إن صحّت "تهديدات" السّعودية وامارات الخليج عن إرسال جيوشهم الى سوريا والعراق، فقد يكون للأمر، في الحقيقة، فوائد عدّة. من جهةٍ، أقلّه من الناحية الأخلاقية و"الجمالية"، هناك شيء من الاتّساق في أن تحارب المملكة بجنودها، بعد أن خاضت، لعقودٍ، حروبها بأيدي الغير وسعت، عوضاً عن مواجهة خصمها في الميدان، الى ضربه من الداخل واغراقه بدماء شعبه. لا شيء استنزف بلادنا، سياسياً وايديولوجياً وعلى كلّ مستوى، كحالة الحرب "غير المعلنة" التي مارستها السعودية ضدّ أعداء أميركا والمقاومين؛ فتخطط ضدّك وهي تمدّ الصلات مع نخبك، وتحاربك في الخفاء بينما تخترقك في العلن. (رغم أنّ البوادر تشير الى أنّ الخليجيين، كما في اليمن، ينوون القتال أساساً بفقراء العرب، من مصر والسودان وغيرها؛ وحكومات الخليج، أساساً، تكلّمت "بالنيابة عنهم"، وأعلنت بنفسها أن ابناء هذه الدول سيُرمون في أتون الحرب، بلا أن يصدر تصريح من المعنيين).

من جهةٍ أخرى، قد يكون في الاحتكاك المباشر مع القوات الخليجية، وجهاً لوجه وفي أرض المعركة، فضلٌ في أن نتعلّم حقّاً عن خصمنا، وأن يتطوّر الخطاب عن السعودية والوهابية الى ما هو أبعد من الجوهرانية التبسيطية ولغة التشاوف القطري (عن البدو والصحراء وما الى ذلك من كليشيهات)، وأن لا ينحصر تحليل السياسة السعودية في أخبار الأسرة المالكة والبلاط ودسائسه ــــ على طريقة روايات "لعبة العروش". مملكة آل سعود ليست مجرّد وهابية ونفط و"ذيلٍ لأميركا"، بل هي ايضاً دولةٌ راسخة لها مؤسسات وهوية وطنية وسياسة خارجية ونفوذ وامكانات، ونظامها صمد لعقودٍ في اقليم شرس، ونجح في هزيمة الناصرية وتحطيم العراق، وها هو اليوم يشعل النار في بلادنا ــــ فمن اللازم أن تعطي الخصم ما يستحقه من احترام ودراسة، خاصة ان كان عنيداً وجارحاً ويقاتل بلا خطوط حمراء.
مهما يكن، وبعيداً عن عناوين الخطاب الإعلامي الذي يبثّه الخليج، فإنّ فكرة "التحالف" والحملة البرية ــــ ان حصلت ــــ لن تكون "هبةً سنية"، ولا تحدياً لواشنطن (رحّب وزير الدفاع الأميركي، بشدّة، بالعرض السعودي)، ولا هي حتى نزوة وطموح أميرٍ يريد أن يصبح ملكاً. بل إنّ ابو ظبي، لدى إعلانها عن استعدادها للمشاركة في "الحملة"، كان شرطها أن تكون بقيادة اميركية. في واشنطن وتل ابيب، يجري الحديث عن مضمون الإعلان السعودي منذ أشهر، وقد فصّل ليندسي غراهام وجون ماكين "مبادرتهما" لإنشاء "الحلف الإسلامي"، وأنّه سيكون موجّهاً ضدّ "داعش" حصراً وبمشاركة اميركية لا تتعدى العشرة في المئة من عديده. وفي مناظرة جرت منذ أيام بين مرشحي الرئاسة الأميركية، تكلّم الجمهوري اليميني ماركو روبيو، مطوّلاً، عن خطّته للتدخّل "على الأرض" في سوريا والعراق بقوى غير أميركية، عمادها "العرب السنة".
تبرئة اميركا مما يجري هي شهادة جديدة على براعة باراك اوباما في التملص من المسؤولية عن أفعاله؛ وهو قد أشعل ودعم وموّل حروباً أكثر عدداً وعنفاً ودموية من سلفه بوش، ولكنّه خرج بسمعة من يرفض التدخل الخارجي وبجائزة نوبل للسلام. الحرب في اليمن مثلاً، ناهيك عن ليبيا وسوريا والعراق، لم تكن ممكنة لولا الدعم الأميركي (بالمعنى العملياتي المباشر وادارة المعركة، وليس فقط كمورّد للسلاح والتقنيات والخبراء المتعاقدين)، وعرب اميركا يشتكون من "ضعف اوباما" و"جبنه". هناك نظرية واضحة في تدخلات اوباما، هي نسخة متقدمة عن الحروب بالوكالة، تعتمد على جيوش وتنظيمات يتمّ بناؤها وتجهيزها في أرجاء "الامبراطورية"، لتخوض معارك واشنطن ــــ بمساعدة سلاح الجو والوحدات الخاصة الأميركية حين يلزم ــــ بلا أن تضطر للزج بمواطنيها في الميدان (فتتمكّن اميركا من تجاوز "عقدة فييتنام" وأثر الحرب على الداخل، وتقدر على ادارة أكثر من نزاعٍ في وقتٍ واحد بلا كلفة حقيقية ولا قتلى ولا تورّط لا فكاك منه). هذا يشبه الى حد بعيد استراتيجية الامبراطورية البريطانية حين اتّسعت رقعتها وازدادت مشاكلها في أوائل القرن العشرين، فيما كانت أكلاف الامبراطورية في ارتفاع؛ فانهمكت لندن في تجنيد أبناء المستعمرات، وتنظيم وحداتٍ مقاتلة على أسسٍ عرقية وطائفية، واستغلال التفوق الجوي ما أمكن في اخماد الثورات (كما في عراق العشرينيات)؛ فلا يتمّ تجنيد البريطانيين العاديين ودفعهم الى القتال بأعداد كبيرة الا في حالة "الحروب الوطنية" التي تستحق التضحية.
حين يتكلّم السياسيون الأميركيون والاسرائيليون عن هذا "التحالف السني"، فهم يستخدمون لغة تذكّر ببراغماتية البريطانيين في مستعمراتهم، وتقسيمهم لرعاياهم ومللهم، حيث الإسم لا يشير الى ايديولوجيا أو مشروع أو هوية سياسية بالمعنى الحديث، بل هو توصيف "انثروبولوجي" بحت، ومحض "أداة" من أدوات السياسة، تتألف من جيوش وميليشيات و"جهاديين" يمكن تحريكهم ("داعش"، على الأقل، تملك عقيدة وخطاباً أصيلاً وهوية واضحة). من هنا، مهما أعطى هذا المعسكر لنفسه وأفعاله من أسماء وشعارات (حرب طائفية، حرب "عربية ــــ فارسية"، ثورة ديمقراطية، الخ)، فالأساس أنّ هذه الحكومات ــــ وميليشياتها واعلامها ونخبها ــــ لا تتحرك الّا لهدفٍ واحد، هو مغزى وجودها أصلاً: نشر وتأبيد النظام الأميركي في المنطقة. قد يتخيل هؤلاء أنفسهم في حربٍ ضدّ "الروافض والنصيرية"، مع أنّ أكثر أعدائهم "عرب سنة"، أو ضدّ "الفرس" و"المشروع الايراني"، مع أنّ كلّ من يواجههم ــــ في اليمن ولبنان والعراق وسوريا ــــ ليسوا ايرانيين، بل عرب أقحاح؛ وحركات وأحزاب وتنظيمات هي ــــ بالقطع ــــ أكثر أصالة وشرعية وتمثيلاً للمجتمع من ميليشيات السلفيين أو "الفرقة 13" أو "تجمّع فاستقم كما أمرت".
تعليقاً على النبأ، قال المستشار السابق للبيت الأبيض، آرون دايفيد ميلر، لمجلة "نيوزويك" بجزع: "اني أرتعش حين أفكر بالأداء المتوقع لحملة خارجية عربية سيئة التدريب، تم تجميعها على عجل، تحركها أجندات، وتنقصها الكفاءة"؛ والكلام هنا هو على حملةٍ ضدّ "داعش" فحسب، فكيف اذا ما جعلوها غزواً وحرباً ضدّ جلّ أهل المنطقة؟ لا بأس، إن كانت الحرب قد فرضت علينا، ودرست الحدود وعلّقت المبادىء، وهم يعتبرون أن لهم في بلادنا حقّاً ومكاناً، فالمعركة هي التي تثبت لمن الأرض، وهي صكّ التّاريخ. فليأتوا اذاً، نحن في انتظارهم.