البداية) حراك إرهابي عميل، وأما النظام ملاك يرتكب أحياناً بعض الهفوات، ولا خيار أما السوريين اليوم إلا القتال والحسم العسكري.
قبل تفرغه لمساعدة السوريين في إنهاء «المؤامرة»، كان حتر قد «أنجز» كل مهماته الوطنية والقومية والاجتماعية في بلده الأردن ومنذ زمن. فكان قد صرح في اللقاء اليساري العربي الثاني في بيروت أنّ النضال ضد اتفاقية وادي عربة مع الكيان الصهيوني ليس أولوية!
وبعد أن عرف القاصي والداني بوجود قوات أميركية في الأردن للمساعدة في إسقاط النظام السوري، لم نلحظ لدى حتر حماسة للنضال الفعلي ضد وجود هذه القوات، وضد سياسات ملكه في التآمر على الشعب السوري. أم هنا لا تصح مقولات حتر الصحيحة عن تشابك ملفات المنطقة وتأثيرها المتبادل؟
هل تتفق شوفينية حتر ضد الفلسطينيين مع ادعاءاته القومية واليسارية؟
هل من يفسر لنا من يعني حتر عندما يهاجم «الليبراليين في الديوان الملكي الأردني»... فمن يكون الآخرون في الديوان؟ الاشتراكيون مثلاً؟ (من مقالة حتر: ليس دفاعاً عن الملك حسين).
هل تعطينا كل هذه المؤشرات الحق بأن نضع احتمال أن يكون عداؤه (المحق) للإخوان المسلمين له علاقة بملف الصراع التاريخي بين الملك والأخوان؟
والسؤال الأهم اليوم، هل هي مصادفة أن تتشابه منهجية ناهض حتر مع منهجية عزمي بشارة في تعاملهما مع الأزمة السورية، من حيث الهجوم المشبوه على المعارضة الوطنية، والدعوة لرفض المصالحة والحوار، ورفض الحلول السياسية، والإصرار على الحلول العسكرية، وبالتالي - وفي ظل التوازنات الحالية واستحالة الحسم من أي طرف - استمرار استنزاف سوريا والشعب السوري. فمن الذي يطعن الجيش الوطني السوري إذاً؟
هل تشبه ثنائية الموت هذه (عزمي بشارة _ ناهض حتر) نظرية كيسينجر في إحراق سوريا من الداخل؟
هل يمكن نظراً لهذه السمات التي يتمتع بها ناهض حتر، أن تتغير يوماً أولوياته فيلدغ النظام السوري مرة ثانية من جحر عزمي بشارة نفسه؟
استحق النظام السوري بجدارة لقب «بطل الفرص الضائعة» في تعامله مع الأزمة. لم ينفذ شيئاً يُذكر من توصيات اللقاء التشاوري في دمشق. فوّت فرصة الاستفادة من طاقة الحراك الشعبي السلمي في فتح معركة ضد الفساد والبدء بالتغييرات الجذرية الضرورية. أدار انتخابات مجلس الشعب بالعقلية السابقة نفسها التي منعت وصول ممثلي الشعب الحقيقيين. شكّل حكومة (رغم مشاركة وزيرين معارضين فيها) بنسب تمثيل قوى لا يسمح بوضع وتنفيذ برنامج يلاقي الإرادة الشعبية، بما يفوت على أعداء سوريا ما وصلت إليه الأمور الآن. وبعد مشاركة المعارضة مشاركة متواضعة من حيث حجم التمثيل، فتحت عليها النار من قبل صقور الفساد والحل الأمني. نشبت المعارك حول طرق حل الأزمة، والمصالحات، والدولار، وخصخصة الخليوي، ورفع الدعم، والغلاء، والفساد... إلخ. ووصلت الأمور إلى إقالة أحد الوزيرين المعارضين تحت حجج واهية تخفي خلفها معارضة الوزير للسياسات الحكومية.
في مقالاته الأخيرة يتمسك حتر بتوصيف «رجل الدولة» عندما يتحدث عن أمين حزب الإرادة الشعبية المعارض د. قدري جميل، فيقول: «...هلّلنا لتوزير الرفيق قدري جميل؛ إلا أن الأخير ورّطته أوهامه حول الحل الدولي، ولهفته لحجز مقعد في «جنيف 2»، لمغادرة موقع رجل الدولة، للإفادة من ضغوط الحرب على سوريا لحجز موقع أفضل في صفوف المعارضة؛ فخسر، وخسّرنا فرصة ثمينة لترسيخ الخط الوطني الاجتماعي في قلب الدولة السورية» (من مقالة حتر: ست قضايا لحوار منهجي مع المعارضة السورية).
من الواضح أن حتر يخلط – جهلاً أو لأسباب تعود لمنهجية تفكيره وتاريخه أو ربما طموحه - بين أن تكون «رجل دولة» أو تكون «رجل نظام» ينفذ الأوامر بطاعة موظف حكومي صغير. هل من عارض الإرهاب التكفيري، والحل الأمني، واستنزاف الجيش الوطني السوري، والخصخصة، والفساد، وسرقة خبز الشعب السوري، ودعا إلى الحوار، والحل السياسي، والمصالحة، وحقن الدماء السورية، هل يمكن أن يكون هو من فوت الفرصة؟
وهل يمكن أن تكون إقالة قدري جميل تعود لأنه فعلاً كان يتصرف «كرجل دولة» ورفض أن يكون «رجل نظام» كما يريد حتر؟ على الأرجح. سؤال يؤرق كثيرين... هل يقرأ الرئيس فلاديمير بوتين مقالات ناهض حتر؟ وهل يخبره الرئيس بوتين كيف تدير روسيا سياساتها؟ هل سلم المبعوث الرسمي للرئيس بوتين إلى الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف مهامه لحتر؟
لكي لا نتحول لمنجمين، أو تقودنا أحلامنا للوقوع بأي مغالطات، سنحاول أن نعتمد الأساليب العلمية في محاولة قراءة سريعة لبعض ثوابت السياسة الخارجية الروسية، في تعاملها مع الأزمات الدولية الأخيرة (سوريا، أوكرانيا، النووي الإيراني...) وذلك من خلال مراقبة سلوكها الفعلي، وليس فقط خطابها الرسمي.
ــ تدعو روسيا للحوار والحلول السياسية، بعيداً عن العنف والإرهاب والحلول العسكرية.
ــ ترفض روسيا أي تدخل أجنبي في شؤون البلدان، وتعمل كل ما بوسعها للحيلولة دون ذلك، وتدعم استقلال هذه البلدان بكل الوسائل.
ــ تعتبر ظواهر الإرهاب والفاشية الجديدة، بأي شكل تظهر فيه (تكفيري - نازي ...) خطراً يهدد العالم بأسره، يجب محاربتها ومنع أي دعم يقدم لها.
ــ تحترم روسيا المطالب الشعبية المحقة، وترى أن الشعوب هي صاحبة الحق في تقرير مستقبلها، دون أي إملاء أو تدخل.
ربما لا يوافقنا حتر في هذا التوصيف، وهو في النهاية الأعلم بخفايا الأمور. فهو خزان أسرار الرئيس فلاديمير بوتين، أسرار لم يتسع لها حتى صدر وزير خارجيته سيرغي لافروف.
بكل الأحوال فإن الشهور المقبلة ربما تقدم لنا كثيراً من الإجابات على الأسئلة التي طرحناها. ولكن من المؤكد أننا لن نعرف أبداً إن كان الرئيس بوتين يقرأ مقالات ناهض حتر!
* قيادي في حزب «الإرادة الشعبية» ــ سوريا