كانت مناخات التمهيد الأميركي لغزو العراق مساعدة على بلورة تحولات نحو الليبرالية عند كثير من الماركسيين السوريين، فيما لم يكن عقد ما بعد تفكك الاتحاد السوفياتي قادراً سوى على إفراز طريق جنيني نحوها من خلال طروحات «سقوط الأيديولوجيات». ولم يكن ذلك سوى مرحلة انتقالية نحو أيديولوجية، كانت عند أغلب الماركسيين المتحولين، سواء كانوا معارضين أو من شيوعيي الموالاة للسلطة، هي الليبرالية الجديدة. ليبرالية قدمها المحافظون الجدد في إدارة بوش الابن، التي كانت تستعد لغزو المنطقة. في تلك الفترة، وبعد انتهاء مؤتمر لندن للمعارضة العراقية، الذي عقد بمشاركة المسؤول الأميركي زلماي خليل زادة، أطلق جاد الكريم الجباعي، وهو قيادي في «حزب العمال الثوري العربي»، الذي أسسه في الستينيات ياسين الحافظ، وهو حزب موجود في الجسم المعارض الأساسي، أي «التجمع الوطني الديموقراطي»، أطلق قنبلة تمهيدية في مقال بعنوان «تهافت الدفاع عن العراق» («أخبار الشرق»، لندن، في 24 كانون أول 2002). جاء فيه: «الوجه الآخر لإدانة العدوان كان منذ 1991ولا يزال تبرير الاستبداد وتأييده ومناصرته»، وذلك من دون السؤال «عن الأسباب التي دفعت نخبة من السياسيين العراقيين إلى الاستقواء بالخارج». بعد احتلال بغداد، كان هناك توازٍ بين التخلي عن الماركسية والاتجاه نحو الليبرالية، وبين تبني نظرية «الصفر الاستعماري»، التي أطلقها رياض الترك، الأمين العام الأول للحزب الشيوعي السوري ـــــ المكتب السياسي، في مقابلة مع جريدة «النهار» (في 28 أيلول 2003)، إذ إنه رأى أنّ الأميركيين نقلوا «المجتمع العراقي من الناقص إلى الصفر».

كانت الولادة الجديدة للتيار الليبرالي السوري من رحم ماركسيين متحوّلين، من الحزب الشيوعي المكتب السياسي وحزب العمال الثوري العربي، ومن حزب العمل الشيوعي ومن بعض شيوعيي الموالاة، مؤدية إلى لوحة سياسية سورية جديدة في 2004 ــــ 2005، أصبح فيها التيار الليبرالي هو الأقوى في الساحة المعارضة، بعدما اختفى الليبراليون القدامى عن الوجود منذ 8 آذار 1963. بالتوازي مع ذلك، ومع أحداث 12 آذار 2004 في القامشلي، دخلت الأحزاب الكردية إلى الصف المعارض، بعدما كانت كلها في موقع آخر أثناء فترة تحالف الطالباني والبرزاني مع دمشق ضد صدام حسين، قبل أن ينقل الزعيمان الكرديان العراقيان بيضهما في 2002ومع مؤتمر لندن المذكور إلى السلة الأميركية.
كانت حصيلة تجمع تلك القوى في 16تشرين أول 2005 ولادة أكبر تجمع سوري معارض، خلال أربعة عقود من حكم حزب البعث، وهو «إعلان دمشق»، الذي انضم إليه أيضاً «الإخوان المسلمون» وناصريو «حزب الاتحاد الاشتراكي»، والمحتفظون بماركسيتهم والباقون في «حزب العمل الشيوعي». في تلك الفترة، كان الصدام الأكبر منذ 1970 بين واشنطن ودمشق تحت عنوان «أزمة ديتليف ميليس»، وكانت فكرة تغيير السلطة في دمشق مطروحة بقوة عند جاك شيراك، وعند بوش الابن (ولو بتردد عند الأخير)، قبل أن تتجه واشنطن في 2006 نحو سياسة «تغيير السلوك عند السلطة السورية». في نص وثيقة تأسيس «إعلان دمشق»، كان هناك غياب لكلمات فلسطين واسرائيل والعراق وأميركا، وكان هناك تقزيم لانتماء سوريا العربي إلى مجرد «انتماء إلى المنظومة العربية»، بالترافق مع الحديث عن «مكونات الشعب السوري»، وهو ما كان صدى لما يجري في «عراق المكونات الثلاثة».
كانت ولادة «اعلان دمشق» مبنية على مراهنات بقرب حصول تغيير ما في السلطة بدمشق. كان هذا هو السبب في الاجتماع السريع والمفاجئ لهذا الخليط غير المتجانس. في 2006، بعدما تبيّن عدم حصول ذلك، ابتعد الإخوان عن «إعلان دمشق» واتجهوا للتحالف مع عبد الحليم خدام، فيما بدأت الصراعات فيه حول الموقف من المشروع الأميركي، لكي يكون فيصلاً بين صفين: ليبرالي وكردي في مواجهة ناصريي حزب الاتحاد الاشتراكي وماركسيي حزب العمل الشيوعي، وهو ما حسمه رياض الترك في جلسة 1 كانون أول 2007 لـ«المجلس الوطني لإعلان دمشق»، من خلال إسقاط مرشحي الحزبين المذكورين في انتخابات الأمانة العامة للإعلان، بالتعاون مع الأحزاب الكردية. أدى ذلك عملياً إلى خروج هذين الحزبين من الإعلان، وبدء توجههما نحو محاولة تشكيل الخط الثالث بين خطي السلطة و«اعلان دمشق»، وهي محاولة استمرت من كانون ثاني 2008 حتى تموز 2010، شاركت فيها أيضاً الأحزاب والمنظمات المنضوية مع حزب العمل في «تجمع اليسار الماركسي»، وشخصيات يسارية مستقلة من الماركسيين ومن اتجاهات قومية عروبية وحزبين يساريين كرديين، لكنّها فشلت، وإن ثبَّتت انشقاق المعارضة إلى جناحين: يميني ليبرالي قومي كردي، ويساري قومي عروبي كردي، كان في استقطاباته الإسلاميون أقرب إلى الاتجاه الأول، ولو ظلوا بعيدين تنظيمياً وتحالفياً عن الطرفين، قبل أن ينأوا بأنفسهم عن عبد الحليم خدام أيضاً أثناء حرب غزة، ويمدوا يدهم إلى السلطة السورية من خلال قرارهم بـ«تجميد أنشطتهم المعارضة».
