قم | نقد الجانب الديني عند المجتمع، أو داخل المؤسسة الدينية، يعتبر من المسائل الحسَّاسة، والتي تثير الجدال بشكلٍ كبير، لا سيَّما إذا تصدَّى من لا يمتلك خلفية جيدة حول مسألة ما إلى نقدها، فمثلاً لا يمكننا الإصغاء إلى متكلّم عن الخرافة إن لم يملك الضوابط الصحيحة لتمييز العقيدة الصحيحة من الخرافية. أو إلى من يتناول مسألة فقهية من دون أن يملك أدوات الاستنباط المتاحة في بحوث الأصول. هذا في ما يخص الجانب العلمي.


أما ما يخص جانب الواقعيَّة في النقد، فلا بد من وجودِ حالة من التنزّه عن الحزبيَّة والمناكفة في طريقة البحث عن الحقيقة، مع تقديس الموضوعية والإنصاف. إذ لا بدّ أن نمتلك المعرفة الصحيحة حول القضيّة التي نتحدث فيها، ثم نمتلك الموضوعية التي تجعلنا نضع يدنا على الصواب في أيّة مسألة.
قرأت مقال الأستاذ عبد الله العلوي بعنوان (الشيرازيون وطقسنة التشيّع) وهو بلا شك في إطار نقد بعض الظواهر الدينية الموجودة لدى بعض الجهات، وهي فكرة جيِّدة، بالمبدأ، لترويج روح النقد العلمي للظواهر التي نراها بين الحين والآخر، خصوصاً إذا استوفيت الشروط الأخرى. وكان النقدُ مسلَّطاً، في المقال المذكور، على التيار «الشيرازي» ما سبَّبَ له الوقوع في مغالطاتٍ كبيرة، والعلة في ذلك أنَّ بعض هذه الظواهر لم يتفرَّد بها الشيرازيون، ومنها أنّ جزءاً له ثقله في هذا التيار غير مسؤولٍ عن هذه الاتهامات. والعجيب أنَّ الأستاذ أطال في رشق الاتهامات بما ينال من أصل المذهب، وكانت الواجهة هي (نقد الشيرازيين)!
من باب الانصاف في النقد، سنبرِّئ الشيرازيين مما تم توجيهه إليهم تعسفاً، وننقدهم في ما أخطأوا فيه، فكما لا نرتضي المغالطة، فإننا لا نقبل بالخطأ في القول أو السلوك منَّا ومن غيرنا، وسأتحدَّثُ في نقاطٍ عدَّة مبسطة خشية الإطالة:
النقطة الأولى: تكلَّم الأستاذ عن حالة ردَّة الفعل ضد الجمهورية الإسلاميَّة، معبّراً عنها بـ(المشاغبات) ونسبها للتيار الشيرازي، وفي الواقع، إنَّ معظم هذه الأفعال تصدُر من رموزٍ خارجين عن هذا التيار بشكلٍ رسمي، والتيَّار لا يتبناهم أيضاً كياسر الحبيب وغيره. أما المرجعيَّة فلم يكن في خطابها ما يشير إلى هذه النبرة الانتقاميَّة. صحيح أن بعض المنتسبين للتيار انجرَّوا خلف بعض المشبوهين، في لندن، نحو الخطاب التحريضي على ردَّات الفعل، ولكن لا يمكن اتهام التيار بشكل رسمي. في لقاء، قبل أشهر، مع السيد صادق الشيرازي أشار لحالة الشغب التي تصدر عن بعض أفراد التيَّار، والتي تخالف الفتوى، وأحياناً أخلاق أهل البيت، فقال: «نعلم ذلك، ونحن تكلمنا مراراً وعلينا أن نوضّح ما هو الصواب للجميع، ومع ذلك لا نتحمَّل مسؤولية ما يخالفوننا به. فهل تحمّلون رسول الله ما كان يرتكبه بعض الصحابة؟». هذا موقفٌ رسمي من السيد صادق حول سياسة تياره، فهل من الإنصاف أن نأخذ الجميع بجريرة البعض؟! وإن كانت غايتنا فعلاً أن يصحح التيار الشيرازي مساره، فعلينا الأخذ بالمشتركات وتوظيفها. بل، وبشكل أوضح، لا بدّ من أن نستغلَّ حالة الانفكاك بين المرجعية الشيرازية والمتطرفين في لندن، فهم يقولون إننا لا نمثل المرجعية، والمرجعية تقول في بياناتها أنَّه لا يمثلها سوى قناتها الرسمية ومكاتبها عبر وكلائها في الدول والمناطق الأخرى، ولا تميل إلى استعمال الأساليب العنيفة مع المخالفين لها، والاستغلال لهذا الجانب له أثرٌ في مقاربة النظرة بين المرجعية الشيرازية والآخرين، سيراً نحو جسر الهوَّة، لا زيادة الفتق.
