سيكون من قبيل الخطأ الفادح، وربما شديد التكلفة، عدم مواكبة ومتابعة تحولات الموقف السعودي بما تستحق من الاهتمام. هذه التحولات بدأت وتسارعت ارتباطاً بفشل الحوار اليمني ــ اليمني ومجمل العملية السياسية التي كانت ترعاها المملكة، وانتقال المبادرة السياسية والميدانية، بالقوة العسكرية، الى تحالف جماعة «أنصار الله» والرئيس السابق علي عبدالله صالح. سرّع من التحولات السعودية، بمقدار كبير أيضاً، إصرار الولايات المتحدة على عدم الانخراط العسكري المباشر في أزمات المنطقة، الأمر الذي حرم السعودية من ظهيرٍ قوي ومتفوق كانت تعتمد عليه بالكامل في سياساتها وأزماتها السابقة عموماً. انتقال السلطة في المملكة الى الوريث الجديد ووليَّي عهده، شكّل، هو الآخر، أحد العوامل الرئيسية في مراكمة أسباب التحولات وتسريعها.

يضاف إلى ذلك، من دون أدنى شك، ما تركته من مرارة في نفوس حكام المملكة مفاوضات واشنطن مع طهران بشأن ملفها النووي، ثم تجاهل واشنطن لكل المخاوف السعودية من التفاهم الأميركي الإيراني العتيد الذي وصل، فعلاً، إلى خواتيمه السعيدة في ١٤ تموز الماضي. في خلال ذلك، كان يزداد الانخراط الإيراني، المباشر وغير المباشر، في سوريا، ويساهم في إحداث تغيير ميداني وسياسي في غير مصلحة القوى التي تدعمها المملكة وتعوِّل عليها في تحقيق هدفها بإسقاط سلطة الرئيس بشار الأسد. ثمّ جاء التدخل العسكري الروسي، منذ حوالى خمسة أشهر، ليدفع المفاجآت غير السارة، بالنسبة إلى القيادة السعودية الجديدة، الى حدها الأقصى.
ارتبكت قيادة المملكة (بل هي ذُعرت) حيال كل ذلك. لم تفلح في تغيير الموقف الأميركي رغم العتب والحملات والتهديد بالتفتيش عن حلفاء وحماة جدد. أدركت بسرعة وبمرارة، أن عليها، منذ هذه اللحظة، أن تبادر وتشمِّر وتقاتل... وباللحم الحي، كما هو مفروض عليها، وفق أبرز ما تناولنا من تطورات وأسباب!
التدخل الروسي، الكبير والفعّال والمقرون بالمبادرة والدبلوماسية النشيطة (بالمقارنة مع تردد واشنطن وتثاقلها)، قلَب المعادلات السياسية والميدانية. تساقطت مواقع ومدن وأرياف كانت تسيطر عليها قوات معارِضة، «معتدلة» وإرهابية، في يد الجيش السوري وحلفائه. أخطر من ذلك، حصل شبه انهيار في صفوف هؤلاء، وبشكل مقلق لداعميهم من دون أن يستطيع هؤلاء الداعمون فعل شيء مهم حيال ذلك. حاول قادة المملكة الضغط على واشنطن مجدداً. طرحوا مشروع إرسال قوات سعودية وخليجية وتركية الى سوريا بذريعة «محاربة» دولة «داعش» تحت مظلة أميركية. لكن، مرة جديدة، رفضت واشنطن التورط مؤكدة، مرة أخرى، أنها تتبنى أولويات أخرى، وأن حدود تنسيقها مع موسكو أبعد مما يعتقد كثيرون.
سقطت مجدداً ورقة تدخّل واشنطن من يد القيادة السعودية، بعدما تبيّن لها أيضاً تخبط ومحدودية الموقف التركي وخصوصاً إزاء التقدم والتصميم الروسيين، فضلاً عن انكشاف أولوية الحكومة التركية في قتال المسلحين الأكراد الذين يتقدمون في الشمال السوري ويواجهون دولة «داعش» بدعم من واشنطن وبالتنسيق مع موسكو ودمشق. كذلك فإن ما أنشأته الرياض من أحلاف وتكتلات وما نظمته من مناورات لم يكن بمستوى تطلعاتها من حيث المشاركة الميدانية والفعالية السياسية.
