نادراً ما يجري الحديث عن دور الطبقة العاملة المصرية في ثورة يناير 2011. وما يحدث عادة العكس، وهو طمس دور الحركة العمالية قبل الثورة وأثناءها وبعدها. معرفة الدور الحقيقي للطبقة العاملة في الثورة لا يحتاج إلى جهد كبير، فشعارات الثورة نفسها التي غلب عليها البعد الاجتماعي كان تأثرها بالحركة العمالية واضحاً. العمال والفقراء، أيضاً، هم أكثر من دفع ضريبة الدم في الثورة، ففي حصر للجنة نقابة الصحافيين لشهداء الثورة تم إحصاء 279 شهيداً كان لـ120 منهم فقط بيانات متعلقة بالمهنة، ومن هؤلاء كان 74 من العمال والباقي طلاب ومهنيين.


ورغم غياب حصر دقيق لبيانات شهداء الثورة البالغ عددهم 841، فإن البيانات المتوفرة تشير إلى أن نسبة كبيرة من الشهداء كانوا من العمال، فضلاً عن أن بيانات محل السكن تشير إلى أن أغلبهم من المناطق الفقيرة. وتؤكد بيانات مصابي الثورة، وهي الأسهل في الحصول عليها، هذه النتيجة. فبحسب بيانات «جمعية أبطال ومصابي الثورة» والتي ضمت 4500 مصاب في الثورة كان 70% من المصابين عمال بدون مؤهلات، و12% عمال بمؤهلات متوسطة، أي أن 82% من المصابين من العمال، و11% طلاب مدارس، و7% مؤهلات عليا. تطور الحركة العمالية أيضاً يوضح عمق تأثير الإضرابات العمالية في الواقع المصري عشية الثورة. ليس فقط معدل الاحتجاجات العمالية الذي شهد قفزة كبيرة في الأعوام السابقة على الثورة مباشرة، ولكن أيضاً في تطور أساليب الاحتجاجات العمالية التي وصلت لقمتها في انتفاضة مدينة المحلة العمالية في أبريل 2008، وجرى فيها تحطيم صور مبارك في الميادين، وكذلك حصار مجلس الوزراء في نهاية 2007 من قبل موظفي الضرائب العقارية، وقبل الثورة بشهور في مايو 2010 عندما قام عمال عدد من الشركات بمحاولة اقتحام البرلمان، تزايد احتجاجات العمال عشية الثورة مهد الأرض لها وتطور أساليب احتجاج العمال إلى أشكال أكثر راديكالية ألهم الثورة في 25 يناير. كما ساهم توجه العمال لبناء نقابات مستقلة عن التنظيم النقابي الموالي للحكومة في تطوير الوعي والتنظيم في المجتمع ككل. وخلال الثورة نفسها كان للإضرابات العمالية العارمة واحتلال الشركات والمؤسسات من قبل العمال دورا حاسما في إطاحة مبارك. ولكن ما جرى بعد الثورة ليس فقط تجاهل المطالب العمالية والاجتماعية التي ناضل العمال من أجلها. بل واجهت الحركة العمالية قمعاً واضطهاداً لم تواجهه قبل الثورة. فأول قانون صدر بعد الثورة من المجلس العسكري الحاكم كان قانوناً بتجريم الإضراب، وتحويل العمال المضربين لمحاكم عسكرية. كما استمرت المماطلة في المطالب العمالية الخاصة بالأجور والحق في التنظيم والتثبيت في العمل بعد الثورة. واستمر القمع والاضطهاد حتى بعد الانتخابات الرئاسية ووصل لحد الاستعانة بالكلاب البوليسية المدربة لفض احتجاجات سلمية للعمال، فضلاً عن الاعتقال والفصل. ولكن الهجوم على الحركة العمالية بعد الثورة لم يكن بلا رد. فالملاحظ أن الحركة العمالية تصاعدت أكثر بعد الثورة حتى أن عدد الاحتجاجات العمالية في عام 2012 وحده فاق مجموع الاحتجاجات العمالية طوال عشر سنوات قبل الثورة أي من عام 2000 حتى 2010 بحسب تقرير للمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والذي يرصد 3817 احتجاجاً على مدار العام. وبحسب المركز التنموي الدولي فقد فاق عدد الاحتجاجات العمالية والاجتماعية خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2013 مجموع الاحتجاجات في 2012. معنى هذا أن الوضع العمالي ملتهب بالفعل وشبه متفجر. ولم لا والأوضاع العامة للعمال آخذة في التدهور حتى بعد الثورة. فعام 2012 هو الذي شهد انخفاضاً في أجور عمال القطاع الخاص، وهو القطاع الذي يضم حوالى 17 مليون عامل من إجمالي 24 مليون عامل، من 397 إلى 395 جنيهاً أسبوعياً حسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وهو أمر استثنائي أن تنخفض الأجور النقدية للعمال لا الأجور الحقيقية فقط والتي تنخفض بفعل التضخم، وهو ما يعني أن انخفاضاً قاسياً في الأجر الحقيقي قد وقع على العمال بسبب ارتفاع الأسعار.
هذا فضلاً عن ارتفاع نسبة البطالة رسمياً إلى 13.2% من قوة العمل في الربع الأول من 2013 والواقع أن الأرقام الرسمية تقل عادة عن الأرقام الحقيقية. ترافق هذا مع تدهور واضح في ما يسمى مؤشرات جودة العمل، والتي تشتمل على الاشتراك في التأمينات الاجتماعية والحصول على عقود عمل والاشتراك في التأمين الصحي والتمتع بعمل دائم، وقد تراجعت تلك المؤشرات بشكل ملحوظ بالنسبة لقطاعات واسعة من العمال. تفسر هذه الأوضاع الحالة المتفجرة للحركة العمالية، ولكنها تشير أيضاً، وبقوة، إلى الدور المحتمل للحركة العمالية في يوم 30 يونيو الذي حدّدته حملة «تمرد» للتظاهر ضد حكم مرسي. الدور الأساسي الذي لعبته الطبقة العاملة في ثورة يناير والظروف والأوضاع التي عاشها العمال على مدار السنوات التالية على الثورة والصعود الحالي للحركة العمالية كلها أمور تدفع للسؤال عن دور العمال في 30 يونيو. ليس دور العمال كمجرد حشود تنضم للتظاهرات لتزيد عددها. ولكن تلك الإضافة النوعية التي مثلتها إضرابات العمال للثورة في الجولة السابقة.
إن انضمام أعداد كبيرة من العمال للتظاهرات في 30 يونيو سيكون له تأثير كبير بالطبع في الحشد والتعبئة. لكن دخول الحركة العمالية بآلياتها الاحتجاجية التي استخدمتها من قبل سيكون له تأثير مختلف تماماً. فإضرابات العمال تمثل انتشاراً أفقياً للثورة وجعلها تمتد لكل مكان في مصر ولا تنحصر في الميادين الكبرى وفقط. والأهم أن الحركة العمالية بوجودها يوم 30 يونيو تفرض شعاراتها ومطالبها الاجتماعية لتضفي طابعاً أكثر جذرية على الحركة ولا تكتفي بتغيرات شكلية.
إن وضع الخطط المسبقة للطبقة العاملة من خارجها أثبت فشله مرات عديدة. كذلك الدعوة إلى الإضراب العام من بعيد كما حدث في 11 فبراير 2012 أثبتت عدم جدواها. ولكن الحركة العمالية نفسها أثبتت أنها أكثر وعياً وتنظيماً مما يعتقده الجميع. فالنقابات المستقلة التي بنتها الحركة العمالية قبل الثورة وانتزعتها في ظل قانون الطوارئ أكدت أن قدرات الطبقة العاملة أكبر مما يبدو. كذلك الإضرابات التي كان يتم التنسيق بينها في مواقع متعددة ومحافظات متباعدة، وكذلك الاحتجاجات التضامنية. إن أموراً كتلك تؤكد أن الطبقة العاملة بمستوى تنظيمها ووعيها قادرة على لعب دور مركزي يوم 30 يونيو المقبل. إن الانطلاق من واقع الحركة العمالية المتفجرة بالفعل وتدعيم الآليات التنسيقية بين المواقع العمالية والموجودة بالفعل هو ما يمكن أن يدعم وجود الحركة العمالية في 30 يونيو. لقد حظيت حملة «تمرد» بتأييد واسع في الأوساط العمالية. وشهدت مواقع العمل نشاطاً ملحوظاً لجمع توقيعات سحب الثقة من الرئيس مرسي، وهو ما يعني أن المواقع العمالية مؤهلة بالفعل للاحتجاج يوم 30 يونيو.
إن الدور الذي لعبته الطبقة العاملة في الثورتين المصرية والتونسية قد حسم سريعاً مصير نظامي مبارك وبن علي. وغياب دور الطبقة العاملة أدى لأوضاع مآساوية في ليبيا واليمن وسوريا. لا يلعب وجود الطبقة العاملة في المشهد الثوري دوراً حاسماً وحسب، بل إن غيابها يعني فراغاً لا يمكن لأحد أن يملأه. وقد يعني دخول الطبقة العاملة مبكراً وبكل قوتها إلى المشهد في الثلاثين من يونيو قطع الطريق على المزيد من لصوص الثورات سواء قوى أو مؤسسات، ودفع الثورة في اتجاه استكمال أهدافها التي نادت بها الجماهير في جولتها الأولى.
* كاتب مصري