يتساءل سيرج حليمي في افتتاحية «لوموند ديبلوماتيك»، عدد كانون الأول 2013، كيف نقيّم اتفاقاً أغاظ معاً، بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء في دولة المستعمرين الإسرائيليين، واللوبي الذي يدعم هؤلاء الأخيرين ويفرض آراءه على الكونغرس الأميركي، بالإضافة إلى المحافظين المتطرفين في إيران، وآل سعود؟ هل يعقل أن يكون هذا الاتفاق سيئاً؟ أقول وأجزم بأن الاتفاق المذكور حمل السيدين فرنسوا هولاند رئيس جمهورية فرنسا ولوران فابيوس وزير خارجيته على الغيظ والحنق أيضاً!

لسنا هنا بصدد البحث في تفاصيل هذا الاتفاق. المهم هو أنه أبعد شبح الحرب عن إيران، وبالتالي جنب المنطقة العربية ويلات فوق ما حل بها نتيجة للحرب الصليبية التي أعلنها جورج بوش، الرئيس الأميركي السابق، ضد محور الشر «دُمر العراق، الشرق الأوسط مضطرب، فلسطين طمرت، الجهاديون يعيثون فساداً في جزء من أفريقيا» (سيرج حليمي).
أما الذين يتناولون في الراهن، بالتحليل والتمحيص العلاقة بين إيران من جهة والولايات المتحدة الأميركية من جهة ثانية ويخضعونها لمعايير الربح والخسارة فالأحرى بهم أن يوضحوا ويبينوا أسباب الأزمة التي نشأت بين الجانبين منذ قيام الثورة التي أطاحت نظام الشاه؟
فكم من الحروب ضد إيران أشعلتْ الولايات المتحدة الأميركية بشكل أو بآخر وزجّت فيها بحلفائها في أوروبا، وأقحمت في ساحاتها أتباعها في شبه جزيرة العرب، بكامل عدتهم من أموال جمعوها بطريقة لاشرعية ونفاق يبررون به استخدام الدين من أجل دعم سلطانهم وإرضاء أسيادهم المستعمرين.
كثيرون عبروا عن ابتهاجهم بعد الاتفاق الذي تم التوصل إليه في مسألة الملف النووي الإيراني. من الطبيعي أن يبتهج هؤلاء ما دام الأمر يقلق رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي. وفي السياق نفسه، لا يخفى على أحد أن السياسة أو الدور الذي يؤديه آل سعود لا يصبّ في مصلحة الناس على المدى القريب والبعيد على السواء، وإنما يخدم مصالحهم لجهة تمديد الوكالة التي تمنحها لهم الولايات المتحدة الأميركية.
قد يسأل سائل، لماذا إيلاء كل هذه الأهمية للعلاقة المستجدة بين طهران وواشنطن؟ لا ريب في أن مداورة هذه المسألة تضعنا أمام نقاط عديدة تصلح لبناء إجابة مناسبة:
ــ لا يمكن أن يخفي أي مناهض لإسرائيل ابتهاجه بحلحلة الملف النووي الإيراني، هذا فضلاً عن ابتهاج كل من سئم من القتل والتهجير والتدمير. فاتفاق إيران مع الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي زائد ألمانيا يعني أن حرباً كبيرة لن تقع في المدى المنظور.
بل وأكثر من ذلك، أن ما هو معروف عن تاريخ الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها المستعمرين الأوروبيين في مجال اضطهاد الشعوب يحمل على القول إنّ قبول الأخيرين باتفاق مؤقت أو مرحلي مع إيران إنما يدلّ ضمنياً على اقتناعهم بأنه يصعب التكهن بعواقب الحرب، وربما أيضاً بأنه لا طاقة لهم على تحمل تبعاتها في الراهن. هذا من وجهة نظري معطى إيجابي.
ــ لماذا أعلن المستعمرون الإسرائيليون سخطهم على الاتفاق، رغم تراجع الإيرانيين عن تخصيب اليورانيوم بنسبة عالية والتزامهم بالمعاهدات الدولية في موضوع حظر السلاح النووي، الذي يمتلك المستعمرون الإسرائيليون في ترسانتهم كميات كبيرة منه. استناداً إليه، يحق لنا القول إنّ مسألة السلاح النووي كانت بمثابة الغشاوة لتغطية السبب الحقيقي.
من المرجح أنّ ما يريده المستعمرون الإسرائيليون هو عزل الإيرانيين عن بلاد الشام، أو بمعنى آخر فرض حجر صحي عليهم. أي بكلام أكثر وضوحاً وصراحة «تحريم» العلاقة بين الإيرانيين من جهة وبين سكان بلاد الشام من جهة ثانية. كأن هذه البلاد سائبة أو أنها أطماع للمستعمرين الإسرائيليين لا يقبلون أن ينافسهم فيها منافس. مجمل القول إنّ الإيرانيين يمثلون في نظر المستعمرين الإسرائيليين عائقاً دون الوصول إلى غاياتهم.
ــ بالإضافة إلى ما تقدم، لا بد من الخوض في الأسباب التي تنغص على آل سعود عيشهم، بعد ظهور تباشير تسوية للخلافات بين إيران والولايات المتحدة الأميركية. من البديهي أنّ أصل العداوة التي يشهرها آل سعود ضد إيران ليس البرنامج النووي وصناعة قنبلة ذرية.
فهم لا يزالون حانقين، بل تصاعد حنقهم منذ أن أعلن الإيرانيون أن أبحاثهم في مجال الذرة محدودة بحدود الاستخدامات السلمية، وأنه لم يكن في أي وقت من الأوقات في نيتهم صنع سلاح ذري. لماذا إذاً يتخوف آل سعود من الإيرانيين؟
هل يعقل أن يشن الأخيرون حرباً على مملكة آل سعود! وأن تغض الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها في أوروبا الطرف عن مثل هذا العدوان؟ أليس في مغامرة الرئيس العراقي بغزو الكويت عبرة لمن يعتبر؟ من المعروف في هذا السياق أنّ المستعمرين الإسرائيليين وحدهم دون سواهم، يستطيعون انتهاك القوانين الدولية.
أما الفرضيات الأخرى التي يمكن طرحها في توجيه البحث عن سر هياج آل سعود، فإن أقربها إلى المنطق فرضية ترتكز على معطى مفاده أن آل سعود يتصرفون وفقاً للإملاءات الأميركية. ينبني عليه، أن ما يصدر عن آل سعود من تصريحات وإيماءات لا يعدو ورقة بيد المفاوض الأميركي.
من البديهي في مجال آخر أن تمدد النفوذ الإيراني إلى بلاد الشام يزعج آل سعود. الغريب هنا أنهم لا يتخذون موقفاً مماثلاً من المستعمرين الإسرائيليين. عبّر عن ذلك الوليد بن طلال بقوله إنّ الإيرانيين هم أعداء آل سعود وليس الإسرائيليين. مهما يكن، تتجمع شيئاً فشيئاً الدلائل على وجود تنسيق بين آل سعود من جهة والمستعمرين الإسرائيليين من جهة ثانية، بحيث صار السؤال الآن عن القصد من وراء هذا التنسيق؟ واستطراداً، لماذا يفضل آل سعود المستعمرين الإسرائيليين على الجيران الإيرانيين؟ ولكن هل يحق لهم الاختيار؟ ما هو وزن الودائع النقدية والأسهم في الشركات الأجنبية، في القرارات التي يتخذها آل سعود؟
يبقى أن نتساءل في الختام، عن حقيقة الخلاف الأميركي ـــ الإسرائيلي في موضوع إيران. هل هو أيضاً ورقة بيد المفاوض؟ أم أن المستعمرين الإسرائيليين يطالبون بثمن مقابل سكوتهم أو موافقتهم على رفع العقوبات عن إيران؟ هل يتقرر مصير بلاد الشام على ضوء تفليسة الولايات المتحدة الأميركية وأطماع المستعمرين الإسرائيليين وخوف آل سعود؟
* كاتبة لبنانية