النقطة الثانية: اتهام الشيرازيين بأنَّهم قاموا بزيادة وتمديد المناسبات العشرية، كالعشرة الفاطمية وغيرها، والحقيقة أنَّ هذه المراسم لم تكن من صنيعهم لوحدهم، بل بحثِّ وتشجيع من علماء كبار في الحوزة العلميَّة المباركة، فمثلاً أوَّل من سنَّ العشرة الفاطمية هو آية الله العظمى الشيخ الميرزا جواد التبريزي، وحثّ عليها غيره من العلماء غيره. أمّا تمديد عزاء الإمام الصادق لأكثر من يوم فحثّ عليه آية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني. إذاً هذه المناسبات وتمديدها لم تكن من صنيع الشيرازيين وحدهم، ولا كانت نكاية بعشرة الفجر التي يحييها الإيرانيون، وهي من مناسبات ثورة الإمام الخميني. مع العلم أنّ هذه مناسبة سياسية وطنية، وليست من الشعائر الدينية ولا تستدعي المناكفة أصلاً.
أما هل يتَّفق الكاتب أم لا يتفق مع سنّ مثل هذه الأمور؟ فهذا ليس شأنه، وإنما الأمر موكولٌ إلى الفقهاء المجتهدين والمراجع العظام الذين ترجع إليهم الطائفة، وبحثه ليس هنا موضعه.
النقطة الثالثة: قال الأستاذ: «نشير إلى أن تيار الشيرازي وفي رد فعل على إعلان «أسبوع الوحدة» في إيران في عهد الإمام الخميني والمخصّص لتعميم ثقافة الوحدة بين المسلمين، أعلن هو «أسبوع البراءة» الذي يدعو للبراءة من الخلفاء الثلاثة» وبتتبعنا لبيانات المرجعيَّة، لم نجد أمراً في هذا الجانب، وإنما المعروف أنَّ السيد حسين الشيرازي قد دعا لهذا الأمر منفرداً بسلوكه هذا. وإذا كان البعض يريد أن يكابر ويعتبره موقفاً رسمياً من التيار ليحسبه عليهم، فإنَّ الشيخ عبد العظيم المهتدي البحراني، وكيل المرجعية الشيرازية في البحرين، له مواقف أخرى تعاكس هذا الموقف وتدعو إلى نبذ الأعمال التي تسبب الاحتقان الطائفي، وما يعرّض دماء الشيعة للسفك والهدر، وتجييش المعتدلين السنة ضد الشيعة بمثل هذه الأعمال. فهل سيكون عمل الابن ممثلاً للمرجعية أكثر من رأي وكلائها؟! وخلال زيارةٍ للسيد صادق الشيرازي، سأل أحد الأصدقاء المتشيعين عن الاحتفال بقتل الخليفة الثاني بشكل فيه استفزاز لإخواننا في المذهب السني، فقال سماحة الشيخ حسين الفدائي (من وكلاء السيد المرجع): «إنَّ السيد لا يقبل بهذا الأسلوب». ثم سأل الصديق، سماحة السيد جعفر الشيرازي، وهو ابن المرجع المرحوم وأخو السيد محمد رضا الشيرازي، عن أسلوب ياسر الحبيب وأمثاله من المتطرفين، فصرّح بأنهم لا يرون صحة هذا المسلك ولا يقبلون به. والسيد المرجع يقول: «المسائل المختلف فيها لدى المذاهب، والأحكام الخلافية بين طوائف المسلمين، طريق حلها البحث والنقاش النزيهان المعرّيان من السباب والقذف، القائمان على أصول الإسلام المعترف بها لدى جميع المسلمين. أما أن يسبّ بعض المسلمين بعضاً لأجل بعض المسائل الخلافية، أو يكفّر بعضهم بعضاً من أجل حكم غير إجماعي فذاك يدعو إلى تشتت المسلمين، وشق عصاهم وضرب الوحدة الإسلامية العظمى» (كتاب حقائق عن الشيعة، ص 22 ) فهو حذِرٌ مما يشق عصا المسلمين ويفرقهم.
