هنا مواصلة لمقال سابق نشر في هذه الصفحة بعنوان «فرص التحالف الشيعي الخليفي» في البحرين، تحدثتُ فيه عن الأسباب التي قد تؤدي إلى تحالف بين الأغلبية الشيعية وعائلة آل حليفة الحاكمة ممثلة في ولي العهد سلمان بن حمد. في هذا المقال قراءة في خارطة التحالفات أمام ولي العهد، وموقف السعودية وإيران والغرب من ذلك.

يمكن الحديث عن مجموعتين ذواتي تأثير فعّال على مسارات الوضع الداخلي: فصيل الوضع القائم الذي يضم العائلة الحاكمة والموالين السنّة، المتحالفين مع السعوديين والغرب، وفصيل المعارضة بزعامة «الوفاق» ذات الحضور الفاعل شعبياً، والذي يصنفه البعض على جبهة إيران.
فما فرص ولي العهد في التحالف مع أي من المجموعتين، أخذاً في الاعتبار حاجته الملحة إلى ذلك بافتراض هشاشة تموضعه داخل العائلة الحاكمة، وبالنظر إلى ما يمكن اعتباره إعادة التشكل الآخذة في التبلور إقليمياً ودولياً.

خيار تناغم وليّ العهد مع الوضع القائم

في حال اختار ولي العهد التلاؤم بمرونة مع الوضع القائم، فإن ذلك قد يضمن له البقاء في الحكم، مقابل التخلي عن جزء مهم من صلاحياته بهدف تأمين ثقة فئات واسعة من المحافظين تضم (1) العسكر و(2) الخوالد (التيار النافذ في العائلة الحاكمة) و(3) الجمعيات السنية الموالية (المنبر الإسلامي والأصالة وتجمع الوحدة الوطنية)، و(4) على الأرجح يمكن أن يضم هذا التحالف قطاع مهم من التجار النافذين، الذين يشعرون بخيبة أمل من برنامج الإصلاح الاقتصادي لولي العهد في الفترة الماضية، الذي لو نجح لكان صبّ في خانة خدمة المواطنين الشيعة الأكثر تهميشاً في سوق العمل، والأقل حضوراً في المناصب العامة بسبب سياسات التمييز.
إذاً، باستثناء القطاع التجاري الذي قد يكون لولي العهد بعض الموالين فيه، والذي قد لا يسيطر عليه الملك بشكل كامل، ولرئيس الوزراء حصة مهمة فيه أيضاً، فإن العناصر الثلاثة الأخرى المذكورة ولاؤها للملك، وقد أبرزتها على السطح ورسختها ومكنتها من السلطة استراتيجية الملك، ومكنته هي بالمقابل أيضاً، وأعني المؤسسة العسكرية والأمنية، خصوصاً الجيش، وتيار الخوالد، إضافة إلى الجمعيات السياسية السنية الموالية التي بناها الخوالد بزعامة خالد بن أحمد وابن شقيقته أحمد عطية الله.