استمر ذلك حتى 18 آذار 2011، لما بدأت الأحداث السورية. ففي 9 أيار قُدِّم مشروع وثيقة لتوحيد الأطراف المختلفة للمعارضة السورية. كانت هذه الوثيقة هي الأساس الذي انبنت عليه «هيئة التنسيق الوطنية»، فيما رفض «اعلان دمشق» الانضمام هو وستة أحزاب كردية.
في اليوم الذي تأسست فيه «هيئة التنسيق» بدا كأنّ استقطابات ما بعد مجلس1 كانون أول 2007 تعيد نفسها، لكن تحت عناوين جديدة: «حوار مع السلطة مشروط بتهيئة بيئة مناسبة»، كما طرحت وثيقة الهيئة، أو رفض للحوار كما طرح إعلان دمشق، وأطياف التيار الإسلامي. تطوّر هذا الاستقطاب خلال ثلاثة أشهر لاحقة لكي يشمل أيضاً موضوعي التدخل العسكري الخارجي وإسقاط النظام، إذ أعلنت الهيئة في مؤتمرها في 17 أيلول رفضها التدخل العسكري الخارجي، وهدفها في «إسقاط النظام الاستبدادي الأمني»، و«أنّ الحل السياسي لا يمكن أن يتحقق ما لم يتوقف الحل الأمني ــ العسكري، ليفتح الطريق إلى مرحلة انتقالية تجري فيها مصالحة تاريخية، وتوفر الظروف والشروط الملائمة لبناء الدولة المدنية الديموقراطية البرلمانية التعددية»، وهو ما كان واضحاً من مضمون النص أنّها مرحلة انتقالية ستجري بعد نزع البنية الأمنية للنظام، بالتشارك مع جهازه السياسي.
في الأسبوع الأول من أيلول، وفي مدينة الدوحة، فشلت محاولة ثانية لتوحيد المعارضة السورية، لما اصطدمت المحادثات بين هيئة التنسيق واعلان دمشق والتيار الإسلامي بأطيافه، بعقدة رفض الهيئة التدخل العسكري الخارجي، الذي يبدو أنّ تشكيل «المجلس الوطني السوري» في 2 تشرين أول قد كان مبنياً على سيناريو افتراضي محتمل مشابه. كان تشكيل المجلس مؤدياً إلى استقطابات عن الهيئة في «موضوع التدخل الخارجي» و«إسقاط النظام القائم بكل أركانه، بما فيه رأس النظام»، كما قالت الوثيقة التأسيسية للمجلس، قبل أن ينضم موضوع «الجيش السوري الحر» إلى قائمة الموضوعات الخلافية في أثناء مفاوضات القاهرة بين الهيئة والمجلس في الأسابيع الخمسة الأخيرة من 2011، التي قادت إلى وثيقة 30 كانون أول بينهما. وثيقة لم تعمر أكثر من أربع وعشرين ساعة، قبل أن يطلق الأقوياء في المجلس، أي الإخوان واعلان دمشق، رصاصة الرحمة على الوثيقة بسبب اعتراضهم على ما ورد فيها في المواضيع الخلافية إياها.
خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من 2011، أضيف إلى الاستقطاب الخلافي بين الهيئة والمجلس،استقطاب جديد مع تأسيس عشرة أحزاب كردية موجودة في المجلس والهيئة (ما عدا حزب الاتحاد الديموقراطي PYD، وهو امتداد سوري لحزب عبد الله أوجلان، ويتولى سكرتيره صالح مسلم، منصب نائب المنسق العام لهيئة التنسيق) لـ«المؤتمر الوطني الكردي». مؤتمر تبنى شعار «حق تقرير المصير ضمن وحدة البلاد»، الذي كان لاحقاً موضوع مساومة مع الهيئة والمجلس. وعندما رفضا هذا المطلب وتوحدا عليه، قررت الأحزاب الكردية العشرة في بداية العام تعليق عضويتها في الهيئة والمجلس.
كانت هذه الانعطافة الكردية عودة إلى وضع سابق انعزالي كانت تعيشه في مرحلة ما قبل 12 آذار 2004، مع مراهنات يبدو أنّ أربيل والسليمانية كانتا القوة الدافعة إليها. وضع يولد استقطاباً في مجلس انفرادي كردي يتعارض مع مجلسي المعارضين الآخرين، اللذين لم يتفقا على شيء سوى في الموضوع الكردي، وإن كان المجلس ولاعتبارات تتعلق بالعلاقات مع أنقرة أكثر تصلباً من الهيئة مع طروحات الأكراد. في الوقت نفسه كانت تباينات الهيئة والمجلس عودة بطريقة ما إلى انشقاق المعارضة السورية في 2007 حول «العامل الخارجي في التغيير».

* كاتب سوري