(إلى ذكرى د.يوسف متي قوزي، أستاذ اللغتين السريانية والعبرية في كلية اللغات ــ جامعة بغداد، الذي رحل عن عالمنا أخيراً)


يثير هذا السؤال تحفّظات تاريخية وجغرافية وأناسية كثيرة، فهو من جهة يدخل في دائرة المناكفات والخطابات السياسية الانفعالية وخصوصاً على مواقع الإعلام الرقمي والتواصل الاجتماعي، وهو من جهة أخرى يكتسب شرعية الطرح والمناقشة من منظور التحقّق المنهجي العلمي الأناسي والمناهج القريبة منه. وعلى هذا، لا يمكن لنا إلا أن نقدم جواباً مركباً فنقول: لا العراق القديم «بلاد الرافدين» كان تابعاً أو امتداداً لـ»سوريا الكبرى» قبل الميلاد، إذ لا وجود لشيء اسمه «سوريا الكبرى» عهد ذاك، بل كانت هناك «بلاد الشام»، وقبلها «بلاد آرام» كما وردت في نقش الملك الأكدي نرام سين في القرن 23 ق.م، ثم في نص الملك الآشوري تجلات فلاصر الأول من القرن 13 ق.م وفي نص آخر لحفيده تجلات فلاصر الثالث في القرن الثامن ق.م، وهو الذي رحّل الآراميين من مناطق يسار دجلة إلى أعالي الفرات/ ص15- آرامية العهد القديم د. يوسف متي قوزي، ولا الشام كان تابعاً للعراق القديم إلا في جزء منه يتداخل مع جغرافيا حوض الفرات الأعلى، غير أن هناك دون ريب تداخلاً وتمازجاً عميقَين بين تاريخ وجغرافيا وإثنوغرافيا البلدين والشعبين الشقيقين ضمن الصيرورة الأناسية والحضارية الكبرى لجغرافيا المشرق الجزيري «السامي» في عصور ما قبل الميلاد.

«قاعدة أور : السلام والحرب» - سيراميك من مدينة أور السومرية جنوب العراق (تفصيل)، 2400 ق.م. المتحف البريطاني - تصوير DavidC

الدول المركزيّة ودويلات المدن
كانت بلاد الرافدين مهداً لظهور الدولة المركزية ذات السمات الإمبراطورية بفعل مميزات الوضع الهيدروليكي المائي ـــ ضمن عوامل أخرى ـــ للنهرين الكبيرين دجلة والفرات، المُتطلِّب لهذا النوع من الدول التي تنظم وتركز وتدير الجهد البشري لمقاومة كوارث الفيضانات والسيول المدمّرة المصاحبة لهذه البيئة الهيدروليكية وترويضها. وهذا ما كان يحدث دائماً في الحضارات الفيضية «النهرية» الأخرى في مصر والصين والهند، أما خصوصية إقليم الشام فتكمن في أنه طُبِعَ بطابع نشوء وزوال دويلات المدن المستقلة والمهدَّدة من الجارين الكبيرين المصري والرافداني المتصارعين على النفوذ الإقليمي طوال تاريخَيه القديم وحتى قيام الدولة الأموية والتي لم تستمر أكثر من ثمانية وثمانين عاماً، بسبب انعدام النهر الكبير الذي يجمع مفردات العِقد الشامي.
وجوهر ما تقوله الوقائع التاريخية والجغرافية هو أنَّ العراق عراق، والشام شام، والحجاز حجاز، ومصر مصر، والمغرب هو المغرب؛ وهذه هي الأقاليم الرئيسة العريقة المكوّنة للجغرافيا العربية والمتداخلة مع بعضها ضمن جدلية «الوحدة في التنوّع، والتنوّع في الوحدة» بعد ظهور الإسلام، والممتدّة على «الفَرْشَة الأنثروبولجية الواحدة/ كما نظَّر لها الراحل جمال حمدان» قبل وبعد الإسلام. مع ضرورة توخّي الانتباه إلى الفرق النوعي الشديد الأهمية بين الأنثروبولوجي ببعده الثقافي، والإثنيوغرافي بجوهره العرقي؛ فالأول - الأنثروبولجي - يقود إلى الوحدة الثقافية الحضارية ذات الجوهر الإنساني، والثاني - الإثنيوغرافي - تقوم عليه النزعة القومية العرقية، الأوروبية المنشأ، وذات الجوهر العنصري من النمط الألماني.
ثم تغيّر المشهد التاريخي والجغرافي في العصر الحديث أسماءً ومسمياتٍ، وولدت أسماء دول وأقطار عربية جديدة، متفرّعة عن هذه الأقاليم وبحدود موروثة من العهد الاستعماري الأوروبي، كما هي الحال في الإقليم الذي تحول إلى عدة دول مستقلة، نعني بلاد الشام الذي يضم اليوم دول سوريا ولبنان والأردن وفلسطين المحتلة؛ ودولاً أخرى جمعت ووحَّدت عدداً من هذه الأقاليم كما هي الحال في المملكة العربية السعودية التي ضمّت أقاليم نجد والحجاز والإحساء وعسير والدهناء ونجران في دولة واحدة، ونوع ثالث بقي كما هو تقريباً، إقليماً قديماً موحّداً قامت عليه دولة حديثة واحدة كما هي الحال في العراق ومصر واليمن.

اسم سوريا وجذوره
لنبدأ باسم «سوريا»؛ فمن المعروف للمتخصّصين وكثير غيرهم، أن كلمة «سوريا»، كاسم لإقليم جغرافي حديث، لم تدخل المعجم العربي القديم وتحلّ محل اسم «بلاد الشام» إلا في العصر الحديث، فهي اشتقاق من اسم إمبراطورية آشوريا «آسوريا» الرافدانية، والتي امتدت حدودها في أقصى صعودها الإمبراطوري لتشمل بلاد فارس شرقاً، نزولاً إلى مدينة سوسة «شوش» عاصمة عيلام ذات الثقافة السومرية في جنوب إيران المعاصرة، وبلاد الشام كله غرباً ومعها مصر لفترة قصيرة في عهد الملك أسرحدون في القرن السابع ق.م، وشمال الجزيرة العربية جنوباً، وبلاد الأناضول وأرمينيا شمالاً.
وبعد زوال الإمبراطورية الآشورية، وقيام الدولة الكلدانية «البابلية الحديثة» في جنوب بلاد الرافدين وعلى أنقاض آشور، ثم سقوط الكلدانية وبدء الاحتلال الفارسي الأخميني للعراق القديم عام 539 ق.م وصراعه وحروبه ضد الإغريق والرومان، وحتى حرب الفتح العربي الإسلامي في القرن السابع الميلادي، وعندها، وربما قبل سقوط الدولة الآشورية بقرن أو يزيد، صار هذا الاسم «آسوريا» يعني لدى الجغرافيين والمؤرّخين الرومان والإغريق - وليس لدى نظرائهم العرب - الجزء الغربي من الدولة الآشورية، وهو الجزء الذي يضم جزءاً من الشمال الغربي للعراق المعاصر والجزء الشرقي على امتداد نهر الفرات من سوريا الحالية، وبقي استعماله رومانياً وإغريقياً.
ولا علاقة لهذا لاسم سوريا بمملكة «أسروينا» الصغيرة والتي ظهرت في شمال بلاد ما بين النهرين بين نهاية القرن الثاني ق.م. وأوائل القرن الثالث الميلادي، وكان اسمها بالآشورية «أدما» وعاصمتها الرها وقد حكمتها سلالة الأباجرة العربية ولذلك ورد اسمها بالسريانية «عربايا»، وهي - كما يسجل الراحل يوسف متي قوزي - أول دولة مسيحية في التاريخ وقد سبقت تبنّي الدولة الرومانية للدين المسيحي بقرنين تقريباً، وكانت الرها ملاذاً آمناً للمسيحيين الأوائل الناجين من الإبادة الرومانية في عهد الإمبراطور نيرون.

تداخل إقليمي وتمازج أنثروبولوجيّ
نعلم من وثائق ومعطيات التاريخ والأركيولوجيا الحاضرة بقوة هنا، أن هذا الجزء من سوريا الحالية، وعلى امتداد نهر الفرات، كان جزءاً وامتداداً لدول بلاد الرافدين منذ بداية ظهور هذه الدول المركزية المتعاقبة، ومنها الدولة الآشورية، وكانت حدود بلاد الرافدين تصل إلى مدينة قرقميش على نهر الفرات في تركيا الحالية شمالاً، والتي عُثر فيها على آثار وكتابات مسمارية رافدينية، بل تمتد إلى أبعد من ذلك فتتعدّى مدينة حران، التي تقع حالياً جنوب شرق تركيا، عند منبع نهر البليخ، وهو أحد روافد نهر الفرات، وتتبع حالياً لمحافظة «أورفة» التركية.
وقد ظلت مدن الفرات الأخرى على الشريط الفراتي بين مملكة مدينة ماري القريبة من بلدة البوكمال السورية القريبة من الحدود العراقية بمسافة 11 كم، وحتى ما بعد مدينة قرقميش وحران شمالاً، ظلت جزءاً من حضارة بلاد الرافدين ودولها تارة، أو أنها شهدت قيام دويلات المدن ذات اللغة والثقافة والحضارة الرافدانية تارة أخرى كما هي الحال في دولة مدينة أسروينا شمالاً وإبلا غرباً قرب بلدة سراقب في محافظة أدلب.
قد عُثر في هذه المدن - كما قلنا - على الكثير من الآثار الرافدانية ومكتبات كاملة باللغات الرافدانية السومرية فالأكدية فالآشورية مدوّنة بالخط المسماري، بما يؤكد وحدة النسيج الحضاري والأناسي لسكان هذه المنطقة مع الشعوب الرافدانية القديمة، فكيف يستقيم - والحالة هذه - أن يجعل البعضُ بلادَ الرافدين امتداداً أو تابعاً جغرافياً وحضارياً لـ «سوريا الكبرى» التي لم يكن لها وجود كياني أو حتى اصطلاحي عهد ذاك، ويحكم بعضهم بجرّة قلم وبعيداً عن العلم ومعطياته بأن هذه المناطق والمدن وبلاد الرافدين كلها هي جزء من «الحضارة السورية القديمة»، في حين أن ما نسميها اليوم بلاد الشام وحتى فلسطين جنوباً لم تخرج كلها من حالة دويلات المدن -أو المشيخات الأميرية بعبارة توماس طومسون - إلى الدولة المركزية ذات السمات الإمبراطورية إلا في العصر الأموي سنة 662 بعد الميلاد؟

الإمبراطورية الآشورية
فلنلقِ نظرة سريعة على جذورها وتاريخها وماهيتها وهويتها الأناسية الرافدانية البحتة، فهي واحدة من دول بلاد الرافدين المركزية الإمبراطورية أرضاً وشعباً وعاصمة. نشأت في شمال البلاد على نهر دجلة وليس على الفرات، وتوسّعت في الألفية الثانية ق.م. وامتدت شمالاً وغرباً إلى مدن نينوى ونمرود وخورسباد ثم امتدت لتشمل أقاليم الجنوب العراقي بعد الاستيلاء على بابل.
وقد مرّت بلاد آشور بأربعة عصور كما يسجل المؤرخ العراقي عامر سليمان: الأول هو عصر التبعية لبلاد سومر وأكد طوال الألف الثالث قبل الميلاد، وكانت مدينة آشور أحد المراكز الإدارية المهمة التابعة للدولة الأكدية، وعُثر فيها وفي نينوى على آثار للنفوذ الأكدي السياسي والحضاري، منها زقورة للإله أنليل تحمل طابعاً أكدياً. والآشوريون كما يعتقد أغلب الباحثين والمؤرخين هم من الأكديين الذين قطنوا المنطقة الشمالية من حوض نهر دجلة، بعد هجرتهم من منطقة بابل خلال العهد الأكدي/ ص122 من كتاب «العراق في التاريخ».
يذهب أحمد عيد في «جغرافيا التوراة في جزيرة الفراعنة» إلى أن شمال اليمن حصراً هو ما كان يُدعى الشام، ثم عُمّمَ الاسم لاحقاً ليشمل كل ما هو شمال اليمن وجزيرة العرب غرباً


والعصر الثاني هو الآشوري القديم ويغطي الحقبة بين 2000 ق.م وحتى 1521 ق.م. وينقسم هذا العصر إلى ثلاث مراحل تنتهي ثالثتها باعتلاء بوزور آشور الثالث وبدء العصر الثالث والذي يسميه المؤرخون «الآشوري الوسيط»، الذي دام ستة قرون تقريباً وينتهي في سنة 911 ق.م. وفي هذا العصر بلغ التمازج الحضاري والأناسي بين الرافدانيين الشماليين الآشوريين والجنوبيين البابليين ذروته، وبرزت ملامح الدولة المركزية الرافدانية الإمبراطورية الموحَّدة، واكتملت في العصر الآشوري الرابع «الحديث»، وبلغت الإمبراطورية الآشورية فيه أوج نضجها واتساعها. وانتهى هذا العصر بسقوطها على أيدي البابليين الكلدانيين بزعامة نبوبلاصر وفتح عاصمتها آشور سنة 614 ق.م، وموقعها اليوم في قلعة ومدينة الشرقاط «آشور كات» أي «مدينة الذئاب»، 320 كم شمالي بغداد، وهي اليوم مدينة حية ودائرة إدارية «قضاء» تابع لمحافظة صلاح الدين العراقية.
في عام 853 ق.م، دارت معركة كركرا أو قرقورا بين الجيش الآشوري بقيادة الملك شلمنصر الثالث وجيش عرمرم مؤلف من مقاتلي دويلات ومشايخ مدن بلاد الشام، شارك فيه اثنا عشر ملكاً متحالفاً تحت قيادة ملك دمشق حدد عازر، في بلدة قرقور، وانتهت المعركة بانتصار الآشوريين وإخضاع جميع دول المدن في بلاد الشام حتى الحدود الجنوبية مع مصر.
وقاد الملك الآشوري أسرحدون بن سنحاريب حملتين لغزو مصر وإنهاء تدخلاتها في مناطق النفوذ الآشورية بفلسطين وعموم بلاد الشام ولوقف تحريض شعوب الإقليم ضد الآشوريين، وانتهت الحملة الأولى إلى الفشل سنة 674 ق.م، وهَزَمَ الفرعونُ النوبي طاهرقا الآشوريين، وفقاً للسجلات البابلية. ثم قاد أسرحدون حملة ثانية أكبر من السابقة سنة 676 ق.م، تُوجت بالانتصار الآشوري واحتلال مصر ودخول العاصمة الفرعونية منف «ممفيس» وهروب الفرعون طاهرقا جريحاً، وأُسِرَتْ عائلتُه الملكية، ولكن هذا الاحتلال الرافداني لمصر لم يدم طويلاً وانتهى بانسحاب الآشوريين بعد سنوات قليلة تحت ضغط المشاكل التي تعرّضت لها الإمبراطورية في موطنها شرقاً.
اختفت مملكة آشور كدولة وإمبراطورية توالى على حكمها اثنان وسبعون ملكاً، بعد أن تمّ غزوها وإسقاطها كما قلنا من قِبل أبناء عمومتهم الجنوبيين الكلدانيين حين زحف ملكهم نابو بلاصر، وأخضع آشور عام 614 ق.م، وآلَ حكم بلاد الرافدين ومناطق نفوذها إلى الكلدان الجنوبيين.

سوريا الكبرى وهم أم حقيقة؟
إن عبارة «سوريا الكبرى» مستحدثة، وليس لها أصل تاريخي مدوّن معروف حتى لدى من ابتكروا اسم سوريا من مؤرخين رومان أو إغريق، ولكنها واقعاً وعلى الأرض تعني بلاد الشام، وهناك باحثون يستعملون عبارة «سوريا الطبيعية أي بلاد الشام» وهي عبارة لا مأخذ عليها رغم أنها لا تضيف جديداً إلى «بلاد الشام» كاسم لإقليم شائع ومُطّرد الاستعمال. وتعني «سوريا» أحياناً كما في كتابات المؤرخ اليوناني هيرودوتس مجموع سوريا وفلسطين على اعتبار أن لبنان «الجبل» كان على الدوام جزءاً من سوريا ما بعد الرومان. وفي هذا السياق قد يكون من المفيد التذكير بأن بعض هذه المعطيات ليست قديمة ومغرقة في التاريخ بل هي جديدة وقريبة من عصرنا، فعلى سبيل المثال فإن لبنان الحالي هو كيانية جغراسياسية جديدة بكل معنى الكلمة، ليس لأنه كان جزءاً من سوريا فحسب، بل لأن لبنان كان اسماً منفصلاً حتى عن بيروت المدينة والميناء، ويعني «متصرفية جبل لبنان» وعاصمتها أو مركزها قرية «بعبدا» وهي كلمة آرامية تعني باللغة العربية «بيت العابد»، قبل أن يتوحدا في «لبنان الكبير» في فترة الانتداب الفرنسي وقد أعلن الجنرال غورو عن قيامه في الأول من أيلول /سبتمبر 1920.
أي أنّ لبنان أو «متصرفية جبل لبنان» وبيروت المدينة كليهما كانا جزءاً من جغرافية سوريا، وظلّ هذا المعطى حاضراً بقوة حتى نهاية القرن التاسع عشر كما سجّله الرحالة المصري أحمد أفندي سمير والذي وصفه مطولاً - كما ينقل الباحث تيسير خلف في مقالة حديثة له - بعد زيارته لبيروت سنة 1890، حيث «يحدثنا الرحالة المصري عن الوضع الإداري لبيروت وسعي البيروتيين الحثيث للانفصال إدارياً عن دمشق «وتقسيم ولاية سورية إلى ولايتين؛ الأولى ولاية الشام وقاعدتها دمشق، وواليها من الدرجة الأولى. وثانيتها بيروت وهي القاعدة، وواليها من الدرجة الثانية». ويضيف: «فلما أدرك أهل بيروت بعض آمالهم، وفاتهم من رغبة الانضمام إلى لبنان ويقصد متصرفية جبل لبنان».

