ليس الغرض من هذا المقترح رفع الاحتجاج، ضدّ السلطات القائمة في مجموعة دول المشرق العربي (لبنان والشام والعراق والأردن...ألخ)، كلها أو بعضها، بغرض التشهير بها، لمجرد التشهير، أو تأليب الرأي العام ضدها لزعزعة أوضاعها الداخلية أكثر مما هي متزعزعة، بل الغرض تقديم عرض شامل للمشاكل المعقّدة التي تواجهها هذه الدول والتي لم تزدها تلك السلطات إلا تعقيداً ورسوخاً، والتي نعدّ، من جانبنا، هذا المقترح، بهدف لفت الأنظار إليها لمعالجتها وإنقاذ الأمة من مخاطرها، وذلك في سياق مبادرة رئيس الجمهوررية اللبنانية العماد ميشال عون الرامية إلى إقامة تعاون إقليمي بين هذه الدول الأربع.

اَمیر اِرشادي (إيران)

في الحالة الحاضرة
تتعرّض هذه الدول، منذ إعلان تأسيسها، في مرحلة ما بين الحربين العالميتين، طبقاً لاتفاقية سايكس- بيكو الاعتدائية( 1916) لهجمة غربية( أوروبية فأميركية- صهيونية، بامتياز) تستهدف، في المقام الأول، وضع منطقة شرق المتوسط ومن ورائها المحيط العربي، بأكمله، في دائرة التبعية السياسية والاقتصادية الكاملة للغرب، لما تكتنز هاتان المنطقتان من ثروات طبيعية هائلة هو بأمسّ الحاجة إليها، كالنفط، مثلاً. كما تستهدف، في المقام الثاني، اجتثاث عوامل القوة والمنعة في هذه الدول–تحديداً- فيسهل إخضاعها وتفتيتها وتثبيتها على حالتها- كما هي اليوم- مجموعة كانتونات طائفية وعرقية، متنابذة ومتخاصمة، تهيمن عليها «إسرائيل» وتتحكّم بمصائرها. هذه الهجمة الاستعمارية- الاستيطانية واجهتها الطبقة السياسية الحاكمة، في مختلف هذه الدول الشقيقة- على امتداد الفترة الماضية- باستخفاف كبير، متذرّعة تارة بذريعة العجز على الرغم من القدرات المادية والبشرية الهائلة التي تكتنزها البلاد، وطوراً بسياسة النعامة، ظناً منها أن هذه السياسة تدرأ عنها الأخطار، في حين واجهها (ويواجهها) شعبنا، بحركة مقاومة عزّ نظيرها، وإن لم ترقَ بعد إلى مستوى المقاومة القومية الشاملة، على امتداد الوطن كله.

