ما جرى في القاهرة يوم 3 يوليو/ تموز عندما سقط حكم الرئيس محمد مرسي يشابه ما حصل للأنظمة الشيوعية في الكتلة السوفياتية بين عامي 1989 و1991 من حيث أنه سقوط لنموذج فكري _ سياسي مربوط بتنظيم عالمي تمثّل القاهرة مركزه، تماماً كما كانت موسكو بالنسبة إلى الأحزاب الشيوعية العالمية. كان الأمر أقرب إلى عملية سقوط ذاتي بعد تجربة سنة أولى حكم، لتنظيم عمره أربعة وثمانون عاماً في المعارضة، أثارت ممارساته وسياساته غالبية في المجتمع المصري ضده لم تستطع أن تحصد حركتها الشارعية ما بدأته في 30 يونيو، كما حصل ضد مبارك بين يومي 25 يناير و11 فبراير 2011، وليأتي العسكر عبر انقلاب عسكري ويحصد ما بدأه ميدان التحرير قبل ثلاثة أيام.

هنا، يؤشر ما جرى في القاهرة في 3 يوليو إلى توقف حركة مد التيار الاسلامي، ليس مصرياً فحسب، ولكن عالمياً أيضاً ما دامت القاهرة منذ أيام حسن البنا المركز و«التنظيم – الأم» لحركة هذا التيار. هذا المدّ بدأ في القاهرة منذ أوائل سبعينيات القرن العشرين مع وفاة الرئيس عبد الناصر، الذي منع وجوده الجسدي ترجمة نتائج هزيمة حرب حزيران من حيث كونها قد أشرت إلى توقف حركة مد التيار القومي العروبي، الذي كان مركزه أيضاً القاهرة منذ 1952 تماماً كما كانت مع التيار الليبرالي بالنسبة إلى المنطقة مع سعد زغلول بعد ثورة 1919، ثم عمّ المنطقة العربية بالتدريج في النصف الثاني من السبعينيات، وفي عقدي الثمانينيات والتسعينيات، قبل أن تصل حركة مد التيار الاسلامي إلى طهران 1978-1979، وباكستان الثمانينيات وتركيا التسعينيات.
يختلف توقف مد التيار الاسلامي عن حالات توقف مد التيارات السابقة، من حيث أن الحالات السابقة كان يجري ملء فراغ توقف مدها من خلال بديل جاهز متمثل في تيار جديد لم يجرب ويفشل قبل فشل سابقه، حيث إنّ الحالة في مرحلة «ما بعد القاهرة 3 يوليو 2013» ليست مثل «القاهرة ما بعد 5 حزيران 1967» أو «القاهرة ما بعد 4 فبراير1942» عندما وجد بديل فكري - سياسي جديد لم يفشل سابقاً أو يفقد «عذريته السياسية» ليحل محل السابق الذي فشل واصطدم بالحائط: الآن الجميع متساوون في الفشل مع التيار الاسلامي، سواء القومي الذي لم يجدد ثوبه الناصري أو البعثي، أو الليبرالي الذي لم يتجاوز حتى الآن إرث التجربة الليبرالية القديمة وصولاً إلى محاولة «الليبراليون الجدد» تقديم أطروحاتهم بالترافق مع غزو العراق، عندما نظَروا وأيدوا الدبابة الأميركية المحتلة لعاصمة الرشيد، أو كان الماركسي الذي ما زال محكوماً بفشل تجربة السوفيات.
هذا المشهد غير المسبوق عربياً على مدار قرن من الزمن، منذ سقوط الدولة العثمانية عام 1918، يدل على وجود حالة فراغ فكري - سياسي على صعيد مجمل الحياة السياسية العربية. ربما، وهذا هو الأرجح، أن نشوء حالة من التوق إلى «العسكري المنقذ»، التي رأيناها في القاهرة طوال أشهر ستة قبل 3 يوليو 2013، عند تيارات ليبرالية وناصرية ويسارية في صراعها ضد حكم الإخوان المسلمين، يعبّر عن هذا الفراغ الفكري - السياسي، الذي يمكن أن تكون أفضل تجسيد له «حركة تمرد»، التي عبرت عن حركة جماهيرية واسعة ركب في قطارها الليبرالي والناصري واليساري وأنصار نظام مبارك والأقباط، لكنها لم تستطع أن تقول سوى «لا لحكم الإخوان»، ولم تملك بديلاً لهم، لينتهي بها المشهد، هي والبرادعي زعيم جبهة الانقاذ، في ذلك المشهد التلفزيوني لمّا جلست «تمرد» و«الانقاذ» إلى جانبي منصة أعلن من خلالها قائد المؤسسة العسكرية عملية إزاحة الحكم الإخواني الذي أتى عبر صندوق الاقتراع.
