«ما يرتديه ليس قناعاً، هذا هو وجهه الحقيقي»

(حارس النار المقدّسة متحدثاً عن الرجل الوطواط ــ من قصة كوميكس من عام 1990)

يبرز السؤال «منطقياً» (أي لا ينتظر إجابةً) أكثر من كونه أي شيءٍ آخر: يراهن كثيرون –وخصوصاً في معارضة الرياض وغالبيةٍ من صحافيين يعتاشون من أموالها- على حدوث ذلك؛ فيما يرى –عاقلون- أنّ الأمر لا يعدو كونه «تشجيعاً» لبعض الدول «السنية» المؤيدة –بدافع المال وحوائج أخرى- للنظام الملكي السعودي القوي –حتى اللحظة-. إذاً هل سيأتي الجيش السعودي إلى سوريا فعلاً؟

ماذا سيفعل
السعودي في
حال قرر التركي ألا يدخل مباشرةً؟

في البداية علينا أن نناقش بوضع كل النقاط الأساسية أمامنا كي نفهم حاجة السعودية كدولة وكنظام إلى التدخّل بشكل مباشر في سوريا، بعيداً عن عاداتها على التدخل عبر وسائط. فقدت السعودية بخسارتها لزهران علوش قوتها الضاربة وشكيمتها التي كانت تعتمد عليها في كل خطواتها السابقة منذ بداية الأزمة السورية؛ هذه لم تكن إلا البداية. فحسب ما تشير إليه مصادر وزارة الخارجية الأميركية مؤخراً، فإن عدداً كبيراً من الأحزاب الصغيرة والتي كانت تتحالف أساساً مع جيش الإسلام وتشكل رافعةً له باتت تنسحب تدريجياً للانضمام الى خصميه اللدودين: داعش والنصرة. ورغم أن كلا التنظيمين يكفران ويقتلان بعضهما البعض، إلا أنَّ ذلك لم يجعل السعودية (أو حتى تركيا في هذا الإطار) قادرةً على لجمهما أو وضعهما في مكانٍ يمكن التفاهم معه عبر أية طريقة معروفة. إذاً باختصار، تحتاج السعودية إلى «معجزة» كي تعود إلى الواجهة من جديد في سوريا. لا يطيق السعوديون الواجهة على طريقة الأميركيين مثلاً، حيث لا مشكلة عند الأميركي ألا يتدخل مطلقاً، أو حتى لا يكون لوجوده أي ذكرٍ أو داعٍ طالما أن مصالحه لم تمس (كوجوده في أوكرانيا مثلاً، أو العراق حالياً، أو حتى في دول الخليج مستثنين بعض التواجدات في قواعد قطرية أو تركية). يكره السعودي ذلك تماماً، هو يفضّل (ومنذ بداية الأزمة السورية 2011) أن يتواجد عبر «محازبين» و»حلفاء» لا يمون عليهم فحسب، بل يأمرهم فيطيعون. يعشق أمراء السعودية الأمر تماماً، يعشقونه ومنذ بدايات نشوء الدولة السعودية بشكلها المعروف والحالي (ولمن يهوى قراءة التاريخ يمكنه مراجعة كثيرٍ من مصادر حول علاقة الإخوان المسلمين وأميرهم الأوّل حسن البنا بالأمراء والملوك السعوديين مثلاً، أو علاقة الملك فيصل أحد أشهر وأهم الملوك السعوديين بكثيرٍ من منظري الإخوان والزعامات العربية المختلفة المعارضة لجمال عبدالناصر).
ما العمل إذاً طالما أنه ليس هناك أبداً أي نوعٍ من «الحليف» المحلي الذي يشعر السعودي معه بأنه «مسيطرٌ» عليه مئة في المئة؟ الحل إذاً بالتواجد ولو القصير زمنياً (ستة أشهر وحتى سنة)، هي خطةٌ حكي عنها الكثير في مراكز الدراسات الغربية (يمكن مراجعة مؤتمر هرتسيليا الأمني الأخير 2015، ومراجعاته التي تحكي أقسامٌ كثيرة منها عن كيف يجب استثمار الأزمة السورية، وكيف يمكن استغلالها وكيفية خلق «أتباع» من الداخل السوري، وإن لم يكن الحديث عن السعودية أبداً كمؤثر بل عن الكيان العبري). خلاصة الفكرة: يتواجد مركز القوى في تلك الأرض