والإنصاف أنَّ من كان يحرض على هذا مثل هذه الأعمال الاستفزازيَّة هم المتأثرون بمنهج ياسر الحبيب والذي يخالفهُ السيد المرجع من الأساس. فلماذا الخلط والتشويه؟
النقطة الرابعة: مسألة التوسُّع في الشعائر ونسبتها حصراً إلى الشيرازيين هي من مغالطات الأخ الأستاذ، فإنَّ ما زيد على التطبير ليس نتيجة للجهد الشيرازي في ذلك. بل القضية مبنيّة في الفقه، ومما نتج من المبنى الفقهي القائل بجواز إظهار الجزع في العزاء، إلى الحدِّ الذي لا يسبب تلفاً في أحد الأعضاء بحيث يتعطَّل عن أداء وظيفته، ومنه تم التفريع بهذه الأساليب على الأصل المذكور في المبنى. فالقضية منطلقها فتاوى الفقهاء القائلين بجواز التطبير أو استحبابه وعلى هذا وجب القياس.
وبالنسبة إلى الكلام في مثل هذه الشعائر وأولها التطبير (وإن كنت لا أؤيده). إلا أن تناول المسألة بهذا النفس التحريضي لا يؤدي بنا إلى حلِّ المشكلة، فالطرفان لم يحققا مطلبَيهما، الأول لم ينجح في تهدئة هذه الموجة، والآخر لم يقم بشعيرته -كما يفترض- قربة لله، بل سعياً نحو المناكفة والكيد، وقد سمعنا تصريح أفراد كثيرين في هذا الشأن. وهكذا أصبح خُفَّا حنين في متناول الجميع، تفضلوا، وعودوا بهما.
إنَّ السرَّ في انتشار الطقوس المختلفة أو توالدها (سواء كانت مقبولة أم لا عندنا) ليس كما حاول الأستاذ التنظير له بالحصر في تيار معين، وإنَّما هي خصوصية المجتمع الشيعي الذي يعيش حالةً من الشغفِ والوَله الكبيرين بأهل البيت، وليس الشيرازيون قسماً منفصلاً عن المكوِّن الشيعي. فمن المشهور في الأعمال والطقوس، «سفرة أم البنين» وهو عمل ليس فيه نصٌ شرعي خاص، وإنما من الأعمال التي تصنَّف ضمن إحياء الأمر وإظهار المودَّة وما إلى ذلك، ومع ذلك تجدها رائجة بشكل كبير وليس للتيار الشيرازي يدٌ فيها. والكلام عن «سفرة أم البنين» من باب المثال لا الحصر. فالحالة الطقوسية – كما يحلو للأستاذ تسميتها- هي ناتجٌ طبيعي من الحالة التي يعيشها الفرد الشيعي في مجتمعه. إنَّ المجتمعات الدينية التي تمتلك المحرّكات الروحية أكثر قرباً إلى ممارسة الشعائر الدينية الخاصة بها، وذلك أنها ترى الروحية التامَّة في هذه الأمور، فترغب في البقاء على اتصالٍ بتلك الحالة، وبالمقارنة مع المذهب الوهابي تجد الفارق، فالمجتمع الوهابي مجتمع جافٌ روحياً، لا تكاد تظفرُ له بطقسٍ ديني يعزز الحالة الروحيَّة، وإن ظفرَ به أفرغه من معناه وثمرته الروحية، كما في الحجّ والعمرة وزيارة النبي والبقيع المقدس.
النقطة الخامسة : تكلَّم الأستاذ الفاضل عن القنوات الشيعية التابعة للتيار الشيرازي، وأنَّها هي السبب لامتلاكه (رأسمالٍ طقسي) ما أدى به إلى احتواء المجتمع الشيعي عاطفياً. وقول الأستاذ هنا ينقضُ اتّهامه للتيار الشيرازي بأنَّه (مصانع للطقوس) فانجذاب الجمهور الشيعي لهذه القنوات دليلٌ على صحة ما قلناه بأنَّ الجاذبات الروحية نحو أهل البيت تستهوي المجتمع الشيعي لخصائص ذكرناها فيه، وما فعله الشيرازيون هو أنَّهم ضربوا على هذا الوتر لاستمالته، فمسألة الشعائر والطقوس مرتبطةٌ بالمجتمع الشيعي بالشكل الأساسي.
وفي الإجمال، يمكننا القول إنَّنا لو اعترضنا على مسلك بعض قنواتهم، فعلينا أن نقوم بواجب النقد الصحيح، والسعي نحو تصحيح هذه الأخطاء في أي قناة فضائية، أمَّا أن نمتلئ غيظاً، وننفجر في واقعنا فتتطاير شظايا الاتهامات، التي لا غرض لها سوى التحريض أو تنفيس الأحقاد، فهذا تضخيم للإشكال. وهذا للأسف ما وقع فيه الأستاذ عبدالله، والذي كنت أتمنى أن يكون بنقده مائلاً نحو طريق التصحيح بذكر الموارد التي وقعوا فيها بالخطأ مع معالجاتٍ مقترحة من قِبله. فمثلاً قال الأستاذ: إذ تكاد تخلو الفضائيات الشيرازية من فقرة خاصة بتلاوة القرآن الكريم، فضلاً عن التدبّر في آياته، أو أحكامه، أو فقرة خاصة بالحثّ على التزام الفرائض الدينية (الصلاة والزكاة والحج والصوم) والامتثال لقيم الدين (الصدق والأمانة والاخلاص وحفظ العهود والمواثيق...) تنصرف الفضائيات تلك إلى حشد «كليبات الرواديد». وهذا كلام عار عن الصحة أو مطابقة الواقع، ولنبيّن بطلان كلامه، نتحدث مثلاً عن (قناة الإمام الحسين 2) التابعة للتيار الشيرازي، ونرى ماذا تقدِّم للمشاهد مما زعم الأستاذ خلوَّه أو ندرته:
(1) ما يخص القرآن الكريم :
برنامج (رؤى قرآنية) للشيخ حسن الشمري، برنامج (من وحي القرآن) محاضرات السيد القزويني، برنامج (تفسير القرآن) للشيخ محمد السند، قراءة القرآن الكريم لقراء متعددين.
(2) ما يخص الحث على الأحكام الفقهية:
تتبنى القناة مسؤولية الحث على تطبيق الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية، وذلك عبر فقرات فقهية لبيان مسائل الأحكام على شكل مقاطع مبسَّطة وقصيرة، فضلاً عن برنامج (لنعرف الأحكام) وهو خاصٌ بالأحكام الفقهية.
