لقد شاء البعض أن يقفل المشهد العربي على محصلة سلبية خلاصتها أنّ «الربيع العربي» هو مجرد مؤامرة نسجت خيوطها أجهزة المخابرات الأميركية. لا شك في أنّ «نظرية المؤامرة» ذات صدقية وطاقة تفسيرية عندما يتعلق الأمر بما يحاوله طرفا صراع ما، كل من جهته ضد الطرف الآخر. إذ ذاك يكون التآمر، وبوسائل غير معلنة أو غير مباشرة غالباً، هو إحدى أدوات العمل الأكثر، ربما، فعالية.

النتائج التي أفضت إليها التحولات والتي صب معظمها لمصلحة القطب الاستعماري العالمي الأبرز، وهو الولايات المتحدة الأميركية، وكذلك تعقيدات الوضع السوري واستنزاف دور سوريا ووحدتها وعافيتها، هما ما رجّح، لدى كثيرين، محاكمة الأحداث من خلال نتائجها فقط لا من خلال أسبابها ومجرياتها، وبالتالي المسؤوليات والتوازنات أساساً.
وتشوش المشهد أكثر، بسبب أنّ أكثرية القائلين بنظرية المؤامرة، إنما ينتمون، عموماً (ونسبياً طبعاً)، إلى قوى الحداثة ممن كانوا في مرحلة سابقة حَمَلَت شعارات الثورة والتغيير والوحدة
والاشتراكية.
في مجرى ذلك، جرى أيضاً وأساساً، التخلي عن مقولات وآليات وأدوات للتحليل والتفسير والاستنتاج، كانت رائجة خصوصاً لدى الفريق الحداثي، من نوع: دور الجماهير، عفوية الجماهير، مبادرة الجماهير، مصالح ومطالب الجماهير...
وهذه كلها من الشعارات التي كانت تتسم بالكثير من القداسة، وإن أيضاً، بالكثير من التشوش والغموض وسوء الفهم. وكذلك اختُصر الصراع في شكل وحيد من اشكاله، وفي جانب وحيد من جوانبه، وفي جزء خاص من أجزائه. أكثر من ذلك، لقد جرى إخضاع كل الأجزاء لواحد منها في علاقة مشوّهة، تجعل، مثلاً، العداء للولايات المتحدة ولإسرائيل (ولو كان جزئياً ومحدوداً وغير كافٍ) سبباً لإقامة سلطة مستبدة أو لتبرير قيامها، مع كل ما يرافق ذلك من فردية وسوء استخدام للسلطة وفساد وتغييب للحريات العامة والفردية، وأبسط الحقوق في مجال التعبير وحرية الرأي... وصولاً إلى التمييز بين المواطنين على أساس ديني أو مذهبي أو قبلي أو مناطقي أو عرقي.
بدأ الأمر في شروط ما نتحدث عنه في الاتحاد السوفياتي، إثر سيادة المنطق الستاليني. استقر أسلوب الحكم على اعتماد أحادية سلطوية ألغت التنوع والمشاركة في المؤسسات الحزبية قبل سواها. وتفاقم الأمر في أماكن أخرى إلى اعتماد القوانين الاستثنائية وحالات الطوارئ وتحكيم الأجهزة، وضرب الصيغ المدنية للمشاركة، وصولاً إلى حكم الفرد والعائلة ومافيات المال والأمن والطفيلية.
ترك هذا الواقع الكريه، والمؤسف أساساً لما آلت إليه وعود التغيير والثورة والإصلاح والاشتراكية والديموقراطية، ضحايا بالملايين: ضحايا مباشرين وغير مباشرين. وكان لا بد لهؤلاء، ولكلّ المتضررين، من أن يتحرّكوا لتصحيح الخلل والأخطاء ولتصويب المسار.
وبالتالي لرفع الظلم ولاستعادة الحرية والحقوق، وهي حقوق من كل نوع تمّ السطو عليها باسم شعارات برّاقة، أو تمت مصادرتها بسبب الأخطاء والجهل وسوء الأساليب والأدوات.
طبعاً، مناسبة هذا الكلام، هو ما يجري في مصر. فهذا الذي يجري يجب أن يساعد في تصويب التحليل والتقدير والاستنتاج: لجهة أن الكفاح من أجل التقدم والحرية والحقوق والسيادة والثروات والكرامة والعدالة الاجتماعية والمساواة لا يُحاصر بزمن، ولا يُختصر بمرحلة، ولا يُحكم عليه وفق موازين القوى السائدة في هذا البلد أو ذاك. ثم إنّ التحرك الشعبي الكبير، غالباً ما يتسم بالعفوية ويأخذ طابع الانتفاضة التي تتركز على إزالة خطر أو نظام أو شخص دون بلورة البديل المناسب أو حتى مجرد التفكير فيه.
وبطبيعة الحال، لا يقع أي احتجاج أو أية انتفاضة، شعبين، على فراغ. هما في سياق الصراع، وجزء منه، ولو عبر صيغة مفاجئة وصاخبة وتسونامية وخاطفة وغير
ناضجة.
في الساحة قوى قديمة ناشطة وفيها توازنات. وهذه ذات قدرة متفاوتة على التدخل والتأثير والاستثمار، وبالتالي على جني الأرباح أو تحمل الخسائر.
ولم يعد اليوم بمستطاع أحد أن يتحرك بمعزل عن الصراع الكوني وعن قواه العابرة للقارات وللحدود، والمالكة لكل أنواع الوسائل السياسية والعسكرية والإعلامية والأمنية والاقتصادية المؤثرة والفعالة.
ثم إن القوى الدولية والإقليمية، أيضاً، ناشطة وحاضرة، بدرجات متفاوتة دائماً، للتعامل مع الجديد أو لاحتوائه، أو لدفع ثمنه. وهي في مجرى ذلك تختبر سياسات جديدة وعلاقات جديدة وتحالفات
جديدة.
هذا ما انطبق على الولايات المتحدة الأميركية التي تمكنت من أن تحقق مكاسب جدية رغم أنه بدا، في أول الأحداث، أنها قد تكون الخاسر الأكبر.
ذلك أنّ خصوم واشنطن في الموقعين الرسمي والشعبي، كانا الطرف الأضعف لجهة الإمكانات والحضور والتأثير والقدرة على التعامل مع المستجدات والمتغيرات، سلباً أو إيجاباً.
«الثورة المصرية الثانية» تقدّم الكثير من الدروس، ويجب أن تصحح الكثير من الأخطاء والاستنتاجات. إنّ المتضررين من حكم الرئيس حسني مبارك قد تحركوا مرة من أجل التخلص منه، وها هم اليوم يتحركون، مرة ثانية، ضد البديل الذي تفرد وتعسف وتنكر.
فمشروع «الإخوان المسلمين» لم يغيّر في السياسات السابقة المشكوّ منها، فيما هو يستخدم الدين لأغراض السلطة ولا يرى منه إلا مظاهر عفا عليها الزمن وتجاوزتها القرون، وليست هي في شيء من جوهر الدين، بوصفه ظاهرة اجتماعية وروحية. (في تونس تدور معركة مشابهة وإن كان بدرجة أقل حدة، بسبب تفاوت حجم الأخطاء بين «إخوان» مصر و«إخوان» تونس).
الأخطر من كل ذلك، هو ذلك القصور عن فهم جديد للانتفاضات العربية، فضلاً عن روحها. وجديدها هو في العامل الاجتماعي الشعبي ومحركه جيل الشباب. فالقوى الثورية التقليدية، تقف عموماً في مقاعد المتفرجين، وبعضها، في أحسن الحالات، يصفق للانتصار. فيما يواصل بعض ثالث التوجس والتشكيك، وآخر رابع من هذه القوى، انضم إلى الميادين والساحات وكان انضمامه مفيداً بدرجة جيدة.
أضعف الإيمان أن نحاول فهم ما يجري. لكن حسب حكيم فرنسي فإن فهم الآخر يستوجب الارتفاع إلى مستواه. هذا ليس سهلاً، لكنه أيضاً ليس مستحيلاً!؟
* كاتب وسياسي لبناني