منذ 26 عاماً، وتركيا «تناضل» للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وتعود مكسورة الفؤاد! قبل أيام فقط، أعلن أحمد داود أوغلو، وزير الخارجية التركي، بسعادة أنّ تركيا والاتحاد الأوروبي سيطلقان «مفاوضات» هذا الشهر حول «إمكانية» السفر بدون تأشيرة إلى دول الاتحاد، وغازلهم بتذكيرهم بأنّ «الشعب التركي جزء من العائلة الأوروبية». وهي الآمال التي دهسها فيسترفيليه، وزير الخارجية الألماني، لما قال قبل أيام، «ربما يأتي يوم تكون فيه حاجة الاتحاد الأوروبي لتركيا أكبر من حاجة تركيا للاتحاد، لكن الاتحاد ليس مستعداً بعد لقبول تركيا».

فتركيا ما زالت «مش قد المقام» على ما يبدو، ولا يراها الاتحاد مكسباً رغم ما قدمته من تنازلات متراكمة في انتظار «الحب المستحيل».
فالاتحاد قوة كما أقنعونا في «غريندايزر» ونحن صغاراً ولكن... اتحاد الأقوياء والناضجين، لا المحترفين والهواة .

■ ■ ■



اليوم: تسعى بعض دول الخليج _ ولا سيما المترنحة منها تحت ضربات الخسائر المحلية والإقليمية _ لتفعيل اتحاد يثبت عروشها، والتأسيس لزواج «عرفي» يبيح لهم بعض الخطايا باسم أنتربول خليجي أو أي مسمى يتيح لهم التعاون البوليسي ضد «شقاوة» الشعوب التي أصابها «مسّ» من الشيطان، وأقنعها بأن تتمرد على ولاة الأمر...
حسناً...
بعيداً عن شهوة التمترس العسكري، تبدو تلك الخطوة أحجيةً لمن يعلمون بعمق الشرخ بين دول الخليج:
فالسعودية ليست راضية عن التجربة الديموقراطية الكويتية «الفاسدة» التي أدّت _ منذ 2006 فقط _ إلى تغيير ست حكومات وحلّ مجلس الأمة سبع مرات! وليست براضية عن «بجاحة» التراشق الإعلامي الذي يسميه الناس حرية! وتلوم ضلال الدستور وترى الحريات لعنة أجّجت التنافس بين أعمدة العائلة الحاكمة، وكلها مظاهر تمقتها الرياض وإن مرت عليها في المنام بصقت على الشمال ثلاثاً استعاذة من شرها.
بين البحرين وقطر شرخ خاص، لا تخفيه الابتسامات البلاستيكية ولا المجاملات الميكانيكية، ورغم أنهم حاولوا المضيّ قدماً في علاقاتهم بعد حسم القضية بينهما عام 2001، إلا أنّ العائلتين الحاكمتين لا تثقان ببعضهما هكذا ببساطة؛ وهذا ما في ذاك.
بين السعودية وقطر موال مختلف. فالشقيقة الكبرى لم تكن راضية عن الانقلاب الأبيض للابن على أبيه في يونيو/ حزيران عام 1995، واحتضنت الأب وبعض بنيه في جدة لسنوات، أضف إلى ذلك مشاكل الدوحة والرياض الحدودية ومحاولة قطر التمدد بدورها الإقليمي على حساب السعودية، ومحاولة الأخيرة تحجيمها وكسر شوكتها.
ورغم الهدوء القشري في العلاقات الإماراتية/ العمانية، إلا أنّ رمال منطقة البريمي تدفن صراعاً حدودياً بدأ في 1955 ولم يحسم لليوم، ناهيك عن خلاف أقل وطأة حول منطقة «دبا». ولذلك أضف الجرح الطري لشبكة التجسس التي نسبتها عمان للإمارات، والتي لبّدت الأجواء بين الجارتين بالغيوم، ما استدعى وساطة كويتية عاجلة.

■ ■ ■



وسؤال الـ 49 مليون مواطن خليجي هو:
كيف ستتحد تلك الدول المتنافرة!
وهل يمكن لخلافات عميقة كهذه أن تنحل بمنطق «صلّوا على النبي» لتذوب تلك الدويلات في كيان واحد؟
في عودة إلى التوطئة عن تركيا، نقول:
نعم نحن دويلات متجاورة، لكننا كواكب تفصل بينها سنوات ضوئية. نتفاوت في الثروة والوعي والاستقلالية والتحضر والمدنية. بعض عواصمنا تقدمت؛ وهي في غنى عمن يجرها إلى الوراء... بعضها غارق في وحل مشاكل كالرمال المتحركة تسحبها وتسحب من يحاول انتشالها.
عمان تجرأت ورفضت هذا الاتحاد فاقد الشرعية والأهلية، قطر والإمارات لن تقعا في حفرة كهذه ولو جاملتا حتى حين، وشعب الكويت لن يسمح لقيادته _ وإن شاءت _ بدمجه مع تلك المجتمعات الخديجة. وتبدو سفينة البحرين التي تكابد الغرق الوحيدة المستعدة لدخول القفص مع السعودية... وللحديث بقية.
* كاتبة بحرينية