(3) ما يخص الأخلاق:
تبث القناة مقاطع متوسطة المدة من دروس الأخلاق للسيد صادق الشيرازي، وابن أخيه السيد المرحوم محمد رضا الشيرازي، وبرامج أخرى مثل: برنامج الخلق العظيم للشيخ جعفر الهادي، برنامج أسرتي الذي يستضيف شخصيات متعددة حول بناء الأسرة أخلاقياً وفقهياً وغيره. إضافة إلى بثّ روايات أهل البيت الأخلاقية على الشاشة.
أما قناة (الإمام الحسن)، وهي قناة رسمية للمرجعية، فتبث درساً في التفسير للسيد مرتضى الشيرازي، ودروساً في شرح أحاديث أهل البيت، كشرح أصول الكافي للسيد جعفر الشيرازي، كما أنها صاحبة مشروع بثَّ قنوات تعبر عن مذهب أهل البيت بلغاتٍ أخرى غير العربية مثل:
* قناة الإمام السجاد باللغة الإنكليزية.
* قناة الإمام الباقر باللغة الفرنسية.
* قناة الإمام الصادق باللغة اللاتينية.
* قناة أم البنين باللغة الصينية.
وبهذا نجد أن دروس الصدق والأمانة التي افتقدها الأستاذ في قنوات الشيرازيين، قد فُقدت من كلامه خلال وصف الواقع. والذي أراه أن مثل هذا العمل يزيد في الاحتقان والتشنّج، فيما نريد بنقدنا زيادة المشتركات لنقضي على نقاط الاختلاف. فالنقد غير الواقعي، والذي ينسج من الخيال اتهاماتٍ غير صحيحة لا يولّدُ إلا الضغائن والأحقاد ومكابرة الطرف الآخر وإصراره.
النقطة السادسة: اعترض الأستاذ في مقاله على تحويل الشيرازيين التشيّع إلى مأوى للخرافيين والمهووسين، بحياكة قصص الكرامات عن حضور الزهراء في هذا المجلس، أو المهدي في ذلك المجلس وخروج الدم من صخرة، أو الزعم بتحوّل التربة إلى دم ليلة العاشر. ونحن لا نقبل أن يتم زجَّ تيارٍ بعينه في هذه التهمة، فحكاية الكرامات على اختلافها عنصر مشترك بين الشيعة، والذي كنا ننتقد الجميع فيه هو إطلاق الحكايات من دون طرق التثبت، فنحن لا ننكر الكرامات ولا ننفيها مطلقاً، ولكن الضبط والتثبّت يؤديان بنا إلى حالة من التقنين والانضباط. والذي أثار استغرابي فعلاً هو كلام الأستاذ عن تحوّل التربة إلى دم في ليلة العاشر، وتضمين هذا القول ضمن الخرافات. والعلماء والمحققون قاطبة على الاعتقاد بهذا القول. فالأخبار في تحول التراب إلى دم في أيام شهادة الإمام محل اتفاق عند السنة والشيعة، فمن السنة روى في ذلك الخبر البيهقي في دلائل النبوة بطريق، والطبراني في المعجم الكبير بثلاث طرق. أما من طرق الشيعة فهي أكثر، وروى ذلك ابن قولويه في كامل الزيارات، والشيخ الصدوق في أماليه، وقطب الدين الرواندي في الخرائج، وغير ذلك الكثير مما لم أتتبعه بدقَّة. أمَّا في ما يخص ما بعد شهادة الإمام الحسين فقد عرضت العتبة الحسينية المقدسة عام 2012 تربة محفوظة في متحف العتبة، وقد تحولت في يوم العاشر إلى اللون الأحمر، وقد زارها العلماء، ومنهم وكيل المرجعية في النجف الشيخ عبد المهدي الكربلائي.

خما زيد على التطبير ليس نتيجة
للجهد الشيرازي في ذلك. بل القضية مبنية في الفقه


لم نر في التراث الشيعي
ما يدلُّ على الأفكار الحلوليَّة التي ليست من الدين أصلاً

كذلك عُرف عن آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر أنه كان يمتلك تربةً من قبر الحسين، وكانت تتحول إلى اللون الأحمر في يوم العاشر من محرم، وكان له اعتقادٌ بهذه التربة إلى درجة أنه يتثبت من التأريخ الهجري ليوم العاشر من خلالها.
يقول الأستاذ أحمد عبد الله أبو زيد في كتابه عن الشهيد الصدر (محمد باقر الصدر... السيرة والمسيرة، الجزء الثالث، ص 298):
«والقصَّة أنَّ الشيخ محمد رضا النعماني كان قد سمع من السيد الصدر، ومن والدته الحاجة بتول آل ياسين، أنَّ سادن الروضة الحسينية [الكليدار] في زمن السيد حيدر الصدر، والد السيد الصدر، أهدى إلى مراجع ذلك الوقت، ومنهم السيد حيدر، تربة للصلاة كان قد أحضرها من تراب قبر سيد الشهداء عليه السلام، أي التراب القريب جداً من جسد الإمام الحسين، فكان لون هذه التربة يتغير عند أوَّل الفجر من يوم العاشر من محرَّم الحرام كل عام، إذ يبدأ لونها بالاحمرار تدريجياً حتى يشتد فتصير عند الزوال كأنها علقة دم، وكان السيّد الصدر يشير بيده إشارة إلى أنها تتحول إلى دم حقيقي، وبعد الزوال يبدأ لونها بالرجوع إلى حالته الأولى. فكان السيد الصدر يقول: كنا لا نشك في يوم العاشر من المحرم بسبب خاصيَّة هذه التربة المقدسة.
أقول: ذكر الشيخ محمد رضا النعماني هذه القصَّة بنفسه في كتابه (سنوات المحنة وأيام الحصار، رقم الصفحة 48، الطبعة الثانية، مطبعة اسماعيليان) والشيخ من أقارب وتلامذة السيد وملازميه. فهل أصبحت العتبة الحسينية شيرازيَّة؟ أو صار الفقيه الفيلسوف الشهيد الصدر شيرازياً؟! ألا نرى أننا أحياناً تعمينا شهوة النقد بحيث نظلم الآخرين، أو أننا نصيب الدين ومعتقداته تحت ستار (نقد الشيرازيين).
النقطة السابعة: ما قاله الأستاذ في مقاله تعدَّى أحياناً نقد الشيرازيين، إلى النيلِ من معتقدات المذهب وحقائق مُسلَّم بها قامت عليها الأدلة القطعية. فما معنى قوله: «إن اللجوء إلى تراث روائي كان مهملاً في المذهب الشيعي أعاد معه إحياء تراث المغيبات والخوارق والكرامات كونه يتناسب والعاطفة الشيعية الشعبية، فبات كل ما يروى عن واقعة كربلاء مقبولاً، وإن كان المخيال الطقوسي لدى الشيرازيين مصدره الوحيد» ولم أعرف أي تُراث روائي كان مهملاً يقصد، هل هي الكتب الأربعة؟ أم أمالي شيوخ الطائفة ومصنفاتهم التي تناقلها العلماء عصراً بعد عصر حتى وصلت إلينا؟ إنَّ الكرامات والخوارق والغيبيات مما لا شكَّ فيها وتسالم العلماء على القول بها حتَّى صُنِّف في ذلك الكثير، ولم يتفرَّد الشيرازيون بذلك. بل أطبق علماء الشيعة على الاعتقاد بالكرامات الواردة من طرق اتصفت بالاعتبار في التراث وليس ذلك حكراً على الشيعة، وإنني أرى أن الأمر بدأ يطاول عقائد المذهب لا تياراً بعينه. وذلك التيار المُنتَقد أصبح ذريعة لمن لا ذريعة له، فلاحظ!
ويواصل الأستاذ نقدَه للمذهب متذرعاً بالتيار الشيرازي فيقول: «بتنا أمام تيار شيعي يعيد إنتاج وإدماج الأفكار الحلولية في البناء العقدي الشيعي، وبدأت مجدداً تنتعش عقيدة التفويض التي تكل إدارة الكون الى أهل الكساء الخمسة (محمد وعلي وابناه الحسن والحسين وأمهما فاطمة الزهراء)، وانتشرت معها قصص الخوارق المفبركة من (الموالين)».
ومع بالغ الأسف، صرنا نعيد الأجوبة حول هذه القضايا ونكررها، ولكن ليس مع الوهابية فقط، وإنما مع من ينتسب للبيت الشيعي.
لم نرَ في التراث الشيعي، فضلاً عن أدبيات التيار الشيرازي، ما يدلُّ على الأفكار الحلوليَّة التي ليست من الدين أصلاً، ولا يقول بها مسلم. أما عقيدة التفويض فغير مسلم بها، والفقهاء على بطلان التفويض، وأما إن كان الأستاذ يقصد بإدارة الكون إلى أهل الكساء الخمسة أي الولاية التكوينية، فهذا الأمر ليس حكراً على التيار الشيرازي، بل كل علماء المذهب، وهو من معتقدات المذهب الجعفري، وكتب فيه غير الشيرازيين أكثر مما كتب الشيرازيون أنفسهم.
ولنذهب إلى قراءة رأي العالم العارف العامل، آية الله العظمى السيد الإمام الخميني (والذي هو طبق مبنى الأستاذ، من قسم التشيع الثوري)، يقول السيد الإمام ما نصّه: «فإنَّ للإمام مقاماً محموداً، ودرجةً ساميةً، وخلافةً تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميعُ ذرات الكون، وإنَّ من ضروريات مذهبنا أنَّ لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل» (كتاب الحكومة الإسلامية، ص 52).
وقد بحث السيِّدُ الخميني مسألة التفويض، وقسَّمه إلى ممكن ومستحيل، والبحثُ طويلٌ لطيف لا مجال لإيراده فمن أراده فليرجع إلى كتابه القيّم (الأربعون حديثاً) في الكلام على الحديث (31)، ومما قاله السّيد: «كما إننا العباد الضعاف قادرون على الأعمال البسيطة مثل الحركة والسكون وأفعال أخرى صغيرة، فإن العباد المخلصين لله سبحانه والملائكة المجردين، قادرون على أعمال عظيمة من الإحياء والإماتة والرزق والإيجاد والإعدام. وكما أن ملك الموت يقوم بالإماتة، وعمله هذا لا يكون من قبيل استجابة الدعاء، وإن إسرافيل موكل بالإحياء، وإحيائه لا يكون من قبيل استجابة الدعاء أو التفويض الباطل فكذلك الولي الكامل، والنفوس الزكية القويّة، مثل نفوس الأنبياء والأولياء، قادرة على الإعدام والإيجاد والإماتة والإحياء، بقدرة الحق المتعال، وليس هذا من التفويض المحالّ، ويجب أن لا نعتبره باطلاً. ولا مانع من تفويض أمر العباد، إلى روحانية كاملة، تكون مشيئته فانية في مشيئة الحق، وإرادته ظلال لإرادة الحق، ولا يروم إلا ما يريده الحق، ولا يتحرك إلا إذا كان موافقاً للنظام الأصلح، سواء كان في الخلق والتكوين أو التشريع والتربية، كما وردت الإشارة إلى ذلك في حديث ابن سنان» وهذه البحوث والكلمات نجدها عند كثيرِ من العلماء، ولا يحتمل المقام توسعة أكثر مما أوردنا.
وفي الختام، هل رمى الأستاذُ سهامه فأصابت الشيرازيين حقاً أم رامَ غير ذلك؟
إنَّ علماء المذهب الشيعي قاطبة، قائمون بنفيّ الغلوّ ومحاربته، وعاملون بكلِّ قواهم على إقصاء منابر الغلاة، ولسنا نرى في عقائد المذهب مما قررها العلماء المحققون أي غلوٍ، ودونك كلام السيد الإمام الخميني.

* كيف نقرأ التيار الشيرازي؟ هذه هي المُعضلة.
لقد نجح بكل قوة تيار ياسر الحبيب، وأشباهه من أهل الغلو، في اختطاف صورة التيار الشيرازي، حتى أصبح مرادفاً للتكفير والإرهاب والفتنة، وبدلاً من أن نتصدى له باستغلال بيانات المرجعية وتصريحاتها في المقاربة وجمع المشتركات، قمنا بالتسليم لهؤلاء طوعاً وأصبح مفهومنا عن التيار مرادفاً لتيار «لندن» الانحرافي.
هل سمعنا أصحاب هذا التيار فعلاً؟ أغلب المنتقدين، بحسب حواري معهم، ليسوا على اطلاع على نتاج التيار الشيرازي بما فيه من مؤاخذات.
لمعرفةٍ يسيرة قبل أن نقوم بمثل هذه الانتقادات غير المجدية، أدعو إلى قراءة سياسة هذا التيار وأعماله الرسمية، مثل الحوار مع الشيخ عبد العظيم المهتدي البحراني (وكيل المرجع) حول جماعة «لندن» وياسر الحبيب، وما سببوه من أضرار لهذا التيار، وكيف صرَّح الشيخ بتنزيه التيار والمرجعية عن هذا السلوك الوحشي الجاهلي لتلك الفئة، الحوار طويلٌ جداً ولا يحتمل المقام إيراده. كذلك محاضرات السيد صادق الشيرازي حول منهج الشيعة الإمامية، وهي شرح لرسالة الإمام الصادق المروية في روضة الكافي. ومطبوعة في كتابٍ بعنوان (نهج الشيعة) وفيها مطالب تدلُّ على سياسة المرجع وما يراه لتيَّاره. وبعد تحصيل الإلمام حول سياسة هذه الجهة أو تلك يمكننا أن نقوم بنقدٍ مضبوط من دون دعاوى كاذبة أو غير واقعية. ومن هنا يمكننا أن نميّز بين المتطرفين والمضللين، وبين تيارٍ يعلن سياسته بشكل رسمي، وفي حال وجدت مخالفاتٍ من أفراد هذا التيار أو ذاك، فلا بأس بنقدها وتوجيه اللومِ إلى من قام بها.
لقد أصبح التيار الشيرازي بسبب الأزمة التي مرَّ بها بين مطرقة المتطرفين فيه، وسندان اللائمين غير المنصفين له، وضاعت الحقيقة في التراشق بين الطرفين. وليتنا نعود إلى جوهر سياسة هذا التيار وبياناته ونشاطاته لنحصي حسناته وسيئاته معاً. لا أن تكون عيننا هي عين السخط التي تبدي المساوئ، ونطمس عين الرضا مطلقاً. نحن بحاجة إلى عين الإنصاف.
وفي سياق هذا الأمر، لا أحبذُّ أن يكون هناك نقدٌ بعنوان حزبي، فنقول: الشيرازيون وكذا حزب ولاية الفقيه كذا، المرجعية النجفية كذا، لأن هذا سيعزز روح التنافر الحزبي، ولن يحقق المراد من النقد. وعلينا أن نقوم بنقد الظواهر التي نراها مجانبة للصواب بالشكل الذي لا يؤدي للاستفزاز وجلب ردَّات الفعل، ودخول دوامات التراشق التي لا تعود علينا بأية منفعة في الوقت الحاضر. التيار الشيرازي كغيرهِ من التيارات، له إيجابياته المحمودة، ولنا عليه ملاحظات وانتقادات نوجهها في كل حوار حول هذه القضايا. وأملي أن نلتقي على جمع المشتركات بين أهل المذهب الواحد، لكي نقدر على السير في اتجاه الوحدة الإسلامية، فمن لا يقدر على التآلف مع أخيه بالمذهب، لن يتآلف مع إخوانه في المذاهب الأخرى.
* طالب حوزوي