17- الانضباط الصارم والمناقبية. يقال إن الانضباط العسكري هو أبو الانضباطات جميعاً، وإن التنظيم البيروقراطي نشأ في الأصل داخل التشكيلات العسكرية لتحسين فرص الانتصار، ثم انتقل بعدها نحو المجالات الأخرى للدولة. النواة الصلبة لحزب الله هي جهازه العسكري الجهادي وكل شيء آخر داخل الحزب هو لخدمة هذه النواة، ويكتسب قيمته من ذلك. إن الكفاءة القتالية تستوجب انضباطاً صارماً حتى داخل الحركات اللادولتية/ غير الحكومية، ولا سيّما متى اتّسم عدوّها الرئيسي بكفاءة عالية. إن من سُبل إغلاق الفجوة المادية مع العدو الإسرائيلي التثمير الأقصى للموارد البشرية من خلال ضبطها وتنسيق جهودها واستخراج أفضل ما فيها واستخدامها بالجدوى الأعلى، وكذلك حفظ السريّة والالتزام بالقواعد. وهذه تستوجب بناءً يجمع ما بين الهرمية في سلسلة الإمرة والمرونة في خطط القتال.

ويساعد البُعد الديني ولا سيّما مفاهيم مثل الانتظام (الله الله في نَظم أمركم) والطاعة للقيادة (التي تتنزّل من المعصوم إلى الوليّ الفقيه إلى آخر الهرم التنظيمي بحسب الصلاحية والمجال) وثقافة حفظ الأسرار والروح الجهادية في تمتين ذهنية الانضباط. وهكذا يصبح للانضباط داخل الحزب بُعد ذاتي، ثقافي وديني، إلى جانب البُعد المؤسساتي. وهذه الخاصِيّة، أي الانضباط العسكري الشديد، سرعان ما انتقلت بدرجات مختلفة إلى مؤسّسات الحزب وتشكيلاته وهذا ما يجعل ناتج جهود الهياكل التنظيمية، العسكرية والمدنية، أعلى من ناتج مجموع جهود الأفراد كون الأولى هي حصيلة الثاني مضروبة بعدّة مرّات بمستوى الانضباط.
18- التأطير الإيديولوجي الذي هو عنصر ضروري لكلّ الحركات الثورية كونه يتيح لها تقديم مشروعها للجمهور وخلق هويّة للتنظيم وضبط مساره واختيار الأهداف، كما أنه يعوّض عن العجز المادي بوجه القوّة المعادية. قامت إيديولوجيا الحزب على مرتكز ديني كونها تتبنّى نظرة للعالم على أنه ينقسم بين مُستضعَفين ومستكبرين، وأن المصدر الأساسي لأزمة المنطقة وشعوبها هو بنية الهيمنة والاحتلال، وأن الطريق نحو الاستقلال والنهوض يكون من خلال خيار المقاومة الإسلامية ضدّهما، وعليه يجب إزالة إسرائيل من الوجود ومحاربة أميركا (كنظام سياسي استكباري معتدٍ) بوصفها الشيطان الأكبر الذي له وكلاء وأدوات داخل المنطقة. ميزة حزب الله في هذه النقطة هي أنه يقدّم إيديولوجيته بأشكال الخطاب كافة وبشكل مكثف ويدمج فيها بين عناصر دينية وسياسية وتاريخية بأسلوب يسهل على الجمهور فهمه واستخدامه، وبصياغة تجعلها تتقاطع مع إيديولوجيات عالمثالثية معادية للهيمنة الأميركية ولو من منطلقات مختلفة تماماً، يسارية وقومية مثلاً.