هذا على مستوى التهديد الخارجي. أما على المستوى الداخلي، فإن ما نشاهده:
أولاً: دول كيانية (قطرية، في بعض الأدبيّات) اصطنعها الاستعمار الغربي، فصدّقت نفسها، واهمة، أنها دول مستقلة ذات سيادة، فانعزلت داخل «حدودها» الكيانية المصطنعة، مبتدعة لنفسها تاريخاً مستقلاً، كما لو أن كل» دويلة « منها هي أمة تامة، قائمة بنفسها، منذ الأعصر الجيولوجية القديمة.
ثانياً: أنظمة سياسية، طائفية وعائلية، فصلت – على الرغم من شعاراتها القومية – بين الهوية القومية الجامعة و»القطرية» الكيانية المتزمّتة، وذلك لمصلحة هذه على تلك، فأفرغت الانتماء القومي من مضمونه الوحدوي بتحويله إلى مجرد صفة لفظية مفرغة من أي التزام حقيقي، مكرّسة النزعة الكيانية (القطرية) في مختلف السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية، مختلقة أحقاداً وعداوات ومنازعات مذهبية وعنصرية بين مختلف الكيانات السياسية وفي داخل كلّ كيان، على حدة، مبتدعة صداقات وتحالفات خارجية مشبوهة غير آبهة بالضرر الذي يمكن أن تجرّه تحالفات كهذه على المصير القومي العام. ولطالما استقوى بعضها على بعض، بهذه التحالفات، في غيرة مرة!.
ثالثاً: نزعة كيانية( قطرية) عدوانية نجحت في»تثبيت» كيانات التجزئة السياسية وأنظمتها المرتهنة للأجنبي، بحيث أصبح كل كيان «وطناً نهائياً» في عيون أبنائه، وفشلت هذه النزعة في تحقيق ازدهار حقيقي داخل كياناتها وفي توزيع عادل للثروة بين أبنائها، كما مُنيت بهزائم متتالية أمام العدو الصهيوني، محوّلة الحكم إلى وراثة حقيقية يتناوبها الأبناء عن الآباء، جيلاً بعد جيل. وأدّت السياسات الكيانية (القطرية) إلى تبديد الثروات القومية بشكل مخزٍ كما لو أنها متاع شخصي للحاكم وعائلته وأتباعه يتصرفون بها تصرفاً كيفياً دون أي اعتبار للمصلحة القومية العليا. كما أدّت هذه السياسات إلى ارتفاع مخيف في معدلات الفقر، وانتشار الأمية، وتقدم مشاريع الدولة الدينية والعرقية على حساب مشروع الدولة القومية وحتى الدولة «القطرية» نفسها، وينساق أصحاب هذه المشاريع بغباء خلف»التوجهات الدولية» الراهنة التي تغرّر بالمجموعات الطائفية والإثنية والفئوية، المشتّتة الأفكار والولاءات، دافعة بها إلى الانفصال عن متحدها القومي وإنشاء كيانات سياسية خاصة بها. وتكون النتيجة مزيداً من التجزئة السياسية للبلاد، ومزيداً من التفتيت لوحدتها الروحية والاجتماعية، ومزيداً من التدخل الخارجي في شؤونها الداخلية. الأمر الذي يبعث-حكماً- على تراجع الفكر القومي الوحدوي الذي كان- لفترة طويلة- بوصلة الحياة السياسية، وانكفاء مشروع الدولة القومية الذي شكّل- على الدوام- حلم الملايين، حتى باتت الفكرة القومية لبعضهم- اليوم- مجرّد هرطقة أو دعوة مشبوهة، على الرغم من أن الأمم التي انتهت- أمس- من استكمال وحدتها القوميّة تندفع-اليوم- بقوة إلى بناء الدولة الاتحادية- ما فوق القومية- بهدف تحصين قوميتها، كما فعلت أوروبا، بالأمس القريب، وتحاول المجموعة الأوراسية وغيرها فعله، اليوم.
رابعاً: تمرّ هذه الدول الأربع - اليوم- في ما يشبه «الطفرة» السياسية هي طفرة الدعوة إلى «الإصلاح» و»التغيير» و»الديمقراطية»، خصوصاً بعد حصول الغزو الأميركي للعراق وأجزاء من الشام. وهي طفرة خطرة على الحياة القومية برمّتها لأنها ناشئة، في أغلب الأحيان، من تزاحم القضايا الفئوية والغايات الخصوصية للأفراد والجماعات والتكتلات في الداخل، ومن تضارب الأطماع والمصالح للدول الإقليمية المجاورة والدول الأجنبية البعيدة، فضلاً عن المنظمات الدولية ذات النفوذ في المنطقة. طفرة مولعة بالحرتقات الانقلابية، مستقوية بالأجنبي، ومدفوعة برغبة عارمة في الانتقام لحلّ مشاكل الاستياء الخصوصي والمذهبي والعنصري. طفرة تربط هذا الاستياء من الحالة الراهنة بالأشكال السياسية القائمة في الدول والحكومات ومؤسساتها، متجاهلة حقيقة أن تغيير الأشكال- على أهميته- لا يُحدث تغييراً حقيقياً في حالة البلاد، كما أن استبدال حاكم بحاكم آخر لا يمكن أن ينهض بالأمة من حالتها السيئة. إن التغيير الحقيقي لا يكون بتغيير أشخاص وتغيير وجوه، بل بتوليد وعي قومي حقيقي، وبنشوء سياسة قومية صحيحة تحلّ محل السياسات الخصوصية والفئوية، وبتغيير القواعد السياسية كلها. إن الأشخاص مهما كانوا متعلمين ومتنورين لا يخرجون عن كونهم أشخاصاً – أفراداً تسيطر على أعمالهم نظم تفكيرهم الفردي اللامسؤول. فالسياسة لهم هي في الغايات الخصوصية، والمقاصد عندهم هي المقاصد الفردية، وليست القضايا القومية إلا واسطة لغاياتهم الخصوصية، فمصير الأمة منوط أبداً بتقلب ميولهم وأحوالهم الفردية وهو، لذلك، مصير قاتم، غامض لا يمكن أن يطمئن إليه شعب حي، عارف قضيته الكبرى ومقاصده العظمى في الحياة.
من عيوب التجارب الوحدوية العربية السابقة أنها لم تُعر الإتحادات الإقتصادية الإقليمية الأهمية التي تستحق، فدَوْر الاقتصاد أساسي في بناء الوحدات القومية


خامساً: إلى التجزئة السياسية والاستيطان الصهيوني والتمزق الاجتماعي النفسي والتخلف الاقتصادي الثقافي، تواجه الدول السورية (المشرقية) احتلالات واسعة في الشمال (تركيا) وفي الشرق (إيران)، احتلالات ترتكز إلى مزاعم وهمية، في حقوق باطلة، للأتراك والإيرانيين في أراضيها، كما تواجه سيطرة مصرية على سيناء، وعربية سعودية (وهابية) على العقبة وأجزاء واسعة من بادية الشام. هذه الاحتلالات الباطلة تتحكم، عملياً، بثروات البلاد المائية والنفطية والسياحية والحرجية، فما كان لإيران وتركيا، الدولتين الإقليميتين، أن تنشآ وتتحولا إلى قوتين كبيرتين في المنطقة، لولا تلك المساحات الشاسعة من الأراضي التي استولتا عليها، من الجغرافيا السورية، بتواطؤ بريطاني- فرنسي- روسي، في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى، وبتواطؤ بريطاني- فرنسي في مرحلة ما بين الحربين العالميتين، وذلك كله شريطة أن تتحول الدولتان المذكورتان إلى مخفر أمامي للقوى الغربية العظمى في منطقة خليج البصرة (الخليج العربي)، حيث منابع النفط والمياه الدافئة التي طالما حلم الروس والسوفيات في الوصول إليها منذ القيصر بطرس الأكبر!.

في متطلبات المرحلة الراهنة
استعرضنا في ما تقدّم بيانه حالة الدول السورية المشرقية الحاضرة، لجهة التحديات العامة التي تواجهها، وطبيعة الهجمة الغربية التي تستهدفها. ونتقدم، على أساس هذه المراجعة، بتصوّر شامل لمتطلبات المرحلة الراهنة.

أولاً – في راهنية الدولة القومية:
يعاني الفكر السياسي القومي- على اختلاف مدارسه- في منطقتنا وفي العالم العربي بعامة، من أزمة كبرى دفعت المشتغلين فيه– والهواجس تنتابهم- إلى التساؤل عن جدواه وفاعليته، في وقت تصمّ فيه بعض الدول والجماعات التي استكملت وحدتها القومية آذان العالم بضجيجها الصاخب عن عولمة كونية – لا مردّ لها - تجتاح المعمورة، متخطية الحدود القومية، متجهة بالعالم- على اختلاف بيئاته وشعوبه وثقافاته- إلى حدود «قرية» كونية واحدة.
إن الردّ على مثل هذا الضجيج المنخدع بالعولمة وشعاراتها المضللة التي تنْعَى الفكر القومي وثمرته: الدولة القومية، يكون في العودة إلى مبدأ أساس أقرّته العلوم الاجتماعية المتخصّصة في دراسة أحوال الأمم والجماعات لجهة نشأتها وتطورها وارتقائها، وهو أن التطور (الاجتماعي والاقتصادي والسياسي) مرهون دائماً بعوامله، وأن عوامل التطور ليست واحدة في الأمم كلها، ولذلك لم يرجُ أنصار هذا المبدأ كبير فائدة من استنساخ بعض الأمم لتجارب بعضها الآخر. لذا أصرّ علماء الاجتماع والسياسة والاقتصاد على أن تبقى العناوين الثلاثة الكبرى (الوطن والسيادة والدولة بوصفها جمعية الشعب الكبرى) ثوابت، خصوصاً في الأمم التي لم تتمكن بعد من إقامة دولتها القومية. فإذا استطاعت بعض الأمم- لظروف ذاتية وموضوعية- أن تنجز مشروع دولتها القومية، في حين لم تستطع أمم أخرى- لظروف ذاتية وموضوعية أيضاً- تحقيق هذا الإنجاز، فهذا لا يعني، بالضرورة، أن الدولة القومية قد انتهى دورها أو قد تمّ تجاوزها، أو أنها أصبحت من مخلّفات الماضي!. وعليه، إذا كانت الدولة القومية- بمعنى من المعاني- ماضي الأمم المتطورة، فإنها- في اعتقادنا- مستقبل الأمم النامية، خصوصاً الأمم التي تترنّح- كأمتنا- مغلوبة على أمرها بين مطرقة الهيمنة الخارجية، وسندان التفسّخ الاجتماعي والروحي والثقافي الداخلي.

ثانياً – في الاتحادية الجبهوية العربية:
انطلاقاً من تجربة التكتلات الإقليمية على الصعيد العربي، ولا سيّما تجربة «مجلس التعاون الخليجي» وتجربة «الاتحاد المغاربي» ، نرى من الضروري جداً تعزيز الاتجاه الراهن – على ضعفه – لقيام وحدات قومية في الدول السورية المشرقية (الهلال الخصيب)، والجزيرة العربية، ووادي النيل، والمغرب العربي الكبير. هذا الاتجاه الذي يمثل انتصاراً للواقعية العلمية والحقائق التاريخية على النزعات الرومانسية التي تحكّمت في الفكر السياسي العربي منذ ثلاثينيات القرن المنصرم. ونؤكد على ضرورة أن يكون ذلك في إطار خطة توحيدية مرحلية ترتقي بالعمل العربي إلى مستوى الفضاءات الفوق قومية والكتل الدولية العظمى.
إننا إذ نضع أمام ناظرنا تجربة دول الاتحاد الأوروبي، نؤكد على الدور الأساسي للاقتصاد في بناء الوحدات القومية. ونرى أن من أكبر عيوب التجارب الوحدوية العربية السابقة أنها لم تُعر الاتحادات الاقتصادية الإقليمية الأهمية التي تستحق. وبناءً عليه، نرى أن من أولويات العمل القومي إيجاد سوق مشتركة في نطاق البيئة الطبيعية الواحدة تُزال فيها الحواجز أمام حركة الأشخاص والسلع والرساميل، الأمر الذي يساعد على بناء مؤسسات اقتصادية كبرى تُسهم في عمليات التنمية، ويعمّق الانتماء القومي ويُركزه على أسس حياتية واقعية.
وفي هذا الإطار، وكخطوة أولى على طريق قيام سوق عربية جامعة مشتركة، ندعو إلى قيام سوق مشتركة في كل من الهلال الخصيب تطوّر العمل التعاوني بين لبنان والشام إلى مستوى الوحدة الاقتصادية المنفتحة على الأردن والعراق وفلسطين المحرّرة، وإلى قيام سوق مشتركة في وادي النيل تجمع مصر والسودان وتُؤالف بين الثروة البشرية المصرية والموارد الطبيعية الهائلة في السودان، وإلى تطوير عمل مجلس التعاون الخليجي وتوسيعه ليضمّ اليمن أيضاً بعد إيقاف العدوان العربي- الدولي ضده، وبعث الاتحاد المغاربي وتطوير عمله باتجاه إقامة وحدة اقتصادية تُوقف النزيف البشري وتُقوّي موقف دوله في حوارها مع الاتحاد الأوروبي.
هذا النظام الاتحادي، إذاً، لن يكون، بأي شكل من الأشكال، التفافاً على مطلب الوحدة العربية الشاملة بل سيكون تجسيداً لها في إطار من الواقعية العلمية، ولن تتوقف حيويته عند وحدة بلاد المشرق السوري/ العربي، بل ستتعدّاها إلى الالتزام الكامل بتحقيق الوحدات الجغرافية العربية الأخرى وصولاً إلى اتحاد عربي يشمل كل أرض العرب ويُعنى بكل همومهم وأحلامهم ومصالحهم!.