في مثل هذه الظروف وبعد كل هذه الخيبات، من جهة، ونظراً إلى تضخم ملف ودور حزب الله (في سوريا خصوصاً) في حسابات قيادة المملكة، من جهة ثانية، حصلت قصة «النأي بالنفس» الشهيرة بتوقيع الوزير جبران باسيل. هي مسألة «قلوب مليانة» أكثر منها حجم وتأثير الموقف الحيادي اللبناني نفسه. إنها، في الواقع، استدارة نحو أحد العوامل الفاعلة في الساحة السورية لمحاولة إضعافه وإرباكه أملاً بتحقيق مكسب ما، وخصوصاً في مرحلة تنشيط التفاوض الروسي الأميركي، وبعد ما حققه الجيش السوري وحلفاؤه، من ثبات، سابقاً، ثم من تفوّق ميداني حالياً، وكان لحزب الله في حصول كليهما دور مؤثر.
الجديد والخطير في الأمر، الآن، أن عملية الإضعاف المذكورة لن تمرّ عبر ما هو قائم من قوى ومواجهات على الساحة السورية، بل عبر ضغوط سياسية واقتصادية، وربما أمنية، على لبنان وفيه: بحكم الاحتقان القائم والمرشح للتصاعد، أو بفعل تدخل جهات مستفيدة وحاضرة في الساحة اللبنانية، وأهمها وأخطرها المخابرات الإسرائيلية. ليس مستبعداً، أيضاً، اللجوء المباشر الى التوتير الأمني طالما أن الهدف هو الإشغال والإرباك وليس السعي نحو الغلبة وتحقيق أهداف مباشرة وخاصة بالساحة اللبنانية (مثل ذلك متعذر أصلاً في ظل التوازنات الحالية).
التوتير الأمني المدبّر (بقرار من «شقيق» أو عدو) أو «العفوي» (أي الذي يقود اليه الاحتقان القائم والمتراكم)، قد يؤديان، على الأرجح، الى اشتباك يأخذ طابع الفتنة الأهلية المذهبية. حسب كل التجارب، ليس في هذا النوع من الاشتباك الأهلي رابح بالمعنى الحقيقي. لكن، بالتأكيد، ثمة خاسر «مضمون» هو كل لبنان وكل اللبنانيين! يحتم ذلك على كل الحريصين والعقلانيين بذل كل الجهود لتفادي الوقوع في الفتنة والسعي إلى «النأي بالنفس» عنها بكل السبل وبأكثرها فعالية ونجاعة.
في مناخ هذه الاحتمالات السوداء وتكرارها في صيغ مختلفة، وغالباً مؤلمة ودامية: من مرحلة الى مرحلة، ومن عام الى عام، ومن أزمة الى أزمة... تطرح، أو ينبغي أن تطرح، مشكلة البلد، بلدنا، الذي «لا تهزّو واقف عشوار»! هو سريع العطب وهشّ، بهذا المقدار، بسبب ما يعانيه من الانقسام والتفكك الذي لم يفعل نظامه السياسي سوى تكريسه في صيغة محاصصة تتوسل الطائفية والمذهبية أداة لتحقيق مكاسب فئوية، ولو على حساب عافية الوطن وكرامة المواطن ومصلحته!
ويتجاهل مدّعو الحرص على السيادة، عن عمد وعن استغباء، أن هذين الانقسام والفئوية هما أقرب السبل الى التفريط، لا بالوحدة الوطنية فحسب، وإنما بالسيادة الوطنية بالدرجة الأولى.
إذا أضفنا المخاطر التي تتهدّد أمننا واستقرارنا، الى تلك التي تتهدد توحدنا الوطني وسيادتنا الوطنية، ومن ثمّ الى تلك التي تتهدد لقمة العيش الشريفة والمستحقة، بالجهد والكدح والكفاءة للأكثرية الساحقة من اللبنانيين، يتضح أننا نعاني من خلل تأسيسي بات استمراره وتفاقمه خطراً على وطننا ومصيرنا جميعاً، من دون تمييز بين انتماءاتنا السياسية أو الدينية أو المذهبية.
لقد نجحنا في مقاومة العدو، فهل ننجح في تجاوز الفتنة!
* كاتب وسياسي لبناني