إن الأبعاد المختلفة لسياسة المملكة العربية السعودية تجاه لبنان التي تبلورت مؤخراً في توقف الدعم العسكري للجيش وتحذير رعاياها من السفر الى لبنان وتصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية من خلال بيان مجلس التعاون واجتماع وزراء الداخلية العرب يمكن استخلاصها في نقاط عدة:
ــ أولاً، إن هذه السياسة ليست سياسة سعودية تجاه لبنان فحسب كما هو معلوم، بل إنها امتداد لسياستها تجاه ايران وبالأحرى إنها امتداد لصراع اقليمي تقوده المملكة ضد ايران على الساحة اللبنانية. من المؤكد أن هذا الاعتبار وحده لا يفسرّ كما ينبغي الدوافع الرئيسية وراء هذا الموقف السعودي المثير للجدل لكنه يبين لنا الهدف الأساسي له، وهو ضرب ايران في جميع الساحات منها الساحة السياسية اللبنانية.
ــ ثانياً، إن هذا الموقف يثبت حاجة السعودية خلال العامين الماضيين الی «الإجماع» إمّا على المستوى الخليجي وإمّا العربي أو الإسلامي لاتخاذ قراراتها السياسية بحيث يمكن القول إن صناعة الإجماع قد أصبحت عنصراً اساسياً في السياسة الخارجية السعودية بعدما أدركت هذه الأخيرة أنها لن تنجح في اتخاذ قرار مستقل وتنفيذه بشكل منفرد حتی بعد اعلان سفيرها لدی المملكة المتحدة قبل عامين أن «السعودية ستتحرك بمفردها» في اتخاذ القرارات الإقليمية. وهذا ما نشهده منذ ذلك الوقت تجاه المفاوضات النووية الإيرانية حيث سعت السعودية بعد خيبة أملها من إقناع الغرب، الى هندسة اجماع خليجي وعربي لعرقلة المفاوضات من أجل الحصول علی اهدافها الخاصة كما حاولت منح شرعية لسياساتها بتعميم أهدافها وهواجسها علی كل الوطن العربي. وكذلك الحال بالنسبة إلی تشكيل التحالف العربي والإسلامي لتبرير ما تقوم به في اليمن أو ما تنوي اجراءه في سوريا.
هذا ما نشهده ايضاً بعد الاعتداء علی السفارة السعودية في طهران ـ وهو أمر مرفوض تماماً ـ علی مستوی مجلس التعاون والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي. ورغم أن السعودية نجحت في اصدار بيانات تدين اقتحام ممثليتها السياسية إلا أنها لم تنجح في الحصول علی اجماع عربي لقطع العلاقات الدبلوماسية مع ايران حيث حذت اربع دول فقط حذوها في قطع العلاقات ورفضت الأخری الردّ بهذا الأسلوب غير العقلاني في اطار العلاقات الدولية.
والمشكلة في الأساس مع لبنان بدأت من هذه النقطة، وهي ما يمكن التعبير عنها بـ«خرق الإجماع العربي الذي بذلت السعودية جهدها للحصول عليه في ادانة الجمهورية الإسلامية»، وهذا ما أثار غضب السعودية وجعلها تنفذ سيناريوهات مثيرة للجدل علی الأرض اللبنانية. والملفت للنظر أنها استغلت آلية الإجماع أيضاً في منع الرعايا الخليجيين من السفر الی لبنان وتصنيف حزب الله اللبناني كمنظمة ارهابية وذلك علی المستوی الخليجي اولاً كالمعتاد ثم علی مستوی وزراء الداخلية العرب.

إن ما يحتاج إليه
لبنان هو مراجعة السياسة الخارجية السعودية

ــ ثالثاً، أن هذا التصنيف مع الأسف جاء في حين عدم اجماع المجتمعين حول طاولة حوار الأزمة السورية على تحديد المنظمات الإرهابية ويمكن القول من هذه الزاوية إن السعودية حصلت على الأقل على نجاح نسبي في تحديد منظمة واحدة وإدراجها ضمن القائمة الإرهابية بغالبية عربية، إن لم نسمِّها بالإجماع بالنظر إلى رفض البيان من جانب العراق ولبنان في اجتماع وزراء الداخلية، وردود الفعل السلبية التي تم اظهارها في بعض الأوساط العربية بعد هذا التصنيف. لكن المسألة الأساسية هي أن هذا الأمر سيؤثر بالتأكيد في الاجتماع المقبل حول الأزمة السورية، وسيجعل الأزمة تتفاقم نظراً الی عدم الاتفاق المبدئي للمجتمعين علی تحديد المنظمات الإرهابية ووجود حزب الله كطرف فاعل علی الأراضي السورية والإصرار المؤكد للسعودية علی موقفها والخلاف المتوقع بينها وبين بعض المشاركين ومنها ايران في هذا الموضوع.
ــ رابعاً، إن هذا الموقف السعودي لا يحول دون الحصول علی طرق الحل السلمي للأزمة السورية فحسب، بل من شأنه أن يزعزع استقرار لبنان ويؤدي الی تصعيد الخلافات والتوترات في لبنان الذي يعاني من الفراغ الرئاسي. ويمكن القول إنّ لبنان هو من سيدفع تكاليف هذا الموقف إن لم يواجهه بعقلانية. كما أن لبنان لن يقدر فصل حزب الله عن نفسه وهو حزب نشأ في لبنان وله شعبية بين جميع الشرائح اللبنانية رغم بعض الخلافات، ويشكل جزءاً من حكومته ومجلس نوابه ويلعب دوراً فاعلاً في اطار المجتمع المدني، هذا بالإضافة إلى دوره التاريخي الحاسم في تحرير لبنان كجزء من الوطن العربي عام 2000، وتحدي الجيش الإسرائيلي خلال حرب تموز 2006، من خلال مقاومة لم نر مثيلها حتی من الجيوش العربية طوال التاريخ.
ولهذا الموقف دلالات علی الأهداف السعودية تجاه المقاومة لو نعتبر حزب الله المنظمة العربية الوحيدة التي تتحدی العدو الصهيوني والعدو «الداعشي». فهذا يفسر لنا أن السياسة السعودية هذه ليست تجاه لبنان فحسب بل هي سياسة عدوانية تجاه محور المقاومة وتجاه من يؤيد دور هذا الحزب في المقاومة ـ سواءً في لبنان وخارجه ـ أمام الكيان الاسرائيلي ومنع امتداد «داعش» خارج العراق وسوريا. ويظهر ذلك أولاً اولوية السعودية في المواجهة في المنطقة بأنها ليست «داعش» أو الكيان الاسرائيلي بل إنها تنحصر في ايران ومحور المقاومة وثانياً يكشف عن معاييرها المشوشة في تعريفها عن الإرهاب بحيث تحل «الإرهاب» في نظرتها محل «المقاومة» وفي المقابل، تُدعی الحرب علی الشعوب (الشعب اليمني علی سبيل المثال) عاصفة حزمٍ للتحرير ومنح السعادة. وأما الأمر هذا لا نستغربه وقد كنا نواجه مثل هذا التعامل في التعريف الإسرائيلي عن الإرهاب تجاه الشعب الفلسطيني الذي يدافع عن نفسه وأرضه أمام كيان الاحتلال.
وأخيراً يمكن القول إن ما يحتاج اليه لبنان والشعب اللبناني في ظروف اصدار القرارات السعودية المفاجئة والمثيرة للجدل التي تجعل لبنان يحمل عبئاً مضاعفاً بالإضافة الی معاناته الداخلية، هو مراجعة السياسة الخارجية السعودية وتصرفات هذه الحكومة خلال العامين الماضيين تجاه ايران ومسار المفاوضات النووية الايرانية تحديداً وتحسين العلاقات الايرانية ـ الغربية خلال هذه الفترة ليجدوا ارتباك السعودية وتذبذبها في اتخاذ القرارات في مواجهة ما يهدد اهدافها في المنطقة ولطالما تتخذ المملكة خطواتها بعيداً عن العقلانية ستبقی المنطقة في انتظار السياسات الخاطئة السلبية كهذه.
* خبير في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا