كانت معركة عين جالوت في عام 1260 فاصلةً في التاريخ العربي ــــ الإسلامي لأن نصرَ جيش المماليك ضد المغول رفع معنويّات المسلمين الذين كانوا على اقتناع بأن المغول لا يُقهرون. والمجازر التي ارتكبت في اقتحام بغداد كان الهدف منها الترويع والإرهاب لإضعاف نفوس المسلمين والعرب. وكان الناس قبل سقوط بغداد يتداولون مقولة «من قال لك إن المغول يُهزمون لا تصدّقهم». والحرب النفسيّة كانت فعّالة من قبل المغول. كتب هولاكو إلى الخليفة العباسي المستعصم يرهبه قائلاً: «فإنكَ لو كنتَ مختفياً في السماء أو في الأرض فسوف أنزلكَ من الفلك الدوار، وسوف ألقيكَ من عليائك إلى أسفل كالأسد، ولن أدع حيّاً في مملكتك، وسأجعل مدينتك وإقليمك وأراضيك طعمةً للنار، فإذا أردتَ أن تحفظ رأسك وأسرتك فاستمع إلى نصحي بمسمع العقل والذكاء، وإلا فسأرى كيف تكون إرادة الله». (لا تذكر المراجع التاريخيّة أن الخليفة جَبُنَ ــــ وهو رفض نصيحة وزيره بالاستسلام ــــ مع أنه كان ضعيفاً وردّه على الرسالة كان هزيلاً ويُقال إنه أعلمَ أعداءه بمواضع المال قبل أن يُقتل. وبعد سقوط بغداد، أمرَ هولاكو بقتل الخليفة، وهناك من قال إنه قُـتل رفساً أو غرقاً أو خنقاً).

(نهاد علم الدين)

والعدوّ الإسرائيلي استثمر في الحرب النفسيّة ضد العرب مبكّراً. لدينا اليوم وثائق أُفرجَ عنها وفيها أحاديث صريحة بين زعماء الصهاينة في العشرينيّات عن وسائل لتطويع وإخضاع وترهيب وشرذمة العرب وشقّ صفوفهم. كانوا يتحدّثون عن خطط لزرع الشقاق بين المسيحيّين والمسلمين في فلسطين مثلاً (ووعى الفلسطينيّون الأوائل هذه الخطة الخبيثة فتضافروا في إنشاء جمعيّات إسلاميّة ــــ مسيحيّة لتفشيل خطط العدوّ. وللأمانة، غاب عامل الانقسام الطائفي والمذهبي عن الساحة الفلسطينيّة إلى أن ضعفت الأحزاب الفلسطينيّة العلمانيّة والقوميّة وصعدت حركات إسلاميّة في صفوف شعب فلسطين. هناك في مخيّمات لبنان من يشتغل في التحريض ضد «الروافض» والكفرة أكثر من اشتغالهم في التحريض ضد الصهيونيّة). والخطط الأولى للعدوّ شملت شراء الكتّاب في الصحف العربيّة ــــ في لبنان وحتى في المهجر الأميركي ــــ وشراء الساسة والحكّام والمؤثّرين. العدوّ (منذ أول أيّام رئاسة حاييم وايزمان للحركة الصهيونيّة) أراد إحباط المعارضة العربيّة ضد الصهيونيّة. والصهيونيّة لجأت إلى وسائل خبيثة وسرّية في التعامل مع العرب.
في المرحلة الأولى حتى عام 1948، كانت الحركة الصهيونيّة تعمل سرّاً لإنشاء جيش حديث منظّم زادته مشاركة «لواء يهودي» منظّم في صفوف الجيش البريطاني في الحرب العالميّة الثانيّة تنظيماً وبأساً. لم تكن الحركة الصهيونيّة وهي تتسلّح تريد من العرب معرفة نيّاتها وإصرارها على السيطرة على أرض فلسطين بالقوّة المسلّحة. ولم يدرك العرب خطورة ما يعدّه العدوّ لهم إلا في «حادثة الاسمنت» في أكتوبر 1935. في 16 أكتوبر من ذلك العام، اكتشف عمّال الميناء في مرفأ يافا في فلسطين (وكانت تحت الاحتلال البريطاني) أثناء تفريغهم لباخرة كانت تحمل محتويات اسمنتيّة لمصلحة تاجر يهودي في تل أبيب أن هذه المحتويات ليست إلا سلاحاً للعصابات الصهيونيّة. تعرّضت حاوية لتكسّر واندلقت محتوياتها فكشفت عن بنادق وذخائر. وكشف تحقيق بريطاني في ما بعد شحنة سلاح كبيرة في الباخرة، وتضمّنت 25 بندقيّة رشاش «لويس»، و800 بندقيّة و400 ألف طلقة ذخيرة. وصُدم العرب لهذا الاكتشاف إلى درجة أنه في غضون ساعات اندلعت التظاهرات في أنحاء فلسطين وحتى في العواصم العربيّة (في عمّان وبغداد والقاهرة ودمشق ــــ لكن ليس في بيروت التي يحبّ أهلها الحياة والرخاء حبّاً جمّاً). إن «حادثة الاسمنت» كانت عاملاً أساسيّاً في اندلاع الثورة الفلسطينيّة في 1936.
حاول العدوّ حتى عام 1948 أن يخفي قوّته العسكريّة الكبيرة. العدوّ علم أن الكشف عن حجم القوّة العسكريّة الإسرائيليّة من شأنه أن يزيد من حجم القوّة العسكريّة العربيّة لمنع احتلال فلسطين، كما أنه كان يمكن أن يكون هناك حالة استرخاء في صفوف العصابات الصهيونيّة لو عرف عناصرها بمدى التفوّق اليهودي في الميزان العسكري مع العرب ــــ كل العرب، وليس بعضهم. صحيح أنه كان هناك حكّام عرب موالون لبريطانيا ومتواطئون مع الحركة الصهيونيّة، لكن العدوّ نجح في خداعهم بأن صوّر نفسه بأنه ضعيف وأن هناك قوّات عربيّة هائلة آتية لنجدة أهل فلسطين. يروي هشام شرابي عن ذكرياته في الجامعة الأميركيّة في بيروت كيف أن مئات المتطوّعين من الطلاب تسجّلوا لقتال الصهاينة في 1948، لكن لم يأتِ منهم إلا عدد صغير جداً في اليوم التالي (يُعدّون على الأصابع). لم يكن هذا جبناً منهم. لا. لم يكن العرب يقدّرون حجم القوّة العسكريّة الصهيونيّة. هل هناك شكّ أنه لو أن العرب كانوا على معرفة بالحجم الحقيقي للقوة العسكريّة الصهيونيّة والضعف العسكري العربي الهائل، أن مئات الآلاف منهم كانوا قد تطوّعوا للسفر إلى فلسطين والدفاع عن أهلها؟ وقد ساهم في تخفيف الخطر الصهيوني الحكّام العرب أنفسهم الذين أوحوا للصحافة بأن الجامعة العربيّة ستتكفّل بردّ عدوان الصهاينة. رجعتُ في مكتبة جامعة كاليفورنيا في بيركلي إلى أعداد مجلّة «المصوّر» المصريّة لعام النكبة ويذهلك هذا الاستخفاف من القادة العرب. كان رياض الصلح يمازح الصحافيّين وهم يسألونه بلوعة وترقّب وقلق عن خطط القادة العرب للدفاع عن فلسطين. وحدّثهم الصلح هذا عن خطة سرّية لحماية فلسطين. كان الشعب العربي نائماً على يقين النصر. وحتى الفلاحون الذين كانوا في جنوب لبنان (قابلتُ بعضاً منهم في سنوات يفاعتي) يهرّبون مهاجرين يهوداً إلى فلسطين سرّاً (بعد «الورقة البيضاء» في عام 1949): هؤلاء لم يكونوا يتوقّعون أن ينتصر الصهاينة. قال لي فلاح جنوبي عندما سألته مستهجناً مُستفظعاً عن مساعدة المهاجرين اليهود للاستيطان في فلسطين إنهم كانوا فقراء ويقبضون من اليهود بالعملة الصعبة، وإنه لم يدُر في خلدهم أن دولة يهوديّة ستنشأ على أنقاض فلسطين (هذا لا يبرّر فعلتهم الشنيعة). والخفية الصهيونيّة وستر حقيقة التحضر العسكري اليهودي ساعد أيضاً في رصّ صفوف اليهود وحثّهم على القتال حتى الموت. لا يحفّز على القتال أكثر من تصوير القتال بأنه وجودي (هذا ما رمى إليه أنطون سعادة في تصنيفه للصراع مع الصهيونيّة).
إن كل الحملة الهائلة ضد المقاومة في لبنان وفلسطين (والتي قادها من دون هوادة النظامان السعودي والإماراتي) هي من أجل إرجاع ثقافة الانهزاميّة إلى العقل العربي


إذا كانت مشكلتنا مع الدولة الاحتلاليّة بعد 1948 هي الانهزاميّة والشعور بأن الصهيوني «لا يُقهَر» مثلما كان المغولي لا يُقهر، فإن المشكلة كانت حتى عام 1948 أن الصهيونيّة خطر عسكري غير ذي اعتبار لأن الدول العربيّة ستناصر مجتمعةً شعب فلسطين. كل الحكومات العربيّة خذلت شعب فلسطين في حينه، لكن الحكم على الشعب العربي يظلمه إذا لم يأخذ في عين الاعتبار أن الشعب العربي لم يكن مُدركاً حالة الضعف العسكري العربي. كانت انطلاقة «الثورة الفلسطينيّة» (أجهضتها دول الخليج عبر القيادة الكارثيّة لياسر عرفات) مناسبة لدفق التطوّع العربي الشعبي إلى لبنان، وكانت مخيّمات التدريب العسكري مليئة بمتطوّعين من كل البلدان العربية، بما فيها دول الخليج. وكان عرفات حذراً جداً من التعامل مع متطوّعي الخليج مخافة إغضاب حكوماتهم (كان الكثير منهم يلجأ إلى مخيّمات تدريب «الجبهة الشعبيّة» و«الجبهة الديموقراطيّة»).
وبعد تحقيق الانتصار الصهيوني الكبير ضد العرب (بالرغم من تهويل كاذب للصهاينة بأن غزواً من سبع دول عربيّة كان يسعى إلى إبادة اليهود ــــ يكفي أن تعرف أن الجيش اللبناني المتواطئ في حينه كان في عداد تلك الدول «الغازية»)، لم يرد الصهاينة أن يعرف الغرب بحجم قوّتهم وكانت قوات اليهود ثلاثة أضعاف عدد الجيوش العربيّة السبعة المفترضة. جعلوا من نصرهم معجزة ربّانيّة منَّ بها خالقُهم عليهم، وأن الغزو العربي كاد أن يمحي اليهود عن الخريطة السياسية في الشرق الأوسط. ولم يكن هناك طبعاً أي خطة عربيّة، رسميّة أو شعبيّة، بذلك. استمرّت الدعاية الصهيونية الكاذبة حتى عام 1967 ــــ في تصوير دولة اليهود على أنها دولة ضعيفة صغيرة محاطة بجزيرة من المتوحّشين العرب. وكما أن دولة إسرائيل اليوم تصيح مهتاجةً ليل نهار حول سلاح نووي إيراني غير موجود، فيما هي تتربّع على ترسانة نوويّة عملاقة، فإن إسرائيل كانت تبالغ في حجم قوّة الجيش المصري والسوري والأردني حتى هزيمة 1967. لم تكن حرب 1967 معجزة على الإطلاق بقدر ما كانت محتومة بسبب الاستعداد العسكري الإسرائيلي (الذي استفاد من تسليح سخيّ من قبل دول الغرب). كانت المعجزة لو أن العرب انتصروا في حرب 1967، لما كان عليه وضع الجيوش العربية من ضعف وسقم وهزال التسليح. جعلت إسرائيل من صواريخ مصر قضيّة القضايا، فيما كانت هي تبني أكبر ترسانة عسكريّة في الشرق الأوسط برمّته. إسرائيل مارست الخداع حتى مع حليفتها في واشنطن. نعلم من الوثائق الأميركية أن الحكومة الإسرائيليّة بقيت على خداعها مع الحكومة الأميركيّة إلى ساعات عشيّة حرب 1967، وكانت تصوّر جيشها بأنه يحتاج إلى دعم أميركي كبير لأن الجيوش العربيّة كانت على وشك إبادة اليهود ــــ مرّة أخرى. وفي الساعات الأولى للحرب، كذب المندوب الإسرائيلي في الأمم المتحدة على الحكومة الأميركيّة وزعم أن العرب هم الذين بادروا إلى إطلاق النار. وكانت تقديرات المخابرات الأميركيّة للرئيس الأميركي تقول بأن نصر إسرائيل ضد العرب هو حتمي مهما تجمّع من تحالف عسكري عربي ضد إسرائيل. طبعاً، الحكومة الأميركيّة لم تفصح للرأي العام العالمي عن طبيعة تفوّق إسرائيل مساهمةً منها في البروباغندا الإسرائيليّة: إسرائيل هي الحمل الوديع، والعرب هم الذئب المفترس. والخداع الإسرائيلي فعلَ فعلَه بين الصهاينة في حرب 1967 لأنهم لم يكونوا على علم بمستوى تفوّقهم. كلام المعجزة الإسرائيلية لم يكن إلا نتيجة لكذب حكومة العدوّ مع شعبها.
لم يستطع العدوّ أن يستمرّ في تصوير دولته بأنها وادعة ضعيفة في بحر من الوحوش. استفاق ديغول (بعض الشيء) عن حقيقة إسرائيل العدوانيّة بعد الهزيمة في 1967 ــــ وإن لم يستفق غيره في الغرب. عرف الصهاينة أن جيشهم أقوى من الجيوش العربيّة، واستمرّ هذا الاستعلاء حتى حرب تمّوز والمواجهات البطولية التي خاضها شباب المقاومة على أرض جنوب لبنان (جريدة «الشرق الأوسط» المُجاهرة بالصهيونيّة نشرت قبل أيام سرديّة جديدة عن انسحاب إسرائيل من لبنان في عام 2000 إذ قالت إن جيش العدوّ هو قرّرَ من تلقاء نفسه الانسحاب من لبنان خدمةً للإنسانية). بعد 1967، وخصوصاً بعد 1973 والصدمة الأولى في الحرب، بات العدوّ يمعن في زرع الانهزاميّة عند العرب. وزرع الانهزاميّة كان عملاً شاركت فيه قوى عربيّة، ببراءة أو عن ضلوع في مخطّط خطير. كانت هناك أصوات في منظمة التحرير، مثل عصام السرطاوي، من الذين يرفعون أيديهم في الهواء مُطالبين بحصول تسوية ولو كانت مهينة مع العدوّ. وأدبيّات «النقد الذاتي بعد الهزيمة» في 1967 ــــ والتي أسهم فيها أكثر ما أسهم يساريّو ذلك الزمن مثل أدونيس وصادق العظم وهشام شرابي ــــ رسّخت فكرة استحالة النصر على العدوّ. كل هؤلاء قد جعلوا من هزيمة كان لها أسباب محدّدة ومعروفة، وبناءً على تقصير واضح، مناسبة للإمعان في ضرب الذات العربيّة وتصويرنا عاجزين عن محاربة إسرائيل من دون نفضة حضاريّة وديموقراطيّة وعلمانيّة واجتماعيّة وحتى نفسيّة. لا، كان يمكن الانتصار على العدوّ بنظام قمعي مثلاً لو أن النظام المصري والسوري والأردني تضافروا ونظّموا عمليّة إعداد الدفاع عن فلسطين والأراضي العربيّة. قاد ستالين أعظم دفاع عسكري عن بلاده ــــ وعن العالم ــــ بوجه الوحشيّة النازيّة من دون دمقرطة ونفضة حضاريّة شاملة. جماعة «النقد الذاتي بعد الهزيمة» يأّسوا الشعب العربي وجعلوا من إمكانيّة النصر سراباً. وتفوّق العدوّ في المعركة لم يكن أبداً لأسباب حضاريّة، بل لأن أميركا ودول الغرب أمدّته بأحدث الأسلحة والموارد الماليّة. كل هذا يذكّرني بمحادثتي مع صادق جلال العظم في 1992 عندما ردّ على طلبي له بعدم إلقاء محاضرة في الذراع الفكريّة للوبي الإسرائيلي بالقول: انتصرَ اليهود، يا أسعد. (مفارقة أن العظم كان هو المُبادِر في أدبيّات «النقد الذاتي بعد الهزيمة»).

نحن نتحدّث عن زمن أنشأ فيه العدوّ «فرقة تدخّل سريع» مهمّتها صدّ محاولة تقدّم حزب الله في الجليل في الحرب المقبلة


الصحافة الخليجية («الحياة» و«الشرق الأوسط» و«النهار» و«الحوادث» في عزّها) أفردت صفحات طويلةً وملوّنة لنشر تقارير عن حداثة وفتاكة وفعاليّة السلاح الإسرائيلي. والعدوّ كان يبالغ في استعراض قوّاته، وخصوصاً طيرانه فوق المشرق العربي، إمعاناً في الترهيب. لا يجب التقليل من القوّة العسكريّة الإسرائيلية، لكن فكرة «الإسرائيلي لا يُقهر» زُرعت في الأذهان العربيّة عبر إسرائيل وجهازها الدعائي، وعبر عرب ساذجين أو متآمرين. صحيح أن حرب تشرين كسرت صورة الإسرائيلي. لكنّ تواطؤ، لا بل الخيانة الوطنيّة لأنور السادات، سرعان ما أنعشت صورة الجيش الإسرائيلي بعد محاصرة الجيش المصري الثالث وبعد ختام الحرب بنتائج لمصلحة العدوّ. أمّا ياسر عرفات، فقد ساهم هو الآخر في تجميل صورة قوّة العدوّ لأنه وقع في تناقض هائل وقاتل: صحيح أنه كان يسخر في خطبه التهريجيّة في بيروت من فكرة الجيش الذي لا يُقهر وكان يعد بتمريغ أنف جيش العدوّ، لكن في كل مواجهة كانت تحصل في جنوب لبنان، كانت قوّات المقاومة الفلسطينيّة والحركة الوطنيّة تظهر على حقيقتها، غير مستعدّة تماماً، وكانت البطولات فرديّة في أكثرها. لم تكن القوّات تفتقر إلى أبطال، لكن لم يكن هناك خطط صدّ أو دفاع (وحدها «الجبهة الشعبيّة ــــ القيادة العامّة» كانت تتحصّن تحت الأرض مثلاً. «فتح» و«الشعبيّة» و«الديموقراطيّة» أهملوا هذه البديهيّات في الدفاع في أرض الجنوب). إن التعامل مع اجتياح 1978 واجتياح 1982 ــــ الذي انتهى بالقضاء التام على الثورة الفلسطينيّة خارج فلسطين، والتي كانت أكبر عون لحركة الداخل ضد الاحتلال ــــ أدّى إلى تعزيز صورة الإسرائيلي القوي.
نهشت المقاومة في لبنان في الثمانينيّات والتسعينيّات في صورة «الإسرائيلي الذي لا يُقهر» وأخرجت إلى العلن مقاتلاً مقاوماً من صنف جديد. المقاوم الذي يُخيف ولا يخاف: المقاوِم الذي يهرب الإسرائيلي من وجهه. هذه التجربة، التي تُوِّجت في حرب تموز، كسرت صورة الإسرائيلي وغيّرت عقيدة العدوّ العسكريّة. هذا باختصار سبب الحملة الخليجيّة ــــ الإسرائيليّة ــــ الأميركيّة ضد حركة مقاومة إسرائيل في لبنان.
