من يستغرب دخول «داعش» السريع الى الموصل وشمال العراق وانهيار الوحدات العسكرية العراقية في وجه التنظيم، فيقصر تعليله للأحداث على روايات «الخيانة» والتورّط الخارجي، يغفل عنصراً مهمّاً من المعادلة، وهو وضع الجيش العراقي الّذي بناه الاميركيّون (وما مشاكله الّا مثالٌ على حال المؤسسات السياسية والادارية التي خلّفها الاحتلال في البلد).


في الموصل وكركوك وصلاح الدين، لم يكن الجيش يملك قوّةً نارية حقيقيّة، اذ كان أثقل سلاحٍ في يد معظم الوحدات هو الرشاشات من عيار 12.7 ملم، فيما كان «داعش» يقاتلهم بمدافع الـ14.5 والـ23 والصواريخ الموجهة. صحيحٌ أنّ الجيش العراقي ضمّ الى صفوفه – على الورق ــ مئات آلاف المتطوعين، الّا أن أكثرهم شكّل في وحدات مشاة شبه اسميّة، لا تملك تجهيزات ثقيلة أو أفضلية نوعية على أي ميليشيا مدرّبة.
على سبيل المثال، التشكيل الوحيد في الجيش الذي يملك دبّابات هو الفرقة التاسعة، ودباباتها (من طراز «ابرامز» و«ت-72») كانت كلّها تقريباً مشغولة في معركة الأنبار. امّا الطائرات، وهي السلاح الذي يحسم الحروب الداخلية في العراق منذ عشرينيات القرن الماضي، فقد كانت تقتصر على ثلاث طائرات «سيسنا» خفيفة، تستخدم أساساً في الطيران الخاص والسياحة ورشّ المبيدات، لكنّها عُدّلت حتّى تحمل صاروخي «هيلفاير» - وهي كانت الطائرات المسلّحة الوحيدة في يد الحكومة العراقية حين بدأت المواجهات.
هذا الوضع لم ينشأ بالصدفة، فمن الواضح أنّ اميركا قد صمّمت على بناء جيش لا تفوق قدراته بكثير قدرات جهاز شرطة، ويحتاج الى عونها في أيّ مواجهة جدية. حتّى صواريخ الـ«هيلفاير» (وهي غالية الثمن وغير مناسبة للعديد من الأهداف، الا انها الخيار الوحيد المتاح للجيش العراقي) كانت اميركا تزوّد العراق بها بالقطّارة، وتصرّ على ارسالها في شحنات صغيرة على متن طائرات النّقل؛ ويقول عسكريون عراقيون إنّ هذه الصواريخ كانت دائماً تنفد وتستهلك خلال ساعات من وصولها إلى المطار.
حاولت اميركا، منذ بدايات الغزو، اجبار العراق على شراء السلاح الرديء من حلفائها، وباعته سلاحاً غالياً لا يناسب حاجاته؛ والبلد، بالمناسبة، لم يخرج من وصاية الأمم المتّحدة والفصل السّابع حتّى العام الماضي، ولم تكن الدولة تملك حرية التصرف بأموالها وعقد الصّفقات. برغم كلّ العناصر الآنيّة الّتي أدّت الى السّقوط في الموصل، الّا أنّ العراق كان يدفع ايضاً ثمن حلّ الجيش العراقي عام 2003 وثمن الاحتلال وما زرع، وهي كلفةٌ سوف تلاحقه – على كل المستويات - لسنوات مقبلة.