لم يكن نقل (22) مومياء ملكية مصرية قديمة من «متحف التحرير» في قلب القاهرة إلى «متحف الحضارة» في منطقة الفسطاط حدثاً اعتيادياً، فهو فريد في نوعه، لا مثيل له في أي مكان آخر بالعالم، استدعى الحضارة المصرية القديمة، التي نشأت على ضفاف النيل، إلى واجهة التحديات الماثلة، التي تتهدد البلد في صميم وجوده.

في مشهد واحد تزاوجت مشاعر «الفخر» للانتماء إلى أعرق الحضارات الإنسانية، التي ألهمت «فجر الضمير»، مع «قلق» الترقب لما قد تتطور إليه الحوادث في حرب المياه المحتملة.
ترددت في الفضاء العام عبارة الزعيم الوطني «مصطفى كامل»، التي أطلقها مطلع القرن العشرين: «لو لم أكن مصرياً لوددت أن أكون مصرياً».
كان ذلك داعياً للثقة بالنفس عند لحظة مصيرية.
لم يختلف اثنان على المستوى الرفيع، الذي بدا عليه الحفل الفني، وقدر الانضباط في نقل المومياوات بأمان إلى مستقرها الجديد.
كان الإتقان عنواناً رئيسياً لافتاً في كل التفاصيل.
بدا الحفل الفني مبهراً لعامة المصريين، كما للعالم كله، الذي تابعه متأثراً بمعارفه المتراكمة عن الحضارة المصرية القديمة.
موكب الملوك والملكات العظام، في عربات صُممت خصيصاً لحفظ المومياوات من أية أضرار محتملة، كان الحدث الأهم في ذلك اليوم، بدا كما لو أن التاريخ نفسه يتحرك ماثلاً أمام العيون.
هكذا طُرح سؤال بديهي على الفضاء العام: إذا كان ممكناً أن تؤدى المهام العامة بذلك القدر من الإتقان، فلماذا تعاني الملفات الأخرى، التي تدخل في صميم الحياة اليومية، كالصحة والتعليم والمواصلات، مما نراه ماثلاً أمامنا من مستويات غير لائقة؟
السؤال البديهي إعادة صياغة لسؤال قديم: لماذا يتفوق المصري في الخارج فيما الإحباط يضرب طاقة إبداعه في بلده؟
بدت الإجابات شبه موحّدة: غياب القواعد والنظم الحديثة وتغليب أهل الثقة على أهل الخبرة.
هذه المرة أُسندت المهمة إلى أهل الاختصاص، وجرت الاختيارات على أساس الكفاءة وحدها، فكانت النتائج مبهرة.
إنشاء «متحف الحضارة»، الذي يؤرخ أثرياً لتاريخ الحضارات التي تعاقبت على مصر، هو بذاته إنجاز كبير، وإذا ما أردف بـ»المتحف المصري الكبير»، الذي سوف يُفتتح قريباً، فإننا أمام نقلة نوعية في عرض وحفظ الآثار المصرية، التي تعرّضت لسوء التخزين، أو السرقة على مدى عقود طويلة.
تبدّى طويلاً وكثيراً سؤال شبه مكتوم: هل الأفضل أن تظل الآثار المصرية هنا حيث تُهمل وتُتلف، أم أن تُعرض في المتاحف الدولية بالعواصم الكبرى مهما كان تحفظنا واعتراضنا على الطريقة التي وصلت بها؟
بعد افتتاح المتحف المصري الكبير لن يكون هناك موضع لمثل هذا السؤال.
ما تكلفة الحدث الاحتفالي، جدواه وحدود استثماره في تنشيط السياحة؟
كان ذلك سؤالاً لم يجد إجابة عليه توضح وتكشف الحقيقة بالأرقام المدقّقة، وما إذا كانت الموازنة العامة المنهكة تتحمل إضافة أعباء جديدة تسحب من رصيد ملفات لها ضروراتها الملحة دون أي إرجاء أو خفض.
غابت المعلومات وتكفّلت وسائل الإعلام الدولية بطرح ما توافر لديها من معلومات أو استنتاجات.
الشفافية من مقوّمات استكمال نجاح احتفالية نقل المومياوات الملكية.
رفع منسوب الروح المعنوية العامة في لحظة تحدّ مكسب حقيقي، ولفت انتباه العالم إلى إرث الحضارة المصرية القديمة على شواطئ النيل، التي تكاد حرب تنفجر حولها، تهدد الأمن والسلم الدوليين، تهز بالعمق استراتيجية البحر الأحمر مكسب حقيقي ثان.
في اليوم التالي جرت مفاوضات في كينشاسا وصفت بأنها «الفرصة الأخيرة» انتهت إلى إعلان إخفاق أية فرصة للتوصل إلى اتفاق عادل وملزم لأزمة «سد النهضة» الإثيوبي.
ما كادت أضواء الاحتفالات تخفت على ضفاف النيل في القاهرة حتى تبدّت تساؤلات من نوع آخر حول ما الخطوة التالية بعد عشر سنوات من مفاوضات تراوح مكانها دون تقدم حقيقي؟
كان استهلاك الوقت مقصوداً وممنهجاً بقصد السيطرة على مياه نهر النيل بمفردها، تحدد الحصص وتبيع المياه مستندة في عجرفتها إلى شبكة مصالح إقليمية ودولية واسعة تحرّض على مصر.
لم يكن موفقاً أن يصف بيان الخارجية المصرية الموقف الإثيوبي بأنه يفتقد إلى الإرادة السياسية للتوصل إلى اتفاق، الحقيقة أن إرادتها السياسية منعقدة على ما وصلت إليه المفاوضات المجهضة، أن تفرض الأمر الواقع على دولتَي المصب السودان ومصر، دون اعتبار للقانون الدولي، ولا لاتفاقية (2015)، التي استخدمتها لإضفاء شرعية على بناء السد، دون أن تلتزم بأي نصوص تحفظ لدولتَي المصب حقوقهما.
طوال عشر سنوات كلما بدا أن هناك اتفاقاً محتملاً بشأن القضايا الخلافية المعلقة بنسبة (90%)، كما كان يقال، تعود المفاوضات إلى نقطة الصفر من جديد.
كان استهلاك الوقت استراتيجية مقصودة حتى استكمال بناء السد وتعبئته بالمياه.
حانت لحظة مواجهة الحقيقة.
احتمالات الحرب غير مستبعدة، لا أحد يريدها لكنها قد تفرض سيناريوهاتها الاضطرارية أمام التعنت الإثيوبي المفرط.
في جولة «كينشاسا» رفضت «أديس ابابا» اقتراح وساطة رباعية دولية لحلحلة أزمة التفاوض تشمل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وسطاء لا مراقبين، وهو الاقتراح الذي تقدم به السودان وأيّدته مصر، بزعم أن التدويل ينتقص من الاتحاد الأفريقي وولايته على الأزمات في القارة، فيما هي لم تلتزم بأية اتفاقات وقّعتها إلا في حدود ما يخدم مشروعها للمضي قدماً للسيطرة على النيل، كما لو كان بحيرة إثيوبية بالمخالفة للقانون الدولي للأنهار العابرة للدول.
الأخطر أنها أعلنت عزمها على الملء الثاني للسد في يوليو المقبل، مع موسم الأمطار الجديد.
إذا ما جرى الملء الثاني يستحيل أي عمل عسكري، إذ أن انهيار السد يفضي إلى غرق مساحات واسعة من السودان.
العمل العسكري ليس سهلاً ولا تبعاته هينة، لكنه قد يكون اضطرارياً، فإذا لم تكن القوى الكبرى مستعدة أن تتحمل مسؤولياتها في مجلس الأمن فإن العواقب سوف تطاولها.
أمام تحديات الموت عطشاً والحياة بكرامة تجد مصر نفسها أمام تحدّ وجودي على شواطئ النيل، فـ»يا روح ما بعدك روح» – كما تقول الثقافة الشعبية المصرية.
إذا ما أردنا أن ننظر في أوراق القوة التي تحوزها مصر فإن أولها وأهمها: مصر نفسها موقعاً وتاريخاً ودوراً.
في احتفال نقل المومياوات تذكرة بمهد الحضارة الإنسانية عند لحظة صدام محتمل.
هكذا دوّى نداء النيل في المكان بعد أن انفضّ الاحتفال، أن نكون أو لا نكون.
*كاتب وصحافي مصري.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا