صنَّفت غالبية قادة المقاومة الفلسطينية معركة سيف القدس على أنها تطور إستراتيجي في مسار الصراع مع العدو الصهيوني، وقد أكّد على هذه القراءة قادة أركان محور المقاومة عندما وصفوها بالتحوّل النوعي، ولعل وصف السيد حسن نصرالله لنتائج المعركة كان الأبلغ، حينما قال إن نتائج معركة سيف القدس تفوق ما تحقّق في حرب تموز 2006، مع العلم أن حرب تموز تُعد نصراً إستراتيجياً موصوفاً، وأحد أهم التحولات في تاريخ الصراع مع الكيان الصهيوني.

إذا ما سلّمنا بهذا التوصيف ـــ وهو بلا شك توصيف دقيق لواقع الأمر ـــ يصير لزاماً على فصائل المقاومة الفلسطينية مواكبة الحدث عبر وضع إستراتيجية جديدة للمرحلة القادمة، تبني على المكتسبات التي تحقّقت وعلى ميزان القوى بين فصائل المقاومة الفلسطينية وبين الكيان الصهيوني الذي رسّخته المواجهة الأخيرة، لأنه دون ذلك يمكن للعدو تفريغ الإنجاز من محتواه، وتقزيمه ليصبح نصراً تكتيكياً عوضاً عن كونه تحولاً نوعياً في مسار المواجهة المستمرة، ولعل إحدى المقاربات في هذا الخصوص كانت الدعوة التي أطلقها السيد حسن نصرالله إلى ترسيخ معادلةٍ جديدةٍ تجعل المساس بالمسجد الأقصى والقدس في مقابل حربٍ إقليميةٍ شاملةٍ، حرب متعددة الجبهات تضع استمرارية بقاء الكيان الصهيوني على المحكّ، هذه المعادلة التي أكد زعيم حركة أنصار الله عبد الملك الحوثي على أن اليمن سيكون جزءاً منها، مدشِّنين بهذا صفحةً جديدةً في مسار الصراع العربي-الإسلامي الصهيوني.
يطرح هذا المنظور لنتائج معركة سيف القدس عدة محاورَ جديرةٍ بالنقاش، لكن سيكتفي هذا المقال بالتعريج فقط على قضية الانقسام الفلسطيني وبناءِ الوحدة الوطنية الفلسطينية.
أبرزت معركة سيف القدس حالةً وحدويةً بين كلّ الفصائل الفلسطينية قاطبةً، تَمثلت في «غرفة العمليات المشتركة» في قطاع غزة، فبدايةً كان قرار الذهاب إلى الصدام العسكري مع المحتل رداً على تجاوزاته في القدس والمسجد الأقصى قراراً مشتركاً بين كلّ فصائل «غرفة العمليات المشتركة»، وكان التنسيق العسكري أثناء المعركة في أعلى درجاته بين كل أجنحة الفصائل العسكرية، سواءً أكان في توقيت الضربات الصاروخية أم في طبيعتها، وظهر التناغم الواضح بين فصائل «غرفة العمليات المشتركة» في التنسيق على المستوى السياسي أيضاً، وهكذا تحقّقت الوحدة بين الفصائل على أساس هدفٍ وطنيٍّ واضحٍ وبناءً على خطةٍ مشتركةٍ، ما عكس وحدةً وطنيةً في سائر قطاعات الشعب الفلسطيني في كامل أراضي الوطن السليب من النهر إلى البحر، وامتد ليشمل كذلك فلسطينيي الشتات حيثما وجدوا.
ومن المهم الإشارة إلى كون «غرفة العمليات المشتركة» قد جمعت بين كلٍّ من حركتي حماس والجهاد الإسلامي وبين فصائل (م. ت. ف.) بمن فيهم كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة «فتح» في إطار موحد، وكذلك الإشارة إلى كون هذه الغرفة لم تأتِ وليدة الصدفة، بل كانت تتويجاً لمسارٍ طويلٍ امتد لسنواتٍ أقلها منذ الحرب على قطاع غزة في عام 2014.
ويرى العديد في صيغة الوحدة هذه «ديناميكية» صالحةً يمكن البناء عليها لإنهاء الانقسام الحاصل في الساحة الفلسطينية منذ قرابة خمس عشرة سنةً، فهي بُنيت على أساس مشروعٍ موحدٍ ومن أجل أهدافٍ واضحةٍ، على عكس المسارات التي كانت مقترحةً سابقاً والتي كانت تتجاهل حقيقة كون الانقسام الفلسطيني منشؤه الاختلاف في الرؤى تجاه المشروع الوطني، والتي كانت تقفز عن هذه القضية الجوهرية لتغوص في قضايا شكليةٍ من أجل تكريس تحاصصٍ في سلطةٍ منتهية الصلاحية أصلاً، وذلك عبر تنظيم انتخاباتٍ أقل ما يقال فيها بأنها تندرج تحت سقف أوسلو، ناهيكم بعبثية فكرة تنظيم انتخابات مجلسٍ تشريعيٍّ في ظل احتلالٍ يتحكّم بكل تفاصيل الحياة في الضفة والقدس، فحقيقة الأمر أن الفلسطيني ما زال يعيش تحت سطوة احتلالٍ فعليٍّ، وكل حديثٍ عن دولةٍ فلسطينيةٍ ما هو إلى «فانتازيا» ومحض وهمٍ.
وأما الحديث المستجد عن إنهاء الانقسام من خلال الذهاب إلى حكومة وحدةٍ وطنيةٍ، يقبلها المجتمع الدولي وتلتزم بشروط «الرباعية الدولية»، فهذه محاولاتٌ بائسةٌ من قبل سلطة محمود عباس والولايات المتحدة الأميركية لتفريغ نتائج معركة سيف القدس من مضمونها، وذلك عبر جرّ الفلسطينيين إلى المربع الذي كانوا فيه قبل 21 أيار مايو 2021، وإدخاله مجدداً في دوامة أوسلو والمفاوضات العبثية التي باتت مجرد غطاءٍ للاحتلال كي يستمر في مشاريع الاستيطان وضم ما تبقّى من أراضي الضفة الغربية.
لقد تمكنت الوحدة التي تشكّلت في الميدان في ما بين الفصائل من تجاوز بعض أخطاء (م. ت. ف.) السابقة، التي كان أفظعها التنازل عن قرابة 80 في المئة من فلسطين للمحتل، لذلك ينبغي على الفصائل الفلسطينية البناء على قواعد وحدة غرفة العمليات المشتركة في أي مسعى مستقبلي لإصلاح (م.ت.ف)، فالهدف المنشود فلسطينياً يتمثل في إصلاح (م. ت. ف.)، لا إفساد حركتي حماس والجهاد الإسلامي وإلزامهما بسقوف (م. ت. ف.) وتنازلاتها التي لم تؤدِّ إلا إلى ترسيخ نكبة عام 1948، وتهديد حقوق اللاجئين في العودة، وجعل مستقبل بقاء الفلسطينيين داخل الخط الأخضر في مهب الريح بعد إقرار الكيان الصهيوني لقوانين يهودية دولته المزعومة.
لقد أثبتت نتائج معركة سيف القدس مجدداً تحول موازين القوى لغير مصلحة الكيان الصهيوني، وكانت حجةً أخرى على من لا يزال يصر على رؤية اليوم بعيون الأمس، ويصرّ على تجاهل التحولات في واقع المقاومة الفلسطينية، وفي واقع حركات المقاومة في عموم الإقليم، بالإضافة إلى حالة السيولة التي يعيشها الوضع العالمي وتراجع السطوة الأميركية على المسرح الدولي، ذلك الذي لا يزال ينظر إلى الكيان الصهيوني على أنه تلك القوة الصاعدة التي تستطيع هزيمة العرب في ستة أيام كما كان حاله في حقبة خلت، لا كما هو في عام 2021؛ كيانٌ هشّ، وفي حالة تراجعٍ، باتت حتى بعض الأصوات الوازنة في الولايات المتحدة الأميركية ترى فيه «عبئاً استراتيجياً» لا قيمةً مضافةً كما كان حاله سابقاً.
يمكن الخلوص بعد هذا العرض، إذاً، إلى أن «غرفة العمليات المشتركة» قد أعطت مثالاً حياً على كيفية الوصول إلى وحدةٍ وطنيةٍ مبنيةٍ على هدفٍ وطنيٍّ واضحٍ، يأخذ في الاعتبار ميزان القوى الحاكم حالياً لا ميزان القوى الذي كان سارياً في الماضي، وهذان المعطيان ـــ «غرفة العمليات المشتركة» وميزان القوى الراهن ـــ صالحان ليكونا نواةً للوصول إلى وحدةٍ وطنيةٍ حقيقيةٍ، ومبنيةٍ على مشروعٍ وطنيٍّ فلسطينيٍّ واضحٍ، وعلى استراتيجيةٍ فلسطينيةٍ جديدةٍ تحاكي تغيرات الواقع يكون عمادها التحرير.
* كاتب وباحث سياسي