19- الارتقاء العسكري الذي فرضته قوة العدوّ الإسرائيلي ذاتها حيث انتقل الحزب عسكرياً وتنظيمياً إلى مستويات قياسية. فجيش العدوّ الإسرائيلي يمتلك قوّة هائلة ناتجة من المراكمة والتخطيط والدعم الغربي الهائل والتوظيف الفعّال للموارد التي ما تنفكّ تتزايد ربطاً بنموّ الاقتصاد الإسرائيلي وضخّ الموارد العسكرية الأميركية المتواصل تقنياً ومالياً. وعليه وجد الحزب نفسه أمام احتمال وحيد، غير الهزيمة، وهو العمل لمجاراة القوة العسكرية والأمنية الإسرائيلية بطريقة لاتماثلية وإبداعية. وهكذا تحت وطأة ضغط شديد ومستدام للحفاظ على قدرة تحريرية ثم ردعية، بمؤازرة إيرانية - سورية، تحوّل حزب الله إلى منظّمة من أكثر المنظّمات فتكاً بالمقياس العالمي، بحسب خبراء أميركيين. وقد يكون المثال الأبرز الآن هو في مشروع الدقّة الذي يمتلكه الحزب (صواريخ دقيقة ومسيّرات) بهدف موازنة التفوّق الناري الإسرائيلي نسبياً بطريقة لاتماثلية تتيح ضرب الجبهة الداخلية للكيان ذي العمق الجغرافي المحدود. هذه القدرة النارية للحزب، نوعاً وكمّاً، لا تمتلكها جيوش كثيرة حول العالم، ولهذه القدرة لوازمها من التكنولوجيا والتنظيم والتدريب والتخطيط والإدارة والتخزين والسرّية والمعرفة، التي سرعان ما تنعكس في مفاصل الحزب الأخرى تدريجياً.
20- الانفتاح على العلوم العصرية وتوظيفها. أدرك حزب الله منذ البداية حاجته الملحّة إلى كوادر علمية ولا سيما تلك القابلة للدمج في التطوير العسكري وبالتحديد ذوي التخصصات الهندسية الأساسية. ومع تسارع التقدّم التقني الإسرائيلي، وهو من الأسرع في العالم نتيجة سياسات مخططة من حكومة الكيان لجذب شركات التكنولوجيا منذ الثمانينيات، كان الحزب يعمّق اهتمامه بالعلوم العصرية المرتبطة بتصنيع العبوات المتفجّرة وبناء القدرات الصاروخية واستخدامها والتوسّع في التخصصات الهندسية لأجل الإنشاءات تحت الأرض وتقنيات الاتصال والمراقبة والبث والاعتراض وبمعارف خاصة بالجو والبحر، ثم تقنيات البرمجة والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات. حقّق حزب الله ذلك من خلال عدة مسارات؛ منها نقل التجارب والمعارف الإيرانية، وإرسال بعثات طلابية إلى كل من سوريا وإيران، واجتذاب شباب جامعي متفوّق، وتوجيه طلاب جامعيين نحو تخصّصات محدّدة. ويسهل على منتسبي الحزب الانخراط في هذه التخصصات لبعدها من مسائل فلسفية واجتماعية وثقافية يمكن أن تتعارض مع العقائد الدينية وتأويلاتها.
مع العلم بأن هذه الثقافة العلمية لم تنحصر في الجانب العسكري أو في العلوم الصلبة، بل توسّعت إلى تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية المؤثّرة في صناعة القرار من خلال إنشاء مؤسسات بحثية متخصّصة في شؤون السياسات العامة (قانون واقتصاد وسياسة) والتنمية والإحصاءات والأسرة والتربية والثقافة والفلسفة والتاريخ. وهذا ما منح الحزب ميزة فارقة مع الكثير من الأحزاب والأطر السياسية.