حرب تمّوز أنهت بالضربة القاضية صورة الجيش الإسرائيلي الخارق. وثقافة الانهزاميّة كانت ردّ الإعلام الخليجي على النصر اللبناني الحاسم. كل الصحف الغربيّة الصهيونيّة تعترف بهزيمة العدوّ، بما فيها مجلّة «فورين بوليسي» أخيراً (مجلّة «إيكونومست» تعتبر أن الحرب انتهت بالتعادل: التعادل بين أقوى جيش في الشرق الأوسط وبين فرق من المتطوّعين اللبنانيّين. هذا ليس تعادلاً. كأن تقول إن مباراة كرة قدم انتهت بالتعادل بين فريق مكوّن من 20 شخصاً وفريق من شخصيْن يلعبان حافييْن). إن كل الحملة الهائلة ضد المقاومة في لبنان وفلسطين (والتي قادها من دون هوادة النظامان السعودي والإماراتي) هي من أجل إرجاع ثقافة الانهزاميّة إلى العقل العربي. نحن نتحدّث عن زمن أنشأ فيه العدوّ «فرقة تدخّل سريع» مهمّتها صدّ محاولة تقدّم حزب الله في الجليل في الحرب المقبلة. هذا التطوّر (حتى «الشرق الأوسط» نشرته ربما بهدف خدمة دعاية العدوّ لأن الجريدة ــــ مثل كل إعلام النظام السعودي والإماراتي ــــ تنشر أخباراً تجميليّة لصورة العدوّ بصورة يوميّة) هو من أهم ما لحق بنموّ المقاومة العربيّة ضد إسرائيل منذ 1948. جيش العدوّ يخاف من تقدّم متطوّعي المقاومة اللبنانيّة في أرض فلسطين. لكن هذه التطوّرات غائبة عن الإعلام العربي.
لم يتوقّف الإعلام العربي، منذ نصر تمّوز، عن التقليل من حجم الانتصار. أقطاب 14 آذار المُسيّرون من قبل النظام السعودي (وحكومة العدوّ من ورائه لأن الثنائي السعودي ــــ الإماراتي ليس إلا أداة بيد العدوّ في السياسة الخارجيّة والإعلام) كلّهم صغّروا من حجم الانتصار: البعض نفى الانتصار، ودوري شمعون أفتى أن إسرائيل لم تنتصر لأن إنسانيّاتها منعتها عن ذلك. والبعض الآخر يذكّر بالدمار كأن هناك انتصاراً عسكرياً من دون خسائر ودمار. ليس هناك في فرنسا من يقول إن المقاومة الفرنسيّة تتحمّل مسؤوليّة عن الدمار الذي ألحقه الجيش النازي بفرنسا. كل الحملة الجارية ضد حزب الله (وهي حملة تبرّئ «أمل» حتى من قبل الثاو الثاويّين الشباب الذين يزعمون أن معارضتهم للحزب سببها حمايته لنظام الفساد، على أساس أن «الكتائب» وكل 14 آذار هم من خارج النظام) هي انتقام صريح من إسرائيل لإذلالها في حرب تمّوز.
تحتاج الصهيونيّة إلى الانهزاميّة العربيّة التي راقت للعدوّ في معظم عقود الصراع العربي ــــ الإسرائيلي. العقليّة الانهزاميّة هي التي زرعها فؤاد شهاب من خلال عقيدته العسكريّة: أن لبنان ضعيف جداً وأن إسرائيل أقوى جيش في المنطقة وأن دفاع لبنان عن نفسه بوجه إسرائيل هو «مغامرة غير محسوبة» بلغة الناطق الرسمي السعودي غداة حرب تمّوز. الانهزاميّة هي التي تمنعك من التفكير في القتال لأنك تستبطن عقدة تفوّق العدوّ. لكن كيف تزرع الانهزاميّة والعدوّ يعترف بخوفه من مقاومة لبنان؟ حتى «فورين بوليسي» اعترفت بأن جيش إسرائيل غير قادر على اللجوء إلى خيار عسكري ضد إيران بسبب هزيمته في حرب تمّوز. الانهزاميّة هي سلاح أتباع النظام السعودي والإماراتي بالنيابة عن إسرائيل. لكن ماذا تفعل والعقليّة الانتصاريّة تسود في جنوب لبنان وغزة؟ ماذا تفعل وهناك من يربط في جنوب لبنان متشوّقاً للمعركة المقبلة؟ لن يطمس المزيد من الإنفاق الخليجي هذا الشوق الانتصاري الذي يكابد أهلنا في الجنوب.
* كاتب عربي ـــــ حسابه على تويتر
asadabukhalil@