من المفترض أن تكون الحياة الأكاديميّة صنو الحرية في النقد والبحث عن الحقيقة ونفض الغبار عمّا يبدو متعارفاً عليه، أو سائداً في المجال العلمي وفي المجتمع. هذه الحرية في النقد والبحث عن الحقيقة تقتضي معظم الأوقات أن يقف الأكاديميّ المتدرّب على النقد، ومهما كان اختصاصه، موقفاً نقديّاً من مجتمعه، من الأعراف السائدة والسياسات القائمة، والنظام القائم، بهدف دفع الحياة البشرية قدماً على ما نرجو.

إلا أنّ الحياة الأكاديميّة يتخلّلها الكثير من الأخطار التي تسعى إلى أن تُبقي فيها مواقع السلطة الإداريّة على الوضع القائم، وتسمح بالنقاش ما دام بلا تأثير، وتحاول ترويض الأكاديميّين (والطلاّب) الناشطين.
قد يتّخذ قمع الأكاديميّين طريق المواجهة المباشرة عبر محاولة طرد أيّ أكاديمي ناشط، في موقع «غير مرغوب فيه». هذا كان مثلاً ما تعرّض له نورمان فينكلستين خلال عمله في جامعة «دو بول» حيث حُرِمَ التثبيت الدائم؛ والأستاذ دايفيد نوبل في جامعة «يورك»، تورونتو، الذي تعرّض للتضييق الأكاديميّ، والذي كان ينشط في معارضة السياسات الإسرائيليّة على أرض الجامعة، فما كان من نوبل إلا أن رفع دعوى على الجامعة لممارساتها التعسّفية، فربحها منتصراً لحريته الأكاديميّة. والجامعة نفسها اليوم تضيّق على عمل الطلاب المناهضين لسياسات التمييز العنصريّة الإسرائيليّة، عبر منع ناديهم، وإرسال رسائل إنذار إلى الناشطين.
لكنْ هناك طُرق أخرى للتدجين تتّبعها الجامعات في لبنان مثلاً، ألا وهي غياب أيّ نظام للتثبيت الدائم (tenure) والكذب المتواصل الذي يقوم به بعض الإداريين بأنّ هذا النظام صار «دقّة قديمة». إنّ غياب نظام كهذا (إلاّ الموجود في الجامعة اللبنانيّة) يجعل من الأستاذ رهينة دائمة بيد الإداريين، وبالتالي يجعله يحسب ألف حساب إذا كان بلا «دعم» سياسيّ (وهو عندها يكون محكوماً أصلاً وغير حرّ)، وأراد أن يخطو خطوة سياسيّة تعارضها إدارة الجامعة بشراسة. إنّ نظام التعاقد هو موضوعيّاً سيف من سيوف الإدارة مصلت على رقاب الأساتذة، مهما كانت تبريراته «المنطقيّة». لقد صرّح الأستاذ الجامعي دايفيد سوزوكي، الناشط الكبير في حماية البيئة، بأنّ نظام التثبيت الدائم في الجامعات هو ما سمح للأساتذة بالوقوف أمام السلطات العامّة ومواجهتها في عنادها ورفضها الاعتراف بحقيقة الكارثة البيئيّة التي تجرّ كوكبنا، أي مليارات الناس، وأجناس الحيوانات والنبات، نحو الفناء[1]. لا شكّ أنّه يمكن الإنسان أن ينظر إلى نظام التثبيت كوسيلة للتدجين، بحيث يبقى التهديد قائماً حتّى التثبيت، ويمكن وضع أواليّات لحماية الأساتذة قبل التثبيت، لكن لا يمكن الإنسان أن يربط وقوفه إلى جانب ما بدا له من حق بتثبيته في الجامعة.
الترقية الأكاديميّة طريق أخرى للتدجين، فالأستاذ قد يصمت عن النقد بانتظار ترقية موعودة، لكن بعد الترقية الأولى هناك ثانية، وهناك تمويل أبحاث، وهناك تمويل للسفر إلى الخارج. وعند كل منعطف هناك شيء ما «يحرز» أن يسكت الإنسان من أجله. وقليلاً قليلاً تتغيّر ذهنيّة الأستاذ، إذ تصير (دون أن ينتبه) «مصلحتي أوّلاً»، ولكنْ تبدأ أيضاً العقلنة، فيصير يبدع في الأسباب التي لا تجعله ينشط في الدفاع عن القضايا العامة: فهو يمقت «اللغة الخشبيّة»، ومشغول بالإبداع «الاستراتيجيّ»، و«بدّو يعيش»، وهو يضحّي من أجل عائلته، «وجيلنا قد عمل، الدور عليكم أنتم»، إلخ. إلاّ أنّ «العَقْلَنَة» أواليّة (mechanism) معروفة في علم النفس، وهي عبارة عن عمليّة، غير واعية إلى حدّ كبير، يسعى فيها الإنسان إلى ابتكار أعذار لإخفاء الأسباب الحقيقيّة لتصرّفاته، فيخلق أسباباً وهميّة لتصرّفاته لكي تبدو هذه «عقلانيّة» وبالتالي مُبَرَّرة.
بالطبع المخاوف وأواليّات العقلنة ليست حكرا على الأكاديميّين، لكنّ الأكاديميّين، بسبب طبيعة عملهم، مسؤولون مباشرة عن حِرفة النقد والبحث عن الحقيقة والمساهمة في تقدّم المجتمعات عبر فضح الالتواءات في النظم القائمة، ولهذا فهم مسؤولون أكثر من غيرهم عندما يهربون من مسؤوليّاتهم، لكن هل يمكن الإنسان أن يهرب من وجهه؟ لا شكّ في أنّ نظرة هؤلاء إلى ذواتهم يعتريها الشعور بالذلّ والمهانة، وفقدان الاعتبار (مثلهم مثل من يستتبع ذاته لزعيم أو إداريّ)، وهذا ما يفسّر جزئيّاً انجراف البعض للتمسّك بالألقاب كشيء يعطيهم وهم اعتبار ذاتي مفقود داخلّياً.
لا بدّ أنّ هناك ثمناً للوقوف إلى جانب الحقّ. هناك ثمن للخروج عن أمان القطيع والأفكار الجاهزة والرأي السائد، والخروج عن التمحور حول المصلحة الذاتيّة، إنّه الشعور بالوحدة (النسبيّة)، بل والنبذ أحياناً. هذا ثمنٌ كبير، لكنّ الحرية صعبة، والوحدة يفرضها عليك القطيع إن أنت عارضته لتشهد للحقّ، ورغم ذلك فإنّه «أمرٌ من الواجب الإقدام عليه، وتبًّا للخسارة الشخصيّة»، كما كان يقول إدوارد سعيد[2] ؛ لأنّ المسألة ليست فقط في قضيّة الحقّ الذي يدافع عنه الإنسان، بل المسألة أيضاً تكمن في قضيّة تحقيق الإنسان لإنسانيّته، وكيف له أن يحقّق ذلك إن لم ينفتح على الآخرين ويرى الظلم الذي يعانيه غيره، ويلتزم العمل على ردع ذاك الظلم؟ نحن كبشر أمام خيارين: إمّا الضمور الإنسانيّ بالتقوقع على ذواتنا، وإمّا خيار الامتداد نحو تفتّح إنسانيّتنا باتجاه ملئها، بالتزام وحدةِ محبّةٍ إنسانيّةٍ مع الآخرين، متجسّدة بالتزام شؤون الأرض، الآن وهنا.
أن يؤجّل الإنسان مسيرة نموّه كإنسان أمر خطر، لأنّ هناك دائماً في الحياة ما يستدعي أن نصمت عن الحقّ (فنتوقّف في مسيرة إنسانيّتنا) كي «نربحه»، لكن ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟
* أستاذ جامعيّ

هوامش:
[1]David Suzuki٬ “Environmentalism and the responsibility of Academia”٬ Academic Matters٬ April-May٬ 2008٬ p. 6
[2] إدوارد سعيد، «صور المثقّف»، دار النهار للنشر، الطبعة الثالثة، 1997، ص. 55