في ظل تصاعد حرب التحريض السياسي، وخروجها من حدود الصراع اللفظي إلى طور الممارسة المسلحة، أخذ خطاب القوى اللبنانية، المرتبطة بحاضنات تكفيرية وسلفية وأوامر إلزامية خارجية، كتيار المستقبل، يتغلغل بعيداً، مخترقاً حتى خطاب أكثر اللاعبين اللبنانيين حذراً وتفنناً في لعبة الإيهام والإبهام. لذلك وجدنا وليد جنبلاط، ينزع وجه المعارض المدني، في لحظة تقمص مفاجئة، ويلبس قناع الظواهري، ويفتي «شرعياً» بأن قتل مؤيدي النظام السوري «حلال». ولم يكن جنبلاط وحده من ألبس القتل جبّة الفقه، فسعد الحريري يردّ على حسن نصر الله، في 14 حزيران الماضي، مستخدماً الحد المقابل من شروط الإباحة الفقهية: «الحرام». يقول الحريري: «حرام توريط لبنان وتعريض مصالحة للخطر، وحرام الإصرار على مسار مجهول نهايته الخراب». إن حصر الخلافات السياسية العدائية (المنع بالعنف والإباحة بالعنف) بين مزدوجتين فقهيتين: «حرام وحلال»، من قبل قوى أبعد ما تكون عن الحرام والحلال شرعياً، بصرف النظر عن طريقة تأويل المفردتين لغوياً، توجه دعائي سيئ الأهداف، مقحم بفظاظة على الواقع. لأنه يرمي إلى استثمار مناخ التصعيد الديني، في ظروف ارتفاع منسوب الميول الغريزية وشهوة القتل، حيث غدا القتل المُوَجّه وسيلة لاستدراج المزيد من القتل العفوي والمخطط له، لكن هذا الميل يكشف، من جانب آخر، شدة ضغط المناخ نفسه على عقول السياسيين، ومقدرة المحيط الخارجي على فرض قوانينه اللغوية الخاصة على إرادات السياسيين. من هنا نرى أن فتوى الشيخ القرضاوي، باعتباره المرجع الأعلى للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، القاضية باعتبار القتال في سوريا، ضد نظامها، يندرج تحت واجب «الجهاد» الشرعي، هي الإطار المرجعي للغة السياسة السائدة في هذه المرحلة.

قال الشيخ القرضاوي في بيان بثه في موقعه الإلكتروني، عقب المهرجان التضامني لمناصرة الشعب السوري في الدوحة، ليلة السبت الأول من حزيران 2012،: «إن الذين يؤيدون بشار سيصب الله عليهم لعناته وغضبه وسينتقم منهم، وأقسم بالله إن الشعب سينتصر على حسن نصر الشيطان وحزب الطاغوت وبشار الوحش وسيقتلهم السوريون شر قتلة». 
ودعا جميع المسلمين، في كل البلاد، إلى أن يذهبوا إلى سوريا إذا استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، ليدافعوا عن إخوانهم هناك، ومن يستطِع القتال فليذهب ليقاتل، وأقسم إنه لو كان يستطيع ذلك لفعل دون تردد.
وفي برنامج «الشريعة والحياة»، من على «قناة الجزيرة»، رأى القرضاوي أن الجهاد في سوريا «فرض عين». وفي هذا اللقاء عاد القرضاوي مجدداً إلى مصطلحات مرحلة التحالف الأيديولوجي الإسلامي التكفيري الأميركي، السابقة لسقوط الاتحاد السوفياتي، ناعتاً روسيا والصين بدولتي «الباطل والكفر»، لكنه «كفر» جديد، شيعي الهوية. لم تنحصر دعوة القرضاوي إلى محاربة الآخرين في القتل وحده، بل ذهبت بعيداً إلى حد «القتل شرّ قتلة». لذلك شاعت فور إعلان خطبته تعابير «نحر رموز الشيعة» و«نحر أولادهم». لقد جرى تصوير الناطقين بهتافات النحر، وبثها علناً، من دون خشية من مساءلة قانونية أو أخلاقية، لأنها غدت حكومياً ودينياً لغة الحرب «الشرعية»، المأخوذة من أعلى مراجعها الفقهية، لا مجرد تعابير لفظية عابرة. وفي المجال التعبيري يعدّ انتقال الفعل العقابي من القتل (الإماتة بمعناها العام)، إلى الذبح (تحديد طريقة تنفيذ فعل الموت)، ثم إلى النحر (تخصيص أسلوب الذبح)، تحولاً عظيم الخطورة في مضمون الصراع، يهدف إلى جعل الخصم أضحية دينية. هنا لا يعود القتل جزءاً من ممارسات الحرب والسلاح، بل يغدو شعيرة جماعية عباديّة، ذات دلالات طقوسية إلزامية، وأبعاد تاريخية سماوية. إن هذا الانقلاب اللغوي الكبير ليس هفوات عصبية، كما يظن كثيرون. إن اللغة، على الرغم من إمكان فصلها عن الواقع نظريا، تظل انعكاساً تاريخيا للواقع، وجزءاً من مكونات الواقع العقلي، وشكله الصوري والتواصلي. إن هذا الخطاب يذكرنا بقوة بكلمات البابا أوربان الثاني، التي لا يستطيع أحد أن يفسر دعوتها إلى الجهاد ضد «الكفار»، على أنها مجرد تعبير حماسي أو اجتهاد خطابي ولغوي أو بلاغي. إنها تعبير أمثل عن تداخل الحرب بالسياسة والدين، في حقبة ثقافية محددة. إن حصر الخلاف السياسي بين مزدوجتين دينيتين، من قبل سياسيين غير دينيين: الحلال والحرام، هو السمة المميزة لايديولوجيا مرحلة الحروب الصليبية، يعاد استخدامها، لكن في صورة صراع سني شيعي هذه المرة. وإذا كان ملوك أوروبا، الذين قادوا جيوش الحملات الصليبية، يعدون أنفسهم فرساناً أوفياء للبابا في حملته الصليبية الأولى وما تلاها من حملات، فإن السياسيين المحليين، الذين يسيرون سياسياً، خلف خطاب التحليل والتحريم الطائفي، هم أيضاً، وبالقدر نفسه، تلاميذ نجباء وأوفياء للحملة «التكفيرية» ضد الشيعة، التي يقودها القرضاوي. حينما نعود إلى شرارة الحرب الصليبية التحريضية نجد أن دعوة البابا أوربان لم تقتصر على تحديد هوية الخصوم «بالكفار» و«عبادة الشياطين»، و«البرابرة»، بل رسمت أيضاً الدوافع الإلهية، المسنودة نصيّاً، الموجبة لهذه المعركة: «من لا يحمل صليبه ويتبعني فلا يستطيع أن يكون تلميذا لي». وحينما نعود إلى خطاب القرضاوي نجد أنه استعار وعرّب وأسلم تعابير «الكفار» و«الظلم»، و«الشياطين»، ودعوة التلاميذ إلى السير وراءه إلى معركة الجهاد - تخلف البابا والقرضاوي عن المعركة، بذرائع غير مقبولة جهادياً-، ثم اختتم خطابه بقتل الأعداء «شر قتلة». إنها إعادة حرفية لمضمون خطبة أوربان الثاني. إن الحرب الدولية الراهنة تحتاج إلى محرك احتراق ديني، لكي تستطيع دفع عجلات المعارك وتمكينها من الدوران. ففي الموضوع السوري استنفدت المعارضة كل حججها الذرائعية الممكنة: التدخل لحماية الحراك السلمي أولاً، ثم التدخل لإسقاط الديكتاتورية بالقوة، ثم الحماية ضد المجازر، وصولاً إلى التدخل لوقف استخدام الغازات السامة، من دون أن تتمكن من حسم المعركة لمصلحتها. على العكس بدأت المعارضة، يوما بعد يوم، تفقد مواقعها العسكرية، وقبل ذلك تفقد مواقعها الاجتماعية، وتنحسر جغرافياً، وتتقلص سياسياً إلى فيالق تكفيرية وفصائل متشرذمة، يقودها موظفو المؤتمرات الدولية المملة. لقد فقدت المعارضة السورية شعاراتها، ثم زخمها كاملاً. لذلك رمت القوى الهجومية بآخر الأوراق الرابحة في ساحة المعركة السياسية: الورقة الطائفية، لتكون أداة الحرب على الأرض، ومرجعية الخطاب الايديولوجي في الإعلام.
وما تعابير السياسيين عن الحرام والحلال سوى تتمة ملحقة بهذه المرجعية، سواء آمنوا بهذه الايديولوجية أم لم يؤمنوا بها. بيد أن المفارقة اللغوية هنا تكمن في أمر واحد، هو أن القرضاوي، منظر المرجعية، منسجم تماماً، في مضمونه وتعبيره، مع مرجعيته، الدينية واللغوية المحددة. فهو يبني قواعده التحريمية (التعبوية والقتالية) واللغوية والسياسية على أسس ثابتة، متناغمة، ومتكاملة. بينما تقع لغة السياسيين في تناقض تام مع سلوكهم الشخصي ومع برامجهم العامة، التي أطلق عليها البابا أوربان الثاني تعبير «السلطة العلمانية». وهنا تصبح اللغة مجرد أداة للتحريض المنافق، الذي يجعل الخطاب السياسي ضرباً من المناكدات الاستفزازية «السوقية»، ولكن القاتلة والتدميرية. من دون شك فإن لغة القرضاوي مليئة بالتناقضات المستعصية، لو أنها نوقشت ضمن السياق المنطقي الإنساني العام. بيد أن تناقضات خطاب القرضاوي تنبع من مكان آخر، ليس من بنية فكر القرضاوي بذاته، فهو فكر منسجم شكلاً ومضموناً مع الجوهر السلفي الإقصائي، لكنّ سلفيته وتكفيريته ترتبطان بمشروع سياسي ينبع من خارج ايديولوجيته الاسلامية، وتغترفان من نظرية العنف بالإنابة التي يتزعمها، ومن استخدام الدين لمصالح سياسية أجنبية، غريبة عن بنية المجتمع الشرقي والإسلامي. إن القرضاوي يستخدم ايديولوجية تطابق تماماً الصورة «البربرية»، التي يقاتل الأميركيون والغربيون سياسياً ضدها، عند هجومهم على المسلمين عامة، حينما يكون الإسلام خصمهم المباشر. أي إنه يصوغ ويثبت، لأعداء المسلمين، أيديولوجية الحرب ضد الإسلام ديناً، لكن ليس سياسة ومشروعاً لأخذ السلطة واحتكارها. إن التناقض هنا يكمن في الاختلاف بين الدين عقيدةً إيمانيّة، مهما كان مغايراً أو مرفوضاً من قبل الآخرين، والدين باعتباره آلة سياسية مخصصة للفعل والتوجيه. وهو هنا لا يشبه تناقضات الحريري التسويقية، أو تناقضات جنبلاط الانقلابية النزوية، على سبيل المثال.
إن شدة الضعط التكفيري، بصيغته الطائفية، الذي ترافق مع المشروع الحربي التكفيري، يهدف إلى تحقيق الغايات ذاتها: جر الآخر إلى حرب طائفية مفتوحة ومعلنة من قبل الطرفين. وإذا كانت المعارك الأرضية لا تتيح فك التداخل المذهبي على نحو واضح، لأن الواقع ليس طائفيّاً، فإن المعركة اللغوية أكثر وضوحاً في توجيهها الطائفي، وأكثر مقدرة على بعث الإشارات الدالة، لأنها في متناول الجميع، واللعب بها لا يكلف كثيراً، كما يحسب البعض.
في جريمة البقاع، في 16 حزيران، أكبر اللبنانيون رسالة أهالي عرسال، التي استنكرت وشجبت الجريمة، وأبدت استعداد العرساليين لمساعدة الدولة على كشف القتلة والإرشاد عنهم. وهو موقف وجد ارتياحا حتى لدى ذوي القتلى، لكنّ تيار المستقبل، في صحيفته ليوم 17 حزيران، فعل كل ما في وسعه لثني العرساليين عن توجيه رسائل سلام وتطمين إلى أهل البقاع وإلى الدولة اللبنانية. وبدلاً من أن يعزي ذوي الضحايا، ويثمن موقف العرساليين، المساند للسلم الأهلي والتعقل والقانون، سعت الصحيفة إلى ثنيهم عن ذلك، وراحت تستدرجهم إلى لعبة المناكدات السوقية، وتحثهم على إلصاق الجريمة بـ«نظام بشار الأسد وأدواته»، الذين يرتكبون «محاولة جديدة لإشعال الفتنة بين عرسال وجوارها». ولم تكتف «المستقبل» بذلك، بل راحت تنبش في سجل الأحقاد، مذكـّرة العرساليين بمختطفهم، العزيز على قلوب المستقبل، «مهنّد محيي الدين، ذي الـ 16 عاماً»، لإلقاء المزيد من الوقود في نار الفتنة. على الرغم من معرفة المستقبل الأكيدة، أن «المختطف» كان بين أحضان أهله، لحظة كتابة «المستقبل» مقالها التهييجي.
هذا التقابل الفاضح بين الاستنفار السياسي والعقلانية الشعبية - الحلال والحرام - يوضح بجلاء تام، أن الجماهير مهما كانت درجة انفعالها العاطفي، لا تبادر إلى الإقدام على فتح معارك وجودية ومصيرية من تلقاء نفسها، لأنها تعرف بغريزتها وفطرتها حجم المخاطر الناجمة عن ذلك، لكن الحريق يحدث حالما تقوم إرادة سياسية ناقمة، عديمة المسؤولية، بقدح شرارة الفتنة. وما تقوم به «المستقبل» هو قدح متواصل لشرر الحريق الطائفي، لا تقوم به قوة سياسية إلا إذا كانت مستسلمة استسلاماً مطلقاً لإرادة الشر.
لقد فسر كثيرون معركة الشيخ الأسير ضد الجيش تفسيرات مختلفة. لكن أحداً لم يشر إلى جانب أساسي فيها. فهي لا تهدف إلى الصدام مع الجيش، ولا إلى استمطائه، ولا التحرش بحزب الله، أو اغلاق شققه فحسب. دون شك تلك بعض جوانب الحملة. حينما نتمعن في وقائع الأحداث التي أحاطت بالحدث نجد أنها، جميعها، تذهب وجهة واحدة. لا أحد يجهل أن الأسير لا يستطيع، بمفرده، مواجهة حزب الله عسكرياً في حال انجرار الحزب إلى معركة إرغامية. إذن لماذا يُدفع بالأسير عسكريا إلى التهلكة؟
الجواب يتعلق بأمر واحد: إيجاد الأرض الحقيقية للمعركة، والانتقال إلى الطور الأعلى من المعركة. في الحرب الأهلية اللبنانية كان الانشطار الأعظم إسلامياً مسيحياً، لكنه اليوم انشطار سني شيعي. إن مواجهة الشيعة سنياً تتطلب ايجاد قوة عسكرية، ذات صبغة جامعة، تتحرك بشرعية دولة، أو مؤسسة ذات ايحاء وطني، لا بشرعية عاطفية وشعبية، مدعومة سراً وعلناً بقوى سياسية نافذة.
فمثل هذه القوة (الأسير ومجاميع صيدا وعين الحلوة) تصلح لأن تكون فتيلاً تحريكياً، ومُشغّلاً مساعداً، لكنها لا تصلح لأن تكون أرضية مقنعة لمعركة وجودية حاسمة.

ما المطلوب إذاُ؟

تقول غيرترود بيل، مستشارة المندوب السامي البريطاني في العراق إبان الاحتلال البريطاني: «إن المتطرفين (الثوار) اتخذوا خطة من الصعب مقاومتها: وهي اتحاد الشيعة والسنة، أي وحدة المسلمين». هذه هي القاعدة الفقهية السياسية الأولى في بناء منظومة المعركة، شطر المسلمين. في 22 حزيران 2013 تذكّر الجنرال جورج كيسي، قائد القوات الأميركية في العراق، بأن مفجر مرقد الإمامين العسكريين في سامراء هو جيش القدس الإيراني. جرى التفجير في شباط 2006، وكان الفتيل المباشر لحرب التطهير الطائفي. كيف نسي قائد القوات هذا الخبر المرعب تسع سنوات كاملة؟ ولماذا تذكره الآن فقط؟ من ذكّره به؟ الجواب نجده لدى منظمي حراك الأنبار، الذين تلقفوا الخبر وجعلوا منه «دليل براءة»، وسبباً جديداً للوقوف ضد الدولة. وكانت القاعدة قد اعترفت رسمياً بالحدث، وهذا ما أكده الأميركيون بأنفسهم حينذاك. هذه هي القاعدة الفقهية السياسية الثانية للمعركة: فن صناعة العدو.
في العدد 4712 من صحيفة المستقبل - الإثنين 10 حزيران 2013 ظهر موضوع مثير للأحقاد بعنوان «وداعاً الضاحية، لا مأسوفاً عليكِ!». العبرة هنا ليس في النشر والترويج وعدم الأسف. العبرة تكمن في أن الموضوع ظل مبرزاً حتى الثامن عشر من حزيران، باعتباره الموضوع الأكثر قراءة. هذه هي القاعدة الفقهية السياسية الثالثة، التي لخصها المقال المذكور بالقرار التالي «اليوم نغادر ولن ننظر إلى الوراء»، أي حسم قرار الانتقال الحربي من السياسة والدين إلى المكان. أي بناء الدلالة الجغرافية الحسية لحرب التطهير العرقي. تأتي هذه الإشارة الجغرافية بعد صواريخ الهرمل وبعلبك وسلاح زغرتا. وإذا قرنت هذه الدعوة بشقق حزب الله، التي جعلها الأسير وتيار المستقبل سبب الهجوم على الجيش، تكون الصورة مكتملة: دفع الشيعة دفعاً إلى ارتكاب أفعال مماثلة: أي إعلان حرب التطهير العرقي من الطرفين، لأن الحروب الأهلية تشترط وجود طرفين فاعلين، لا طرف واحد.
في موقع تلفزيوني لبناني اسمه «أم تي في» ظهر «خبر سري» (!) يوم الخميس 20 حزيران، الساعة السابعة والنصف مساء، يقول حرفياً: «عائلات شيعية تخطط لاختطاف خليجيين بسبب تسفيرات اللبنانيين».
هذه هي القاعدة الفقهية الرابعة: جعل كل فرد من الطائفة الأخرى مجرماً محتملاً ومشتبهاً به، معادياً لمصالح الوطن. بهذا تكتمل الأركان الفرعية للمعركة: الدين عامة، الطائفة خاصة، المكان تحديدا، الأفراد و«عوائلهم».
بيد أن كل هذه الخطوات تظل قاصرة من دون وجود النواة العسكرية التوحيدية للمعركة، التي عرفها لبنان في حربه الأهلية وحروبه ضد إسرائيل. هذا الشرط الضروري نجده في صحيفة المستقبل، 27 نيسان، الذي ظهرت فيه الدعوة إلى «إنشاء جيش سني»، «يدافع عن سنيتنا». والجيش السني لا يعني مجموعة الأسير أو تكفيريي عين الحلوة وطرابلس. إن الجيش السني المطلوب هنا هو ما عبّر عنه نداء الأسير، الذي طالب بانشقاق العسكريين السنة عن الجيش اللبناني، وتكوين جيشهم الخاص. هنا يكمن سبب دفع الأسيرإلى الصدام «المتسرع» مع الجيش. وما انفك تيار المستقبل وحلفاؤه يراهنون على هذا الخيار، وسيبحثون عن طرق أخرى أكثر نضجا لتكرار المحاولة، لأن حزب الله في أضعف أوضاعه العسكرية، كما يؤكد المستشار العسكري لحزب القوات اللبنانية.
حينما نتأمل هذه المعركة في صيغتها اللغوية نصل إلى نتائج لا تخلو من الإثارة. إن لغة الحرام والحلال لا نجدها في تعابير مرجعية دينية مشهورة، مثل حسن نصر الله، الذي تغلب على توصيفاته التعابير السياسية، عند محاججة الآخرين، الذين لا ينتمون إلى مرجعيته أو إلى محيطه الخاص. فلا تظهر في توصيفه لأسباب الصراع تعابير دينية مسيّسة، بل تظهر تبريرات سياسية عن مصالح وتكتلات وتحالفات وصراع قوى دينية وغير دينية. وهذا يعني أن حسن نصر الله ربما ليس في عوز إلى لغة مستعارة، لكي يكسب خطابه المقدرة على التحريض، بل على العكس مال إلى التصعيد من طريق خلق روابط منطقية وعقلية لتبرير الدوافع، بصرف النظر عن قبولها أو رفضها. وهذا يعني، في المحصلة النهائية، أن حسن نصر الله، لم يزل، حتى وهو يهاجم، يقف في موقف الدفاع. وهذا يؤكد، من الزاوية المقابلة، أن الطرف الآخر يريد تجيير الهجوم الديني لمصلحته تماماً. ويريد تحويل الصراع، بأي ثمن، إلى صراع ديني محض، ثم حصره، لأسباب أكثر نفعية، في إطار طائفي محض، لكي لا تظهر صريحة وواضحة رائحته التكفيرية، المعادية للآخرين كلهم، المغايرين دينياً ومذهبياً له، في هذه الحقبة تحديداً.
إن مشروع الشرق الأوسط الجديد لا يصطدم بنظام الحكم السوري فحسب، لأنه كما تدعي المعارضة الباريسية شكل نمطيّ للحكم المعيق للديمقراطية - هناك من هو أكثر إعاقة منه؛ لأنه، في الأقل، أبدى مرونة عالية في إصلاح ملحوظ، هو هدف مرحلي مقبول للنضال، حتى لو كانت الاصلاحات متأخرة على رأي المنتقدين ـــ وإنما يصطدم بجوهر التكوين الثقافي والعرقي المتعدد للمجتمعات العراقية والسورية واللبنانية والفلسطينية والإيرانية والتركية، التي هي قلب عملية التغيير المنشود أميركياً. إن السبب الأساسي، المباشر، الذي يقف خلف هذا السلوك يكمن في أن الصراع الراهن، بثوبه المسلح، فشل في ترجمة مخططه النظري المرسوم مسبقاً على الورق، وفشل في تحويله إلى حقائق واقعية حاسمة، لأسباب عديدة معروفة. لذلك فقد مخطط إسقاط النظام السوري أسسه المنطقية، وما يرافقها من ذرائع، وفقد معه، حتى الآن، مخطط جر لبنان إلى معركة عسكرية حاسمة تحت راية الحرب الطائفية. وفي الموقعين السوري واللبناني لم تعد مشغلات الصراع الذانية الداخلية تعمل بكفاءة عالية ونافعة. أمام هذا المأزق وجب على القوى المهاجمة ابتكار طاقة جديدة لإدامة المعركة، من طريق استعارة قوة تشغيلية مجلوبة من خارج جوهر الصراع، وجعلها محركاً لعناصر الصراع الداخلية. فكلما ضعفت قدرات المعارضة قويت شعارات الحرب الطائفية. بهذا غدا تزييف الواقع مضاعفاً: مبررات مجلوبة، ولغة مستعارة، وأهداف بعيدة المدى مرسومة سلفاً، يجري تركيبها تركيباً قسرياً على الواقع. بيد أن هذا التركيب القسري: عسكرة الدين، ودفعه إلى حدوده الطائفية، ليس سوى تعبير عن أزمة الواقع العصي على التغيير، الذي وضعت القوى الإسلامية والغرب رهانها كله عليه، وأرادت له أن يكون الخاتمة المنطقية لسلسلة الانتصارات الإخوانية. إن نهج الحرب الطائفية تعبير مستعار، لأنه ليس ابن الواقع كضرورة، لكنه ابن الواقع كمادة ووسيلة فحسب (رسالة أهل عرسال في مجزرة البقاع وتحريض المستقبل، يدلان على هذا التعارض). إن ثبات النظام الإيراني، وتعاظم تأثير حزب الله، وفشل إسقاط النظام السوري، وفشل إنهاء شعار مقاومة إسرائيل، وفشل قمع الحراك السلمي البحريني واليمني، صنع تقاطباً دينياً، ذا صبغة سياسية محددة المرجعيات طائفياً ووطنياً وإقليمياً وعالمياً. لكل طرف فيه خطوط تواصله وخطوط تقاطعه وجبهة أعدائه المشتركة. إذا كان الجهاد ضد الشيوعية هو عنوان مرحلة الصراع ضد الاتحاد السوفياتي، الذي خلق تحالفه التاريخي: الأميركي التكفيري الاسلامي، فإن سقوط المنظومة الاشتراكية دفع بالصراع موقتاً، ولأسباب ضرورية قاهرة وعابرة، إلى الصدام شكلا لا مضموناً مع طفل الأنابيب المسلح، القوى التكفيرية. إن مرحلة ظهور كسر في جدار الواحدية الدولية أعادت مجدداً التحالف مع القوى التكفيرية المسلحة، ولكن في ثوب جديد، يجمع بين التكفيريين وواجهاتهم السلفية الحقيقية (الإخوان والوهابية وغيرهم) في إطار جبهة عالمية، ولكن ذات طبيعة طائفية هذه المرة. إن تحوّل الحلف الأميركي الغربي التكفيري الديني يتسم في المرحلة الراهنة بسمة مذهبية. لأن الصراع السياسي على ما تبقى من المنطقة يشير إلى أن العنصر الأبرز فيها، المحرك للتشغيل الداخلي، هو المكوّن الطائفي، المرسوم على الأرض جغرافياً، ولكن اللعب بالنار الطائفية قد يحرق الجميع. فالمنطقة الشرقية في السعودية والبحرين جزء من منطقة الخطر أيضاً. باحتلال العراق رسم الأميركان، بمعونة التكفيريين، خارطة الحرب الطائفية عراقياً أولاً، ثم إقليمياً وعالمياً. إن المعركة الآن جغرافية الحدود، دينية الشعارات، طائفية الوسائل، حربية الأدوات. ولا غرابة إذا دُفع - أو اندفع مرغماً، لا يهم هذا - حزب الله إلى الخروج من جغرافيته الوطنية، لكي يحميها، كما يعتقد، من خارجها. إن مخطط الدفاع والهجوم هنا شرط مفروض خارجياً بدقة ومهارة وبرودة دم، من قبل القوى المعادية لمصالح شعوب المنطقة، التي تقود الهجوم على الجبهة العالمية. وما مناورة حزب الله سوى تغيير موضعي، محدود، في مواضع الدفاع والهجوم ضمن الجبهة الاقليمية الواسعة. هذا الاشتغال الديني السياسي، خطوة ذكية من قبل أميركا وإسرائيل وحلفائهما الغربيين، لغرض حيازة واستثمار مكونات ومصادر طاقة واقعية للتشغيل الحربي السياسي، يهدف إلى مد المعركة بوقود فعال، ذي احتياطات كبيرة مفعلّة، مخزونة في الداخل، لكنها خطوة غبية، للقوى السياسية المحلية، غير الدينية، حتى لو عادت عليها بالنفع مؤقتا. لقد أطلق البابا أوربان الثاني، على مثل هذه القوى تسمية «مرتزقة المشاريع الصغيرة». لأنهم يلعبون في محيط ضيق، سعداء بأدوارهم وأحجامهم ومهماتهم، من دون أن يكترثوا للوجود الاجتماعي الأكبر محلياً وجغرافياً وقومياً وإقليمياً. ومن دون أن يشعروا، لضآلتهم في المخطط، أن حرباً كهذه لا تقود إلا إلى تدمير الهوية التاريخية للمنطقة كلها، من طريق تدمير النسيج الإسلامي، بإغراقه في الصراع السني الشيعي، ثم جره إلى أكثر أشكاله تطرفا لدى الفريقين، وتدمير النسيج الديني الإسلامي عامة، وتحويله إلى قوة آحادية، طاردة (تنظيف تاريخي) للوجود المسيحي ووجود التكوينات المذهبية الصغيرة، وتالياً توجيه الصراع ضد المستقبل العربي عامة، بجعل الصراع أداة للعودة بالتطور التاريخي المدني لشعوب المنطقة، من الدولة الوطنية الاصلاحية الشكلية العاجزة، إلى الدولة الدينية الأكثر فشلاً وتخلفاً، بدلاً من الإغناء التاريخي لمسار الدولة المدنية باتجاه الدولة الدستورية الفاعلة، القائمة على حق المواطنة.
إن مشروع الشيخ القرضاوي الرسالي لا يقع خارج التاريخ البتة. إنه جزء من مصائب ومصاعب التاريخ، يذكرنا بتواريخ كريهة سابقة، لأنه يعمل بإصرار من أجل صناعة تاريخ إرغامي، ميت الروح والجسد، قائم على قوانين الحلال والحرام، وعلى سياسة نحر الخصوم. إنه مشروع قطّاع الطرق التاريخي.
* ناقد وروائي عراقي