قلما يجري أخذ رأي الناس العاديين بالشؤون السياسية العامة، فضلاً عن مطالبهم، رغم أنهم هم الذين يدفعون ثمن الصراع المسلح الجاري في سوريا على شكل قتل، أو تهجير، أو تدمير للبيوت والممتلكات. لقد أصبح أكثر من ثلثي السكان السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وهناك ما لا يقل عن نصفهم يعيش تحت خط الفقر المدقع، فضلاً عن تهديم أكثر من مليون ونصف مليون بيت، وتعطيل نحو ستين بالمئة من الطاقة الاقتصادية للبلد، وتشريد نحو ثمانية ملايين شخص عن بيوتهم في الداخل أو في الخارج، وسقوط ما لا يقل عن مئتي ألف سوري قتيل ضحية للعنف، وهناك ما لا يقل عن هذا العدد من الجرحى ومثلهم من المعتقلين في سجون النظام أو في معتقلات المجموعات المسلحة. رغم كل هذه المعطيات الكارثية الفاجعة التي يتحمل النظام، بالدرجة الأولى، المسؤولية عنها، تشاركه جزئياً قوى المعارضة السياسية والعسكرية بعض المسؤولية، فإنها مع ذلك لا تنفك تتحدث باسم الشعب السوري دون أن يفوضها أحد بذلك.

كان لافتاً، أنه منذ أن أُعلن عن الاتفاق الروسي الأميركي بشأن عقد مؤتمر «جنيف 2» كمخرج سياسي للأزمة السورية، بدأ يتغير مزاج الناس كثيراً عما كان عليه خلال السنتين الماضيتين، بحيث يمكن رصد تحولات جوهرية في مواقفهم، سواء أكانوا مؤيدين للمعارضة، أو للسلطة. في بداية الانتفاضة كان الاستقطاب حاداً جداً بين المؤيدين والمعارضين، كل منهم ينظر إلى الطرف الآخر كعدو ينبغي هزمه وسحقه. في معركة التعبير عن المواقف هذه غالباً ما كانت تسيطر في لغة الخطاب كلمات ومصطلحات اتهامية متطرفة من قبيل خائن، وعميل، ومجرم، وكافر، وغيرها من مصطلحات وصفية حادة وقطعية.
اليوم، الأغلبية الساحقة منهم، مؤيدين ومعارضين، يتطلعون إلى المسار السياسي المحتمل الذي سوف يدشنه مؤتمر «جنيف 2» في حال انعقاده. لذلك نراهم يعيدون اصطفافهم السابق بحيث يأخذ معياراً حاسماً له: من هو مع الحل السياسي ويدعمه، ومن هو ضد الحل السياسي. من هذا المنطلق لم تعد أميركا في ذات المنزلة من العداء لدى مؤيدي النظام، كما لم تعد روسيا شريك النظام في قتل السوريين، فحسب، بحسب منطوق الخطاب المعارض، بل داعمة للحل السياسي التفاوضي. بالطبع هذا الاصطفاف الجديد للسوريين لم يأخذ بعد صورته المتبلورة الناجزة، حيث لا يزال يشوبه لدى كثيرين منهم بعض التردد، تحت ضغط الجروح الغائرة التي تسبب بها العنف في سوريا من كلا الطرفين، وهذا يتضح من خلال أسئلتهم، ومن خلال الانفعالات التي ترافقها والتي يصعب التعبير عنها كتابة، لكن، بصورة عامة، يمكن اعتبارها انفعالات ايجابية تعكس الرغبة في انعقاد مؤتمر جنيف ونجاحه في إيجاد تسوية للأزمة في السورية، التي دخلت إلى كل بيت.
السؤال الذي يتقدم على ما عداه من أسئلة لدى الجميع هو: هل سوف يعقد مؤتمر جنيف حقاً؟! هنا تكاد تكون أجوبة الناس منضوية في إطار مجموعتين من الأجوبة؛ الأولى منها تجدها لدى المتفائلين بقرب حل الأزمة، بعدما وصل الخيار العسكري إلى طريق مسدود. ضمن هذه المجموعة يمكن ملاحظة طيف من الأجوبة يتفاوت بحسب الانتماء الاجتماعي للشخص وبحسب مستواه الثقافي، والثمن الذي دفعه خلال الأزمة. البعض يكاد يكون قطعياً في موقفه من انعقاد مؤتمر «جنيف 2»، وفي تفسيره لموقفه القطعي هذا يركز على غلبة الطابع الدولي للأزمة السورية اليوم على طابعها المحلي، لذلك يعتقد أصحاب هذا الرأي أن التفاهمات الروسية الأميركية لحل الأزمة جاهزة وتنتظر الإخراج المناسب، وأن الدولتين قد أعدتا تفاصيل المؤتمر، وحددتا مسبقاً ما سوف ينتج عنه، وما على الآخرين سوى التوقيع. اللافت أن هذا الموقف الحدي يسجل حضوراً أكثر لدى مناصري النظام من المتعلمين خصوصا، ولدى الجمهور الأقرب إلى نقد النظام من معارضته، لكنه يشاهَد أيضاً لدى بعض الجمهور المعارض الذي كان حتى وقت قريب لا يقبل أقل من إسقاط الرئيس ومحاكمته، في موقف غير سياسي في الغالب الأعم، وهو اليوم قد يئس من إمكانية تحقيق ذلك. إن من يقول بهذا الرأي يعتقد أن المؤتمر سوف ينجح في التوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية، لأن الدول الراعية له لن تسمح بفشله.
الرأي الأكثر انتشاراً ضمن هذه المجموعة يغلب عليه الحذر، إذ يعتقد أصحابه أن المؤتمر سوف يُعقد في نهاية المطاف، لكن بعد تذليل العقبات التي تعترضه، وهي ليست قليلة، وأن مسار جنيف طويل قد يستغرق أشهراً وربما سنوات، لأن جميع الأطراف الفاعلة على الأرض تريد تغيير موازين القوى لمصلحتها، بحيث تنعكس في نتائج المؤتمر. ينتشر هذا الرأي كثيراً في أوساط المتعلمين، الذين يمكن وصفهم بالمستقلين، يجمعهم النقد المشترك للنظام والمعارضة في الوقت ذاته.
في المجموعة الثانية تسود الآراء والمواقف القصووية الحدية، من الطرفين المعارض والموالي، فهي بالأساس لا تؤمن بالحل السياسي، وترفض جميع المبادرات السياسية، ولا تؤمن بمؤتمر جنيف، وسوف تعمل على عدم انعقاده، وإفشاله إذا عُقد. لا أتحدث هنا عن القوى المتطرفة في السلطة والمعارضة، وخصوصاً المسلحة منها، بل عن الجمهور المناصر لكل منهما. للأسف يغلب على مواقف وآراء هذه المجموعة الطابع الطائفي. هم يرون أن لا سبيل للحل في سوريا إلا بتحقيق نصر عسكري ناجز على الأرض، نظراً لتعارض كلا الخيارين السياسيين للسلطة والمعارضة. فمن منظور السلطة يرى هؤلاء أن الصراع هو مع جماعات تكفيرية إرهابية متطرفة، تريد العودة بسوريا إلى قرون للوراء من خلال إنشاء نظام سياسي إسلامي يعيد الخلافة الإسلامية. ومن جهة المعارضة ينظر هؤلاء للنظام على انه قاتل ومجرم ينبغي إسقاطه ومحاسبة جميع المسؤولين عنه بدءاً من رئيسه.
في سوريا السياسة غالباً ما تؤسس على الكراهية لا على المصالح، لذلك فهي بعيدة جداً عن الاستئناس بآراء الناس، الذين تزعم أنها تتحدث باسمهم، وهنا يكمن بعض جذور الكارثة التي تعاني بلادنا منها اليوم.

* رئيس مكتب الاعلام في «هيئة التنسيق الوطنية» السورية