21- الاهتمام بالتعلّم ومراكمة التجارب وهذا الوصف يعود للإسرائيليين أنفسهم، إذ يجدون أن الحزب يهتم دائماً باستخلاص العِبر والدروس ويجيد التعلّم من تجاربه. وهذه الميزة مرتبطة بالحاجة إلى مواكبة القوّة الإسرائيلية بشكل أساسي وتعويضاً عن محدودية الموارد المادية والبشرية. كما تسمح البيئة المؤسّساتية للحزب في وحداته الجهادية والتنظيمية بتدوين البيانات والمعلومات وتخزينها واسترجاعها واستخلاص معارف منها. وقد برز على سبيل المثال في الحلقات التوثيقية التي عرضتها قناة «المنار» لعمليات المقاومة في سوريا والجرود اللبنانية ضدّ التنظيمات الإرهابية وجود أفراد مختصين ضمن مختلف التشكيلات، مهمّتهم التوثيق الحيّ لما يجري من خلال خوذات مزوّدة بكاميرات وفرق للتصوير وضبّاط مختصّين بالدراسات يواكبون العمليات الواقعية لاستخلاص مباشر للدروس لتحديث خطط التدريب والقتال على أساسها لاحقاً. ويستشهد المختصّون بهذه المهامّ في الحزب بمقولة منسوبة إلى الإمام علي (ع): «العقل حفظ التجارب». ويهتمّ العديد من المؤسّسات والأطر الحزبية بتوثيق شفهي لتاريخ كوادرها ولا سيّما جيل المؤسّسين، كما تتولى مؤسّسة «حفظ آثار الشهداء» جمع وأرشفة ما يمكن من أعمالهم ومنجزاتهم وقصصهم وإعادة نشرها على شكل قصص وسِيَر وأعمال درامية.
22- التخصصية والتكامل بين الوحدات العسكرية أو ما يُسمّى تشابك الأذرع. مع ظهور حاجات جديدة وإمكانات أكبر، يعزّز الحزب طوال الوقت من التخصّصية في المجال العسكري من دون أن يؤدي ذلك إلى الانفصال والعزلة بين الوحدات المتخصصة، بل يجمعها وفق معايير موضوعية وتنظيمية. وتتيح التخصّصية للحزب بناء كوادر شديدة الاحتراف والخبرة وذات خلفية معرفية ولا سيّما في المجالات المتقدمة. ومع التقدم التقني في أي مجال، تظهر تخصّصات إضافية داخله وهو ما يساعد الحزب في جهود السرّية من خلال إتاحة المعلومات في كل مجال لعدد أقل من الأفراد، ما يصعّب إمكانية الخرق الاستخباري ويحدّ من نتائجه إن حصل. فخلال حرب تموز 2006، ظهرت إلى جانب الوحدات التقليدية المضادة للدروع وحدة خاصة لصواريخ الكورنيت التي ألحقت ضرراً كبيراً بالمدرّعات الإسرائيلية وساهمت في إحباط المناورة البرّية الإسرائيلية. هذه الذهنية التخصصية لم تنحصر في المجال العسكري للحزب، بل امتدت إلى كامل التنظيم. فهناك أجهزة مدنية تدير شؤون التواصل مع شرائح محدّدة من السكان (شباب، ناشئة، طلاب، نساء، أطفال، نقابات، مهن حرّة، فنانين، إعلاميين، أساتذة، أُسر الشهداء ..إلخ) ولكل مجال مؤسّساته (الصحة، التعليم، البحث والدراسات، الشأن الاجتماعي، الإعلام التقليدي والجديد... إلخ).
23- التقدّم من خلال الإنجازات الواقعية، فالحزب كان مضطراً إلى أن يحدث تغييراً جذرياً في الذهنية العامة السائدة خلال الثمانينيات التي لم تر أفقاً للمقاومة أو للانتصار العسكري على العدوّ الإسرائيلي بعد خيبات عربية متتالية، لم يكن آخرها خروج مصر من الصراع. وهذا التغيير لم يكن ممكناً من خلال التنظير والإقناع العقلي بدايةً، بل كان يحتاج إلى قصص نجاح متتالية تُلهم الشباب وتعبّئ المجتمع وتخلق إيماناً بفعل المقاومة. إن من أبرز عوامل فرادة الحزب تركيزه على إحداث تغيير في واقع الصراع وتقديم إجابة لا لبس فيها على تحدّي وجود الاحتلال ولذا اتّسمت الموجات الأولى من عمليات المقاومة بالكثير من البسالة والتضحية البشرية: من العمليات الاستشهادية (تحديداً عملية الاستشهادي أحمد قصير في صور عام 1982) إلى عمليات جبهوية لاقتحام مواقع العدوّ وكسر هيبته، وكان يسقط فيها عدد كبير نسبياً من الشهداء. إن قصّة نجاح حزب الله في المقاومة هي مرتكز قوته الناعمة، وكانت بمثابة كرة ثلج تتدحرج منذ 40 عاماً. ولذلك لا يجد الحزب نفسه أحياناً معنياً بالكثير من التنظير في مجال المقاومة، فالتجربة تتحدث عن نفسها وهو يعمل فقط على تأطيرها وتقديمها للجمهور بأشكال مختلفة وعلى نحو مستمر.