سوريا وفلسطين عند هيرودوتس
ورد اسم سوريا وفلسطين في مؤلفات المؤرخ والرحالة الإغريقي هيرودوتس في القرن الخامس قبل الميلاد، إذْ أشار إلى ما نسميها اليوم بلاد الشام باسم «سوريا»، وإلى جنوبها بـ»فلسطين» (Παλαιστινη پَلَيْسْتِينِيه)، وأحيانا بـ «فلسطين السورية» و سوريا الفلسطينية. ثم أطلق الرومان عليها بعد القضاء على التمرد اليهودي بقيادة بار كوخبا سنة 132م، ولاية فلسطين السورية (Provincia Syria Palestinae)، ما يدل على اضطراب المصطلح وعدم ثباته ورسوخه حتى لدى الإغريق واليونان.
ولكننا نجد في الكتابات ذات المنحى الترويجي السياسي والإيديولوجي في عصرنا ترويجاً وتكراراً وتوسيعاً لاستخدام عبارة «سوريا الكبرى»، وكأنّ هذه العبارة باتت مصطلحاً عربياً أو حتى أجنبياً شائعاً وموثوقاً، يتصف بما يسمى في لغة البحث العلمي بـ «الاطّراد والشيوع» أي الامتداد الاستعمالي لفترة طويلة في التاريخ ورقعة واسعة في الجغرافيا مثل اسم فلسطين الذي تضربه الباحثة إنغريد يلم كمثال بهذا الصدد/»ص 11 - الماضي العصي»؛ حيث يذهب بعضهم إلى القول إن مصطلح «سوريا الكبرى يشير إلى الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط وامتداده ليشمل بلاد الرافدين والكويت والأهواز وكامل الهلال الخصيب وصولاً إلى أجزاء من أرمينيا وجزيرة قبرص»، ناسبين هذا التحديد الجغرافي إلى المؤرخ الروماني پلينيوس سـِكوندوس (Plinius Secundus) من القرن الميلادي الأول، غير أن هذا الرأي يدخل في باب الدعاية السياسية والخطاب الإيديولوجي وليس في باب المنهجية البحثية العلمية الرصينة.
ولكن، وحتى بوجود توثيق دقيق، فهل يمكن لوجهة نظر مؤرخ روماني أو إغريقي واحد أن تكون حجة على التاريخ والجغرافيا العربيَّيْن، ويتم إهمال وطمس الاسم العربي الشائع والحي والمُطَّرد الاستعمال طوال قرون وقرون للإقليم وأعني «بلاد الشام»؟

بلاد الشام المضمون والجذور
ولكن ما معنى «شام»؟ تعني كلمة شام أو شآم الشمالَ، ويقابلها اليمنُ ومن معانيها اليمين والجنوب. ويذهب الباحث المصري أحمد عيد في كتابه «جغرافيا التوراة في جزيرة الفراعنة» إلى القول إنَّ شمال اليمن حصراً هو ما كان يُدعى الشام، ويبدو أن استعمال الاسم عُمّمَ لاحقاً ليعني كل ما هو شمال اليمن وجزيرة العرب غرباً، ولكنه لم يوثّق كلامه أو يسنده بدليل تاريخي أو لغوي أو أركيولوجي للأسف. وهناك معانٍ أخرى للاسم بعضها يربطه بسام بن نوح التوراتي أو بالشامات «جمع شامة»...، وهذه تفسيرات عشوائية لا يمكن الدفاع عنها علمياً، وعموماً فقد كان هذا الاسم رائجاً قبل الإسلام بزمن طويل كما نقرأ في الكتابات التاريخية والجغرافية القديمة بعكس كلمة «آسوريا» وسوريا التي لم ترد فيها أبداً.
خلاصة القول هي أن أسماء «آسوريا» و»سوريا» - وإلى درجة ما «سريان»- لم تَشِعْ وتطَّرد وتتكرس كعلم جغرافي للجزء الغربي من بلاد آشور إلا جزئياً وبعد زوال تأثير مملكة آشور من المشهد التاريخي، وهو لهذا السبب يكون «سوريا» مجرد اسم لا يحمل أية دلالات أناسية أو لغوية ذات علاقة بأصله إلا على سبيل الذكرى التاريخية والجوار الجغرافي، أما من حيث مطلقيه الرومان أو الإغريق فهم غزاة وغرباء عن المنطقة، غير أنه بعث حياً في العصر الحديث وحاملاً لبعض الدلالات الجغرافية ونفحة خفيفة من ذكرى الإمبراطورية الرافدانية القديمة «آشور» وصار اسماً جميلاً ومُلْهِماً للجمهورية العربية السورية بحدودها المعروفة وبيان استقلالها المُعْلَن في الثامن من آذار 1920، ومن حقّ الأشقاء السوريين أن يفخروا به.

* كاتب عراقي