وفق هذا الخيار، يَفترِض ولي العهد أنه سيرث المُلك من أبيه، كما سيرث ولاء المؤسسة العسكرية والأمنية، وجمعيات الموالاة، وأباطرة المال... بيد أن هذا افتراض حالم، فلن تقدم هذه المؤسسات الولاء صاغرة من دون مقابل. (راجع مقال: الموالون السنّة... مشروع محتمل للمعارضة الدامية). وعليه، فإن الصفقة هي أن يقايض ولي العهد السلطة واحتكار مصادر الثروة بالولاء، أي أن يمنحهم بعضاً من السلطة ودوراً متزايداً في السيطرة على الفوائض الاقتصادية مقابل الولاء له ملكاً مقيّداً.
وبافتراض أن ذلك قد يكون مرحلة أولى حتى يتمكن ولي العهد من فرض إيقاعه، فإن الانتقال إلى المرحلة الثانية (سيطرة ولي العهد) لن تكون بالسهولة المتصورة في ظل ضعف أجنحة ولي العهد، وقد يحتاج إلى أن يخوض حروباً على كافة الجبهات، دون استثناء، كي يضمن قدراً معقولاً من السلطة، ولا يبدو أن ذلك سيكون متاحاً بالفعالية والسرعة المتوقعتين. حيث يجب أن يأخذ ولي العهد في الاعتبار الجوار الإقليمي، خصوصاً السعودية التي تسيطر على مداخيل النفط في البحرين. وتمنح النظام 150 ألف برميل يومياً من حقل أبو سعفة الحدودي، فيما ينتج حقل البحرين نحو 40 ألف برميل يومياً، أي إن ثلاثة أرباع الخزانة العامة تعتبر هدية من الرياض! ويعدّ ذلك أكبر سيف مصلت على حكام البحرين، فضلاً عمّا بات يُعرف بمشروع المارشال الخليجي وقدره مليار دولار سنوياً تقدمه أربع دول خليجية (قطر، الكويت، الإمارات، السعودية) على شكل منحة قدرها 250 مليون دولار سنوياً على مدى عشر سنوات، للنهوض بالخدمات في البحرين.
إذاً، السؤال هنا أيضاً عمّا إذا كان ولي العهد قادراً على أن يجد دعماً من قبل الإقليم في حال قرر تهميش الفاعلين الحاليين في النظام. وعلى الأقل، فإن السعودية والإمارات لن تتحمّسا لذلك... بيد أن قطر وعمان وربما الكويت قد تجد في ولي عهد قوي فرصة لاختبار فرضية أخرى (التحالف مع الشيعة) علها تكون قادرة على الانتقال بالبحرين من سياق عدم الاستقرار المؤدي إلى زعزعة أمن دول مجلس التعاون الخليجي.
أما الغرب، فأظنه ميالاً إلى حاكم قادر على فرض الاستقرار والمحافظة على مصالحه، بثوب ديمقراطي شفاف، في إطار سياسته الموسومة بازدواجية المعايير والنفعية المباشرة، ولعل الثانية يمكن أن يلعبها ولي العهد، أما الأولى فستظل محل شك.

خيار تحالف ولي العهد مع النخبة الشيعية

التحالف مع المعارضين يقتضي من ولي العهد القيام بأكثر وأعمق ممّا قام به والده في 2001، والذي لم يقم إلا بإعلان نيات الإصلاح، وهو سيناريو يصعب على ولي العهد إعادة تطبيقه.
حين تسلّم الملك حمد السلطة في مارس 1999، وجد نفسه في وضعية شبيهة بوضع ابنه سلمان الهش، فقام بإعلان ما سمي المشروع الإصلاحي، خصوصاً ميثاق العمل الوطني، كرافعة لتغيير توازن القوى داخل العائلة الحاكمة وفي المجتمع، مستنداً في ذلك إلى ولاء الجيش، والمؤسسة الأمنية التي اكتمل سيطرته عليها في 2004 بتعيين وزير الداخلية الحالي راشد بن عبدالله بدلاً من خليفة بن محمد المحسوب على جناح رئيس الوزراء (راجع، مقال: الملك يخنق رئيس الوزراء في عرينه الدستوري). التحدي الرئيسي أمام ولي العهد في أي خطوة يخطوها هو افتقاده أرضية صلبة، كالمؤسسة العسكرية (الدفاع + الحرس الوطني) أو الأمنية، التي استند إليها والده، لفرض قبضته على السلطة، هذه القبضة المغالية أدت على أي حال إلى موجة ثورية كادت تطيحه (الملك) في فبراير 2011، لأنه لم يأخذ في الاعتبار مصالح الطائفة الشيعية، نخباً ومواطنين.
إذاً، في 2001، وجد الملك حمد المعارضة مرهقة ومستنزفة وتواقة للخروج من تراكمات مأزق بدأ قبل استقلال البحرين (1971). وفي الواقع فإن فترة 1973ــ 1975 حيث دامت الحياة النيابية لم تكن إلا فاصلاً إيجابياً مؤقتاً ضمن مسار مستمر من عدم الاستقرار. لذا يمكن تصور حجم العبء والمسؤولية الملقى على عاتق معارضات دام نشاطها عقوداً من الزمن.
بمجرد إعلان الملك نياته في الإصلاح، رحّبت المعارضة ومضت في التصويت على الميثاق بالإيجاب، معتقدة أن ذلك سيؤدي إلى انتخاب برلمان كامل الصلاحيات، بيد أن ما تم هو خداع استراتيجي أخرج إلى الوجود سلطة تشريعية عاجزة عن دعم التحول الديمقراطي المنشود ومنقوصة الصلاحيات ومقيدة.
وطفا على السطح القلق السنّي من أن يمضي الملك في دعم قاعدة تحالف شيعي موازية ويدير ظهره للاعتماد الكامل على قاعدة الحكم السنية. لكن بمجرد أن شعر الملك أن المعارضين قد بلعوا الطعم، نسي وعوده. وهنا وضح بصورة جلية أسلوبين في العمل حيث سادت ذهنية «صائد الحمام» على عمل المعارضة، واعتمد الديوان الملكي تكتيكات «صائد السمك». الأولى صاخبة، لافتة للأنظار، عشوائية، قد تخطئ مرة أو تصيب مرات، بينما كان الملك مبادراً ويضع سنارته جاهزة لاصطياد كل من يقترب منها.
ومن دون شك، فإن أحد أهم أخطاء المعارضة أنها لم تتحرك أو تقاوم، في الفترة الفاصلة بين إصدار الدستور والميثاق (من فبراير 2001 ــ فبراير 2002)، باعتبارها معارضة متوجسة من سلطة اعتادت احتكار القرار وعدم احترام المواثيق والعهود، وإنما حرصت على تعزيز صورتها كمعارضة وطنية ملتزمة بتأمين الاستقرار لضمان خروج دستور تعاقدي. وقد منح ذلك التباطؤ والتردد والارتباك وغياب خطة بديلة (الخطة ب) لتفعيل الساحة السياسية فرصة استثنائية ليكون الملك اللاعب الوحيد في المشهد، فيما كان يجب على الشارع الانتظار، بطلب من المعارضة، ليتسنى اختبار صدقية الملك في فترة أطول!
حالياً، لا يمكن ولي العهد أن يكرر المسرحية ويقدم مبادرة فضفاضة، ومن دون أن يدفع ثمناً معقولاً، كي يقنع المعارضين الشيعة بالدخول معه في تحالف ضد الطاقم المحافظ في السلطة، كما فعل والده، وكما فعل هو أيضاً في مشاريع إصلاح الاقتصاد وسوق العمل.
ويزداد موقف ولي العهد تعقيداً إذا قام والده بمبادرة سياسية حمالة أوجه لكسر حالة الجمود الحالية، فإنه سيستند في ذلك بصورة أساسية على دعم المؤسسة العسكرية والأمنية، اللتين ستنتصران له عند أي منعطف. فقائداها خليفة بن أحمد (قائد الجيش) وراشد بن عبدالله (وزير الداخلية) يعدّان ذراعا الملك العنيفتين، ويعرفان نياته الحقيقية في الاستفراد بالسلطة واحتكار الثروة.
إذاً، فإن تطلع ولي العهد إلى تحالف مع النخبة الشيعية المعارضة لن يكون سهل المنال، وحتى وهم متعطشون إلى مراكز القرار، فإنهم خبروا النظام ومناوراته، ويواجهون صعوبة حقيقية في تسويق أي اتفاق أو صفقة مع النظام لا تتناسب مع التضحيات أو مع الحد الأدنى من شعارات جماهير انتفاضة ميدان اللؤلؤة، خصوصاً مع وجود رموز تحالف الجمهورية في السجون، الذين لن يكون من السهل تجاوزهم. أما فرص ولي العهد في تعزيز تحالفه مع النخبة الشيعية التقليدية والدينية (غير المعارضة) فستكون ممكنة، وتكاليفها أقل، بكثير، بيد أن ذلك لن يضمن له تحالفاً مع جبهة نافذة شعبية.

بين السعودية وإيران

يجدر أن يعي ولي العهد أن تحالفه مع الشيعة المعارضين قد يعني خسارة مواقعه الضعيفة أصلاً في أوساط السنّة، كما خسارة دعم السعودية، وبعض أطراف الإقليم. وقد يجب على إيران حينها اتخاذ موقف عملي تمنح بموجبه البحرين 150 ألف برميل يومياً، وتوفير غطاء سياسي للحكم فيها، ووضع ضغوط مباشرة على المعارضة الشيعية لدعم النظام الجديد. التغيّر المرتقب في خارطة التحالفات في المنطقة في حال مضى نحو تقارب إيراني أميركي عميق، قد يفضي إلى رفع الفيتو الغربي بشأن وجود نظام في البحرين قريب من طهران التي يفترض أن تكون شريكاً لواشنطن في إدارة شؤون الخليج، عكس ما كانت وستكون عليه الحال إذا ما استمرت الجمهورية الإسلامية محوراً للشر (راجع مقال: الجيوبوليتيك والديمقراطية في البحرين).
لقد أدى التموضع الأميركي في 2003 إلى أن يكون العراق حليفاً لطهران، بيد أن الرد السعودي كان دامياً في بغداد على مدى عقد كامل، وهو سيناريو ممكن التحقق في حال لم تُحفظ مصالح السعودية في المنامة. (انظر مقال: سقوط الأقنعة... عاماً على الوجود العسكري السعودي في البحرين).
لقد فشل التطرف السعودي في التفاهم حول بغداد، وها هو يدمر مصر وليبيا. كذلك فشل النهج السعودي في اليمن الذي تمدد فيه الإيرانيون على نحو أذهل المنطقة والعالم. الخطوة الإيرانية العاجلة لن تكون البحرين، بيد أن المنامة تبدو على سكة طهران الصاعدة، والعلاقة بين الطرفين أعمق من مجرد مصالح سياسية. وأظن أن المقال قد ضاق للحديث أكثر، وأعد القارئ بقراءة عن علاقات البحرين وإيران، بيد أني أشير إلى أن الملك حمد قد بالغ جداً في الإساءة إلى علاقته بطهران وأميركا معاً، وأظنه مضطر إلى دفع ثمن لذلك، سيكون أزيد من إزاحة وزير الخارجية الذي سيكون لزاماً عليه مغادرة موقعه بعد استخدامه تعبيرات تفتقر إلى الدبلوماسية في تعاطيه مع طهران وحزب الله وأميركا.
وسواء اختار الخليفيون التحالف مع السعودية والموالين السنّة، أو إيران والمعارضين الشيعة، فإنهم لن يكونوا حكاماً مطلقين، وعليهم أن يختاروا بين ثلاثة بدائل صعبة (1) بأن يسلموا السلطات إلى المؤسسة العسكرية والأمنية والموالين السنّة المدعومين سعودياً، بما يؤدي إلى تقهقر الحالة البحرينية وإحالتها نموذجاً فاشلاً كما هي النماذج الني ترعاها الرياض، أو (2) أن يرسي آل خليفة حلفاً مع المعارضين الشيعة لكسبهم في إطار اتفاق برعاية إقليمية ومباركة غربية بما قد يؤدي إلى تهميش الطرف السنّي، أو (3) اللجوء إلى الخيار الأصعب لكنه المستدام في إطار صيغة دستورية ديمقراطية تحقق للجميع فرصاً من التوازن والتكافؤ والعدالة والمساواة ــ في السلطة، وتضمن مصالح السعودية وإيران... وأميركا أيضاً.
* كاتب وصحافي بحريني ـــ لندن