في تونس الآن يجري تجريب عملية تكرار للسيناريو المصري عبر «حركة تمرد تونسية» على حكم الاسلاميين، ومن الواضح عبرها أن هناك مراهنة عند ليبراليين ويساريين، كان بعضهم في سجون وزنازين بن علي، على «بونابرت» شبيه بالسيسي. هذا النزوع لـ«العسكري المنقذ» يأتي في البلدين بعدما جرى تجريب حائط صد مدني ضد الاسلاميين، في مصر عبر «جبهة الانقاذ»، وفي تونس من خلال «الجبهة الشعبية» التي ضمت منذ تأسيسها في آب2012 ضد الغنوشي تركيبة شبيهة بنظيرتها المصرية من يساريين وعروبيين وليبراليين. في الوقت نفسه هناك مراهنة الآن في تونس على دعم واشنطن بعدما بانت في «قاهرة ما بعد 3 يوليو» عملية انفكاك التحالف الأميركي- الإخواني، الذي نُسج على عجل عند إدارة أوباما في مرحلة ما بعد سقوط حكم مبارك.
من الواضح عبر مصر أن من يستطيع ملء الفراغ في ظل تساوي التيارات السياسية في الفشل هو «العسكري المنقذ»، وهو اتجاه على ما يبدو، في مرحلة ما بعد فشل الاسلاميين، نابع عند واشنطن من اعتبارات براغماتية تتجه العاصمة الأميركية من خلالها نحو اعتماد مؤسسة جربتها في فترة حكم مبارك واستندت إليها، فيما يأتي عند معارضي مبارك القدماء من العجز ومن منطلق «أخف الشرين». على الأرجح كما يبدو من السيناريو المصري لما بعد 3 يوليو2013 أن هناك اتجاهاً نحو اعتماد النموذج التركي في مرحلة ما بعد الانقلاب العسكري على حكم رئيس الوزراء الاسلامي نجم الدين أرباكان في 28 شباط 1997، لما حكم العسكر من وراء ستارة حكومة مدنية حزبية حتى فوز حزب تلميذ أرباكان، أي أردوغان، في انتخابات 3 تشرين ثاني 2002. هذا سيؤدي في القاهرة، كما في أنقرة ما بعد 28 شباط 1997، إلى اظهار العلمانيين واليساريين والليبراليين بمظهر الأقل ديمقراطية بالقياس إلى الاسلاميين، وهو ما نراه أيضاً في فترة حكم أردوغان، الشيء الذي يمكن أيضاً قياسه بفترة حكم مرسي وما بعده، لما تقلصت الحريات وازداد القمع في فترة ما بعد انقلاب 3يوليو بالقياس إلى فترة حكم الإخوان. أيضاً، هذا سيكون خطراً على الصورة المستقبلية لـ«التيارات المدنية» أمام «التيارات الاسلامية»، من حيث أن الأولى ستكون أقل ديمقراطية بالقياس للثانية، وستكون أكثر ميلاً لـ«العسكريتاريا»، ثم من المحتمل أن لا تستمر الصورة هكذا فترة طويلة، عندما يمكن أن تؤدي براغماتية الاسلاميين إلى معادلة مع العسكر، وبرعاية واشنطن، التي تخشى من مخاطر سيناريو الجزائر بعد انقلاب العسكر عام1992، وتكراره الممكن في مصر، وأن تجعل مؤيدي انقلاب 3 يوليو من «تمرد» و«الانقاذ» صفر اليدين.
بالمجمل، سواء كان هذا أو ذاك، فإن المسار كله سيؤدي إلى اضعاف وربما اجهاض مسار ديمقراطي بدأ مع «الربيع العربي»، لما أظهرت حركة الشارع العربي في بعض البلدان العربية أن هناك عاملاً جديداً في السياسة العربية، إضافةً إلى الخارج الغربي الأميركي – الأوروبي والأنظمة المستندة إلى المؤسسة العسكرية، هو «قوة المجتمع»، التي فرضت ايقاعها عام 2011 لما أجبرت واشنطن والعسكر على العوم في بحر عملية تغيير الأنظمة القائمة في تونس والقاهرة. اليوم يبدو أن المعادلة قد تبدلت، حيث تمسك واشنطن والمؤسسة العسكرية من جديد بزمام الأمور لمصلحتهما انطلاقاً من انقسام الشارع بين الاسلاميين والتيارات الأخرى نحو العودة إلى حكم عسكري من وراء ستارة مدنية برعاية واشنطن.
السؤال الكبير الآن هو: هل تكون «البونابرتية»، عندما يأتي عسكري «منقذاً» وسط استعصاء وتعادل التوازنات بين شارعين متصارعين، حالة موقتة وعابرة ريثما تجري تعبئة فراغات توقف المد الاسلامي عبر بديل فكري – سياسي جديد؟ أم لا؟
* كاتب سوري