المأزومة لمدةٍ من الزمن تمكّنه من خلق «مريدين» و«أتباع» يكملون الطريق من بعده، هذه الطريق المجرّبة تاريخياً عبر كل موجةٍ استعمارية مرت على هذه البلاد قد تكون ناجحةً في عصور قديمة، لكن تجربتها الأخيرة (أميركا في العراق) باءت بفشلٍ مخيف، فبدلاً من خلقها مريدين أميركيين، خلقت شيطانين لا ثالث لهما: داعش بلا بزة، وداعش ببزة. فداعش التي لم ترتدِ البزة كانت هي التي حملت الاسم ومارست كل سلوك الإسلام التكفيري، أما التي ارتدت البزة، فهي عبارة عن السياسيين المنتمين إلى طوائف متعددة ويحكمون العراق (ولا زالوا يفعلون): يسرقونه ويقتلون أبناءه (بكل صلفٍ ووقاحة) من دون أي ذرة «انتماء» للناهب الأميركي الذي زرعهم ونماهم أساساً.
اذا تحاول السعودية دراسة هذا الحل، لكنه كما يبدو جلياً فإنه ليس حلاً عملانياً حتى اللحظة خصوصاً إذا ما علمنا بأن التركي (الحليف المتوقع أن يستثمر قواه في هذا التدخل وبشكلٍ جدي) ليس «متشجعاً» كفاية على الدخول العسكري، ولماذا يفعل طالما أنَّ داعش تؤدي ما يطلبه منها (وإن كان بعض أجنحتها وليس كلها تؤدي ذلك كي لا يصار إلى تصديق كذبة أن داعش هي صنيعة تركية ودمية لها، فداعش تطبق نظام الهايدرا وبشكلٍ هرمي معكوس أيضاً). إذاً ماذا سيفعل السعودي في حال قرر التركي ألا يدخل مباشرةً؟ ساعتها تنتهي القصة بكاملها، لكن الاحتمال الأقرب هو أن يتدخل التركي لكن ليس بقواتٍ بريةٍ كافية لتسبيب ضرر حقيقي لجيشه، عندها يطلب السعودي من حلفاءٍ آخرين كمصر والسودان وباكستان (وسواها) التدخل عبر إمدادات بشرية كما سيطلب من بعض دول مجلس التعاون الخليجي (الإمارات، البحرين) المشاركة بقطعٍ عسكرية محددة. طبعاً هنا لا يجب أن ننسى الغطاء الأمني الأميركي (ناهيك عن الغطاء الجوي الصهيوني إلى حدٍ ما). ستكون حجة الدخول إلى سوريا بالطبع هي «القضاء على داعش»، هذه الحجة التي ستسقط خلال الأشهر الأولى من التواجد هذا، سرعان ما ستعود إلى الواجهة خصوصاً إذا ما صمدت داعش، أو إذا استطاعت القنوات الممولة خليجياً (كالجزيرة والعربية) التغطية المحمومة كما فعلت خلال الأيام الأولى للأزمة في سوريا.
بخلاف ذلك لن تجرؤ السعودية على الدخول إلى سوريا وتحت أي مسمى، ذلك أن أي قوة «ردع» عربية (كتلك التي دخلت لبنان إبان الحرب الأهلية) لن تكون قوة «ردع» فالجامعة العربية لا تمتلك ذات الحيثيات التي كانت تحتفظ بها وقتها، وسوريا تختلف عما عداها لكون نظامها لا يزال متماسكاً قوياً، وجيشها قادراً على حسم معاركه (وإن بمساندة حلفاء أقوياء). باختصار ستحاول السعودية الدخول إلى سوريا بكل ما أوتيت من قوة لحماية ما تبقى من ماء وجهها كأقوى بلد خليجي/ عربي، لكنها لن تفعل ذلك أبداً وحدها، بل ستجمع حلفاء يحمون دخولها، ويؤمنون خروجها حين انتفاء حاجته، ولكن أثناء ذلك فهي ستحاول بكامل عدتها وعديدها تأكيد فكرةٍ واحدةٍ فحسب: أنا الدولة العربية الأقوى. وهو الأمر الذي لا يحتاج أحدٌ لإثباته بعد اليوم، فمن خسر (ولا يزال يفعل) في اليمن هل سيصدق أحد حديثه عن قوته لاحقاً؟ ذلك يبقى السؤال ذو الإجابة الواحدة التي تنتفي تماماً مع اجابة الإعلام الذي يموله السعوديون أنفسهم.