ثالثاً – في الإصلاح السياسي:
إن مسألة الإصلاح السياسي باتت ملحّة بفعل جملة من المتغيّرات الدولية والداخلية. ويرتكز الإصلاح المنشود، في هذه المرحلة، على المبادئ الآتية:
1. إطلاق حرية العمل السياسي الديمقراطي، على أوسع نطاق، وضمان حرية الرأي والقول والاجتماع، وتأمين سيادة القانون، وتداول السلطة والفصل بين مكوّناتها. الأمر الذي يبعث على وضع قانون جديد للأحزاب يمنع قيام الأحزاب الطائفية ويفسح في المجال حرية العمل للأحزاب القومية المركزية المنتشرة في أكثر من دولة من دول المنطقة، فلا تضطر هذه الأحزاب إلى طلب الحصول على تراخيص عمل داخل كل كيان أو «قطر» ، أو إلى انتخاب «قيادات قومية» سريّة على المستوى القومي وأخرى «قطرية» على مستوى الكيان السياسي القائم كما تفعل غالبيتها اليوم. وفي كلتا الحالتين، تخضع هذه الأحزاب إلى شتّى أنواع الضغوط والابتزاز من قبل السلطات الحاكمة تحت ذريعة الحصول على أذونات قانونية بالعمل، وغالباً ما لا تحصل عليها! وتتطلب الحالة القائمة في البلاد أيضاً وضع قانون جديد للانتخابات يقوم على قاعدة: الكيان السياسي دائرة انتخابية واحدة، والتمثيل النسبي، والأحزاب السياسية قاعدة الترشيح.
2. فصل الدين عن الدولة، ومنع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء ، وإزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب. وتنطوي هذه المبادئ التي تؤسس للدولة المدنية على سنّ قانون مدني للأحوال الشخصية يوحّد القضاء في مسائل الزواج والطلاق والإرث والملكية ويحلّ محلّ القوانين المذهبية المعمول بها حالياً، لأن الأحوال المدنية والحقوق العامة لا يمكن أن تستقيم حيث القضاء متعدّد أو متضارب ومقسّم على المذاهب الدينية، الأمر الذي يمنع وحدة الشرائع الضرورية لوحدة النظام. لا بدّ للدولة الحديثة، إذاً، من وحدة قضائية - وحدة شرعية. وهذه الوحدة التي تجعل جميع أعضاء الدولة يحسّون أنهم متساوون أمام القانون الواحد، هي أمر لا غنى عنه.

رابعاً – في الإصلاح الاقتصادي:
إن الإصلاح السياسي لا يكون إصلاحاً حقيقياً ما لم يُثبّت على قواعد اقتصادية اجتماعية متينة. أما قواعد هذا الإصلاح فهي:
1. تنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج، فالإنتاج هو مقصد رئيسي من مقاصد التفكير في الدولة الحديثة. وعلى أساس الإنتاج فقط يمكن النظر في إيجاد العدل الاجتماعي الحقوقي بين الذين يشتركون في الإنتاج.
2. تصنيف الإنتاج والمنتجين بحيث يُمكن ضبط التعاون والاشتراك في العمل على أوسع قياس ممكن، وضبط نوال النصيب العادل من الإنتاج، وتأمين الحق في العمل والحق في نصيبه.
3. تنظيم استخدام الثروات القومية وإعادة توزيعها، كالنفط والمياه، فلا تبقى حكراً على بعض الدول دون غيرها، فالأمة تمتلك ثروة نفطية كبيرة لم توظف، إلا لماماً، في مشاريع التنمية القومية أو حتى التنمية المحلية داخل كل دولة، لأن هذه الثروات القومية هي، عملياً، وقف على عائلات حاكمة أو أنظمة سياسية متسلطة تتصرّف بها تصرفاً كيفياً، دون أي اعتبار للمصلحة القومية العليا؛ فضلاً عن أنّ هذه الثروة سلاح ثمين لم تستخدمه الأمة في جميع قضاياها الكبرى، خصوصاً في فلسطين.
ونظراً إلى كون النفط ثروة قومية عامة، فهو، إذاً، ملك قومي عام للمجتمع القومي كله في البلاد السورية كافة وليس حكراً لواضعي اليد على أرضه، فالسوريون الآخرون هم، أيضاً، شركاء، قومياً، في هذه الثروة. ولذلك فإن عائداته هي- حكماً- عائدات قومية عامة يعود للشعب كله في هذه البلاد حق الانتفاع منها، ليس للعراقيين أو الكويتيين أو الشاميين- أو بعض فئاتهم- وحدهم. وعليه، فإن المصلحة القومية العليا تقضي بتنظيم هذه الثروة وإعادة توزيعها بشكل عادل بين الدول المالكة للنفط والمحرومة منه، على حدّ سواء.
إلى جانب النفط، هناك الثروة المائية. وهي، أيضاً، ثروة قومية عامة، تنطبق عليها القاعدة نفسها، ويحكمها المنطق نفسه. فالأنهار السورية، وما بينها من جداول وبحيرات، تشكل ثروة مائية هائلة، ولكنها غير مستغلة تماماً بسبب الهدر وسوء الاستخدام وانعدام التخطيط، فضلاً عن عمليات السطو التي تلحق بها جرّاء الاستيطان اليهودي في الجنوب والاحتلالين: التركي في الشمال الغربي، والإيراني في الشمال الشرقي.
4. إيجاد حالة صناعية تُخرج الأمة من حالة الرقّ للنظام الرأسمالي القائم على الصناعات الكبرى في الأمم الكبيرة المتقدمة، لأن الأمة التي تبقى في حالة زراعية محض تبقى حكماً مستعبدة للأمة التي هي منظمة صناعياً تنظيماً عالياً.
5. تخطيط سياسة اقتصادية قومية ترتكز على الوحدة الاقتصادية في بلاد المشرق السوري وضرورة قيام نهضة صناعية- زراعية على أسس متينة.
6. توثيق الروابط السياسية والثقافية والاقتصادية بين مجموعة الدول السورية وذلك بإلغاء الحواجز الإداريّة والجمركية ونظام التأشيرة في ما بين هذه الدول، وبناء المؤسسات الجامعة وأُولاها السوق الاقتصادية المشتركة، وربطها بشبكة مواصلات بريّة واسعة وحديثة، لما لخطوط المواصلات- على أنواعها- من دور حيوي في ربط مفاصل الدورة الحياتية الاقتصادية- الاجتماعية على امتداد الوطن كله، ودورها، أيضاً، في جبل الجماعات المتباعدة والمتنافرة وصهر عقائدها وتقاليدها، وإعادة تشكيلها لصياغة مجتمع متجانس، موحّد الأهداف، موحّد المصالح الحيوية، موحّد المصير.

خاتمة
تلك هي حالة الأمة، اليوم: تحديات داخلية وخارجية تضاف إلى مجموعة التحديات المزمنة التي بقيت الأمة تتخبّط فيها، خلال المئة سنة الأخيرة، دون معالجة صحيحة. تحديات التجزئة السياسية والوحدة القومية والاستيطان الأجنبي (في المرحلة الأولى) وتحديات التنمية والإصلاح والمواجهة مع الخارج (حالياً). مستويات من التحديات المصيرية تواجهها الأمة، اليوم، بنفس الأساليب والقواعد التي واجهتها فيها في الماضي: الارتجال والاعتباطية وانعدام الخطط وغياب الرؤية الشاملة. قواعد وأساليب قديمة فاسدة في العمل القومي لم تضمن ولن تضمن للأمة حقوقها، ولم تفتح ولن تفتح أمامها طريق النهوض والتغلب على خطط الذين يريدون لها الموت والفناء. إنها، باختصار، سياسة الخصوصيات الكيانية اللاقومية، العائلية والعشائرية والمذهبية، التي أوصلت الأمة في الماضي إلى كارثة فلسطين والاسكندرونة، وقبلها كارثة الأحواز وكيليكيا، وتقودها، اليوم، إلى مصير مجهول قد يكون أسوأ من المصير السابق. والغريب أنه بدلاً من أن ترى تلك السياسة إفلاسها وتعترف به، تطلب مزيداً من الدعم والتأييد لها.
إننا، كلبنانيين وشاميين وعراقيين وأردنيين وسوريين، بشكل عام، مدعوون، في هذه الأيام المفصلية، إلى مباركة ودعم وتأييد فكرة قيام تعاون إقليمي اقتصادي بين الدول الأربع (لبنان والشام والعراق والأردن) كخطوة تمهيدية لاندماج هذه الدول، لاحقاً، في دولة قومية واحدة، متحرّرة من كل وصاية أجنبية، ومرتكزة على قواعد الاستقلال السياسي الصحيح، والاستقلال الاقتصادي الصحيح، والاستقلال الفكري الصحيح.
* أستاذ جامعي

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا