عبدالرحمن جاسم *


يا طائر القدس؛ اجعل همتي تتبعني فإن الطريق طويلة، وأنا لستُ معتاداً على السفر
(حافظ الشيرازي ــ شاعر إيراني)


يعتبر الإعلام العربي واحداً من أهم وسائل «البروباغندا» التي عرفت يوماً ضمن الحضارات البشرية. وأثبتت التجارب أن هذا الإعلام لا يتعلّم أبداً، بل إنه يجتر تجاربه ويكررها حتى مع فشلها المدقع.

والسبب في ذلك أن المجتمعات العربية ذات التركيبة البسيطة (طبقتان متباعدتان واحدة فوق فوق وأخرى في حضيض الأسفل) لا تزال ولغاية الآن تتقبل كل ما ترميه تلك الأبواق عليها. فمن تجربة أحمد سعيد المذيع المصري الشهير من صوت العرب في القاهرة، أو تجربة محمد سعيد الصحّاف وزير الإعلام العراقي، اللذين أصرا على دحض الحقائق الواضحة ونفيها، بقيت الجماهير العربية وفيةً لهؤلاء وأمثالهم، وحتى لمقلديهم حتى اليوم. على الجانب الآخر تأتي تجربةٌ شديدة الاختلاف، أحدثت ولا تزال ضجةً في مستنقع الإعلام الراكد: باسم يوسف، الطبيب الجراح القادم من الغرب – وهي شتيمةٌ بحسب كثيرين - الساخر في برنامجه «البرنامج» من كل السائد. كان الجميع معه إبان سيطرة الإخوان، كان الكل يصفق له ويضحك مع همزاته أما اليوم، وبعد أن رحل الإخوان، يخوض الرجل حرباً جديدة، ولكن هذه المرة مع حلفاء الأمس ومؤيديه في السابق! «لست خارق النظر، إنهم عراة!»، من رواية الكوميكس «300» للرسام والكاتب فرانك ميللر، يتأتى باسم يوسف كأكثر من مجرّد حالة إعلامية. وهو عكس ما يحاول –تواضعاً - أن يقنعنا، حيث تتفوق قدراته الإعلامية بمراحل على إعلاميين ذوي باع وخبرة ومراس في المجال. وهذا يؤكد أن الأيام والحضور على الشاشة لا يحددان المقدرة، بل إن المهارة تكمن أولاً في الذكاء وثانياً في قدرة فريق الإعداد، وفي الختام الشجاعة. شجاعة باسم تظهر بوضوح من خلال برنامجه الأكثر مباشرةً بين جميع البرامج في الوطن العربي قاطبةً، وهو ما كلفه إيقاف برنامجه وتنقّله بين أكثر من محطةٍ فضائية وصولاً حتى إلى رفض جميع القنوات المصرية التعامل معه بضغوطٍ باتت معروفة السبب. وإذ يبدو «البرنامج» برنامجاً قصير المدى، فإن الإعلام الحديث المرتكز على مواقع التواصل الاجتماعي جعلت من تأثيره طويل الأمد، خصوصاً أنه يمكنك مشاهدة أي حلقة من البرنامج أو موسمه بأكمله على الانترنت في أي وقت. تعرضت تجربة باسم للمهاجمة لأنها ناجحة، وهو أمرٌ واضحٌ لا لبث فيه، لكن السبب الحقيقي في الأمر هو أنه يتعرّض لذلك كونه يهاجم شخصياتٍ «إعلامية» يتعامل الجميع بقدسية معها «يومياً». وباسم إذا يمتلك منبراً واحداً، يمتلك الباقون منابر عدة ومختلفة، ومن الطبيعي أن يهاجموه بكل ما أوتوا من قوة. لكن المشكلة الوحيدة في الموضوع أنهم لا يعرفون ماذا يواجهون، فكلما غيّروا وسائلهم غيّر باسم أسلوب هجومه بالمطلق. في المحصلة، تأتي تجربة باسم بشكلٍ منطقي كنتاجٍ لسنين طويلة من التخلّف الإعلامي و«العته» التلفزيوني. إذ إنه ليس هناك من مقياس إعلامي أو منهجي للمهنة، فيكفي أن يكون شقيقك إعلامياً معروفاً كي تزيّن الشاشة الصغيرة (عمرو أديب)، أو زوجك وشقيقه إعلاميين معروفين (لميس الحديدي)، أو أن تكون مطلباً للنظام كي تصبح مذيعاً وصاحب قناة حتى (توفيق عكاشة) أو قريباً من الأجهزة الأمنية (عبدالرحيم علي) أو حتى أن تكون ممالئاً مليئاً بالمتناقضات (مصطفى بكري) أو حتى مهرجاً سيئاً (نور الدين عبدالحفيظ) أو لمجرّد كونك فتاة مغرية فقط (آلاء نور). مقابل كل هؤلاء كان من الطبيعي أن يظهر باسم يوسف وبرنامجه، ولو لم يحدث الأمر، لكانت المشكلة أكبر بكثير.

«أعطني إعلاماً بلا ضمير، أعطك شعباً بلا وعي»
(جوزيف جوبلز، وزير الدعاية في ألمانيا النازية)


بقليلٍ من الخبث وكثير من الغباء نستطيع تشويه باسم يوسف، والنجاح مئة في المئة، كيف ذلك؟ ببساطة نقوم بتشويه سمعته بأخبار ملفقة و«تسريبات» لا تمّت للواقع أو المنطق بصلة، هذا يكون الخبث السهل، الواضح. الغباء لا يحتاج لجهدٍ هو الآخر، دع ذلك للجماهير «الوادعة» وهي ستقوم بذلك بكل بساطة، فقط أرشدها أين تتجه وعلى من تهجم. فالخبث هو أن تطلب من امرأة «بسيطة» لا تعرف عن باسم يوسف وبرنامجه أي شيء شتمه على الشاشات، ادفع لها قليلاً من المال، أو أقنعها بجملٍ من قبيل: الرجل كافر (كما كان يفعل الإخوان) أو هو عدوٌ للشعب (كما يقول الإعلامي أحمد موسى) أو عميل صهيوني (كما يقول عبدالرحيم علي عنه) أو حتى أميركي ذو أجندات (مصطفى بكري) أو حتى إن والدته – تحديداً - أنجبته «بالزنى» (وهذه يمتاز بها المستشار مرتضى منصور). مع أنك تعرف بأن تلك المرأة لو جلست مع باسم لدقائق لربما عرفت وفهمت بأن الرجل ليس عدوها، وأن عدوها هو من يدفع لها مالاً. ولأن هذ التصرفات تمارس في لبنان أو في المخيمات الفلسطينية في لبنان بشكلٍ يومي، لذلك هي معروفةٌ لدينا أكثر من غيرنا. يساق البسطاء الفلسطينيون من قبل الجمعيات والتنظيمات والأحزاب لمعارك وهمية، وتظاهرات نعرفها ونعرف نتائجها مسبقاً. لذلك مرة أخرى، بالخبث والغباء يتحقق هدف تشويه باسم وتجربته. مع العلم بأن في أي مجتمعٍ صحي وطبيعي لا بد أن يكون هناك منتقد ومصحح لما يحدث، فالصحافة أساساً سُميّت بالسلطة الرابعة لا لأنها «تطبل» و«تهلّل» للرئيس وأعوانه كما يحدث في بلادنا، بل لأنها تكشفهم وتعرّيهم وتظهر خداعهم وكذبهم. ومتشدقو الديمقراطية وأعداؤها يتفقون معاً أن الصحافة «الحقيقية» كشفت وعرّت كثيراً من قادة العالم، بدءاً من «إيران غايت»، انتهاء بأزمة مونيكا لوينسكي. باختصار إنَّ وجود تجربة كتجربة باسم يوسف هي أمرٌ منطقي، لكن ذلك لا يمكنه الحدوث في أنظمةٍ تعتبر الديكتاتورية الحل الوحيد والمنطقي في كل حين.

«وهمجٌ رعاع، ينعقون مع كل ناعق، يميلون مع كل ريح»
(الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه)


يتنوع مهاجمو باسم يوسف وينقسمون ككل إلى أنواع عدة، ولا بد من تقسيمهم كي نستوعب طبيعة مكانهم:
1ــ مطبلو الأنظمة القمعية: هؤلاء يعنيهم أن يسيطر القمع والتخلف، فالقمع حليف التخلّف. هكذا يعودون إلى أماكنهم التي عملوا لأجلها لسنوات: فوق الناس. وسواء أكانوا وزراء، قضاة، محللين سياسيين، اعلاميين، فالأمر ذاته والنتيجة ذاتها، التسلط تحت مسمياتٍ كثيرة: الدين، الجيش، الشعب، الحق، العدالة. في النهاية وجوههم واحدة سواء أكانوا من «عبدة» النظام القديم أو النظام الحديث أو الإخوان، وجوه واحدة لمسمياتٍ عدة.
2ــ أعضاء الأحزاب المنقرضة: في مصر، شأنها شأن أي نظام عربي، أحزابٌ بائدة، لا قيمة شعبية لها، ولا تأثير حقيقياً وفعلياً لها، سواء على الأرض أو حتى في الخيال. كل ما فيها هو مجموعة من «العُجُز» المحتضرين الذين لا ينفعون لأي شيء سوى أحاديث الذاكرة على مقهى قديم. أعضاء هذه الأحزاب من الطبيعي أن يكرهوا باسم، لأنه يعرّي أعضاء أحزابهم ويظهرهم بصورتهم الحقيقية، سواء بباروكةٍ على رأسهم أو بدونها. 3ــ المطبلون المحايدون: وميزة هؤلاء عن مطبلي الأنظمة القمعية أنهم لم يختاروا الاتجاه المناسب بعد، كل همهم هو التطبيل بأقصى قوة كي يحصلوا على فتات ما ترميه احدى الموائد كي يختاروا مكانهم الأنسب. يتنوع هؤلاء في المشارب والأهواء السياسية، فتجد بينهم أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، من القومي إلى الشيوعي إلى الإسلامي السلفي. وهم أصحاب المقولة الشهيرة: «أنا كنت أحب باسم، ولكن». لماذا يهاجمون باسم؟ لأن مهاجمة باسم تضمن لهم شهرةً وضجةً، فلو لم يكن باسم مشهوراً لما هاجمه أحد، وإذا ذابت شهرة الرجل يوماً، انتقى أصحاب «الطبول» هدفاً آخر لا ريب.
4ــ الهمج الرعاع: القسم الأخير في القائمة، لا يفهم في أي شيء، وعن أي شيء، يميل الناس إلى اليمين فيميل معهم، يميلون إلى الشمال فيميل معهم. هؤلاء لا يدركون أي شيءٍ من أي شيء. ومشكلتهم الوحيدة أنهم يكونون من أشد المؤيدين للرجل وفي الوقت نفسه يكرهونه أشد الكره. هم خائفون ممن حولهم متأثرون بأي كلام يصدر عن مخيف، رغم أن الكلام نفسه قد لا يكون منطقياً أو حقيقياً.
* كاتب فلسطيني