ميّزة حزب الله في هذه النقطة هي أنه يقدّم إيديولوجيّته بصياغة تجعلها تتقاطع مع إيديولوجيّات عالمثالثيّة معادية للهيمنة الأميركية ولو من منطلقات مختلفة تماماً، يساريّة وقوميّة مثلاً


24- السيطرة في معركة الوعي ورواية النصر. تمكّن حزب الله في سياق الحرب مع العدوّ الإسرائيلي من تحقيق تفوّق ملحوظ في معركة الوعي انطلاقاً من تثبيت مصداقيّته وموثوقيته بفعل الأداء الإعلامي والكاريزما القيادية للسيد حسن نصر الله. إن النصر في الحروب المعاصرة لم يعد أمراً حاسماً لكونها حروباً غير شاملة، بل حروب ممتدة منخفضة الحدّة حيث النصر يتحقق من خلال التراكم. ولأن النصر لم يعد حاسماً، فقد أصبح قضية متخيّلة ونسبية وتعتمد على التوقعات وتأطير المعركة والأداء النفسي والإعلامي لطرفَي الحرب. يبذل العدوّ الإسرائيلي جهوداً حثيثة في السنوات الأخيرة في معركة الوعي ويطوّر منصات إعلامية وشبكات ويضبط خطابه العسكري ومصطلحاته ليستعيد المبادرة في هذا المجال.
وهذا ما يفسّر الجهود المعادية لحزب الله في التصويب على مصداقية قيادته باعتبارها أساساً في جذب التأييد الشعبي والتأثير في مجتمعات الأعداء. هذه الخاصية للحزب تعزّز من انكفاء الإسرائيليين عن شن الحرب، إذ من دون نتيجة حاسمة سيسهل على الحزب تقديم سرديّته للحرب ونصره فيها، سواء للجمهور المحلي أو الإقليمي أو حتى شرائح من مستوطني الكيان الإسرائيلي. لا يدور القسم الأكبر من الحروب الحديثة في الجبهات، بل في مجتمعات المتحاربين، ولذا تنشط حروب الوعي/ الحروب المعرفية الصاعدة على الاكتشافات الحديثة في علمَي الأعصاب والنفس، وكذلك على التوسّع الهائل لوسائط التواصل الاجتماعي. تركّز هذه الحروب على جدوى المقاومة مقارنة بالخيارات الأخرى مثل التطبيع. وقد وجدت دراسة لمؤسسة «راند» حول المنظمات المقاتلة (يسمّونها حركات تمرّد) أن إيمان البيئة الحاضنة بالنصر عامل رئيسي في تحمّلها للمخاطر، فلا مانع من الثمن ما دمت سأنتصر.
25- إتقان المناورة الخطرة المحسوبة. لا شك في أن الحزب لاعب عقلاني (عقلانية قيمية) وإن كان يجيد إقناع خصومه بأنه ليس كذلك عند الضرورة، وخاصة أنه يذهب بحسابات دقيقة نحو «مغامرات» غير متصوّرة أحياناً. الحاجة إلى المغامرة ترتبط إمّا بالضرورة أو بنافذة فرصة أو بالأمرين معاً. وتساعد قوّة حزب الله وبنيته والبعد الغيبي في ثقافته واستناده إلى رافعة إقليمية على قبول «المغامرات» عند الضرورة. أحدث مثالين على ذلك هما مشاركته في الحرب السورية والتصعيد الحالي الحدودي - الطاقوي مع كيان العدوّ الإسرائيلي. كانت المشاركة في الحرب السورية ربما المغامرة الأكبر لحزب الله. ولكن بعدما تسلّحت «المعارضة» السورية وتمذهبت وتدوّلت، لم يعد أمام الحزب خيار آخر. إمّا قبول التحدّي، وإمّا القبول بنتيجة كارثية للحرب السورية. وقد تمكّن الحزب من توظيف قدراته المحدودة بأكفأ طريقة ممكنة ميدانياً بحيث ساهمت في دفع تهديد وجودي عن سوريا ولبنان والمقاومة وتقليصه إلى تحدّ استراتيجي يمكن التعامل معه على امتداد سنوات. أمّا في الحالة الثانية، فإن حزب الله يستفيد من لحظة دولية مؤاتية ومن ضرورات محلّية مرتبطة بالانهيار لاقتناص فرصة استرجاع حقوق لبنان الغازية وفق خطوات تدريجية محسوبة توازن بين التموضع خلف العملية التفاوضية للدولة اللبنانية والجهوزية للذهاب نحو الحرب إن اقتضت الضرورة.
26- تعميق الجبهة الاستراتيجية، حيث إن مواجهة الكيان الصهيوني هي صراع مع منظومة الهيمنة الأميركية في المنطقة. ولا بدّ لأيّ حركة مقاومة وطنية، ولا سيما متى انتمت إلى دول صغيرة، أن تحوز عمقاً استراتيجياً يضمن لها المدد بالموارد والقدرة على المناورة والغطاء السياسي. وهكذا كان على الحزب أن يبني استراتيجية إقليمية انطلاقاً من هذه الحاجة، ولذلك اهتمّ بدرجة أولى بالعلاقة مع سوريا وإيران واختار لفترة طويلة تفادي مواجهة الأنظمة العربية الأخرى وبنى صلات مع مجموعات وأحزاب إسلامية وقومية في المنطقة، وألهم ودعم مجموعات تشترك معه في مشروع مواجهة الهيمنة. ولذلك حين يقيّم الإسرائيليون كلفة الحرب مع حزب الله يحضر، إلى جانب ما سيلقونه من خسائر وأضرار غير مسبوقة، العديد من العوامل الإقليمية حول دور العراق واليمن على سبيل المثال، وكيف سيؤثر ذلك على مشروع التطبيع وعن قدرة الحزب على استخدام الجبهة السورية، وهل ستتحرك خطوط القتال داخل فلسطين. وقد أدّى دمج الأميركيين بشكل أكثر وضوحاً أنظمة عربية (مثل السعودية والإمارات وقطر) وتركيا في المواجهة الإقليمية بعد فشل مشروع اجتياح العراق إلى زيادة اهتمام الحزب وإيران ببناء عُمق استراتيجي لمشروع المقاومة وحماية حواضنه الإقليمية الأساسية.
27- تطبيق الحرب الهجينة. اتّبع الحزب في بداياته الأساليب التقليدية لحرب الغوار ربطاً بموارده المحدودة نسبياً وخبراته الجنينية وعديده البشري المتواضع. لكنّ نموّ القوة العسكرية للحزب وتطوّرها دفعه بمرور الوقت إلى تطوير نموذجه الخاص الذي يجمع فيه بين تكتيكات حرب العصابات وقدرات جيوش نظامية. وقد برز هذا الأسلوب الهجين في القتال عام 2006، ثم في الحرب السورية واجتذب ذلك الكثير من الدراسات والتقييمات الإسرائيلية والغربية. ويدمج الحزب بكفاءة لافتة بين الحرب على الوعي والرسائل الإعلامية والحرب النفسية والأنشطة الأمنية، بما في ذلك الحرب السايبرانية، في جهده العسكري، كما يجمع بين وسائط تقليدية وأخرى شديدة التقدّم، مثل الدمج بين وسائط نارية تقليدية وصور حيّة من طائرات مسيّرة تقوم بتوجيه النيران، أو الجمع المحتمل في الحرب المقبلة بين صواريخ تقليدية وأخرى دقيقة ضمن موجات كثيفة لإغراق منظومة القبّة الحديدية وتقليص كفاءتها الاعتراضية.
28- الاقتصاد في القوّة العسكرية لتجنّب التشتيت والاستنزاف، فالحزب يدرك حدود قوته كما يعي إمكاناتها، ولذلك يبدو أداؤه أحياناً متحفّظاً، ولكن ذلك يرتبط بتقديرات قيادته لتقنين القوة حتى إن كانت فائضة أحياناً. هذا الميل مرتبط بالقلق من تبديد عناصر القوّة على حساب الصراع الأساسي مع العدوّ الإسرائيلي. وهذا الاقتصاد في القوة يعني استخدامها وفق الحدّ الأدنى الممكن في القضايا خارج الصراع المباشر مع العدو الإسرائيلي ومحاولة التأثير بأدوات أخرى أو بالتهديد بالقوة. ولذلك كانت أحداث السابع من أيار 2008 استثناءً لتثبيت قاعدة عدم استخدام السلاح في الداخل، والحرب السورية استثناءً ارتبط بتهديد وجودي للمقاومة.
يحضر في وعي قيادات حزب الله الكثير من تجارب قوى وطنية انخرطت في صراعات داخلية أنهكتها ولا سيما مع هاجس الحزب من الحرب الأهلية الطائفية في ظل نفوذ خارجي كبير معادٍ للمقاومة. وهذا الفائض في القوة العسكرية يدفع الحزب أحياناً إلى التقشف في إبراز نفوذه السياسي في الداخل واستخدامه حتى لا يعدّ ذلك استثماراً لقوّته العسكرية. وهذه الإدارة للقوّة تشمل الصراع مع العدوّ الإسرائيلي نفسه، حيث تحتسب المقاومة بدقّة كل خطوة ونتائجها وما ستكشفه من قدرات والجدوى بلحاظ الهدف والمرحلة والتكلفة. إن القوة مغرية، لذلك يُحسب للحزب فهمه لحدودها وسيطرته عليها وليس العكس.
29- تألّق القدرات الأمنية والاستخبارية التي تتيح لقيادة الحزب كمّاً هائلاً من البيانات والمعلومات السياسية والأمنية والاجتماعية على المستوى الداخلي والمرتبطة بالعدوّ الإسرائيلي وبالساحات ذات التأثير على مشروع المقاومة. وهذه الحاجة الاستخبارية تحفز الحزب على بذل موارد كبيرة للاستثمار في التكنولوجيا. وهذا الاستثمار والبيانات والمعلومات ذات الحاجة العسكرية والأمنية ينعكس تلقائياً في باقي الوحدات المدنية من خلال نقل التجربة والخبرات والمعلومات بحيث يجري توظيفها لاستخلاص معرفة لتطوير خطط سياسية أو تنموية أو انتخابية أو إعلامية.
30- الزخم الشبابي، حيث يولي الحزب اهتماماً خاصاً لجذب هذه الشريحة كونها في المقام الأوّل هي الأقدر على القتال والعمل الميداني. وقد نشأ الحزب على كوادر شبابية، إذ إن الجيل الأكبر حينها كان قد حسم خياراته السياسية في تشكيلات أخرى. ولذا كان من الطبيعي أن الجيل المؤسّس لحزب الله كان من الشباب ممّن يبحثون عن مشروع سياسي مختلف. ويستفيد حزب الله من طبيعة العمل الجهادي الذي يجذب الشباب ممّن تأسرهم الرغبة بالقوة والإنجاز والبطولة ولديهم استعداد أكبر للتضحية. ويخصّص حزب الله مقداراً كبيراً من الموارد والمؤسّسات خصيصاً لجذب الشرائح الشابّة ودمجها ضمن الحزب، ويعمل بشكل كبير على تأهيلها ثقافياً وعسكرياً وسياسياً ويمنحها أدواراً تسمح لها بالعمل والترقّي في المجالين العسكري والمدني. ولذلك يُعدّ حزب الله منظمة شابة وحيوية ومتجددة، ولكن لا يخلو ذلك من تحدّيات ومُعضلات مرتبطة بتباين الأجيال وظهور ثقافات وقيم جديدة داخل التنظيم الحزبي قد تثير بعض التوترات.
* أستاذ جامعي