لم يعد الربيع العربي عفوياً وبريئاً، إذ ثمة مؤشر لتحول ونكوص مخيف، مرده إلى دخول قوى دولية وإقليمية، تحاول حرف مساره بما يخدم مشاريعها السياسية. البداية كانت مع تونس، التي أريد لها أن تكون المثال، وهو ما سوَقّه الإعلام الغربي وملحقاته، بعدما انتفض الشباب وبات أمر بقاء زين العابدين مكلفاً أخلاقياً، هنا تدخلت قيادة الجيش التونسي ذات العلاقة الممتازة مع البنتاغون، لتطلب من الرئيس المغادرة. بقيت قيادة الجيش واستُقبل الغنوشي كبطل تحرير، علماً بأنّ بداية تعاظم الاحتجاجات لم يكن للإسلاميين فيها من شيء، فكانت الجمعة والجامع غائبين عن الثورة، بخلاف باقي الدول التي طاولها الحراك. جاء «النهضة الإسلامي» من نافذة الديموقراطية ليتكلم على خلافة إسلامية سادسة، وعن تعدد الزوجات، التي ربما تكون بديلاً من التعددية السياسية، فيما ضاعت قوى شباب التغيير بين خمسين حزباً سياسياً. تشتت صب في مصلحة النهضة، الساعي إلى أسلمة المجتمع والدولة.

في ليبيا، ما إن قدّم ثوارها العشرات حتى طالبوا بالتدخل الأجنبي المعد سابقاً، المعادلة كالآتي: تقديم موارد ليبيا بأبخس الأثمان، مقابل الخلاص من الديكتاتور وإقامة الشريعة الإسلامية، فيما تشير الوقائع الى أنّ البلد ذاهب إلى الصوملة.
في مصر ثورة غير منجزة، يقف بوجهها مجلس عسكري، مدعوم من الأميركيين ومحصّن بمساعدات وفتاوى سعودية تحرّم الثورات، يرافقه اضطهاد أكبر للأقباط مع تعاظم القوى السلفية والإخوانية، المتمسكة بالتعديلات الدستورية التي تؤسس لإبقاء مصر كدولة إسلامية تعادي العلمنة. أما اليمن السعيد، فيمر حراكه بأتعس لحظاته، مع خوف من حرب أهلية. أما البحرين، حيث الأغلبية تتحرك بسلمية قل نظيرها، يصمت الغرب الديموقراطي أمام بقاء قوات درع الجزيرة، لقمع حركة الاحتجاج وحماية العائلة المالكة.
في سوريا، يفاجئ النظام كل خصومه ومعارضيه، بقدرة تماسكه رغم دخول الاحتجاجات شهرها الحادي عشر، فمن المطالبة بالإصلاح إلى تغيير النظام، وصولاً الى مطالبة الأسد بالرحيل، يقف النظام واثقاً ومتحدياً. يدرك الرئيس الشاب أنّ سوريا مستهدفة لدورها في المنطقة، من دون أن يقلل من حجم الأخطاء والفساد الموجود في نظامه، ولو كان الأمر محصوراً بالإصلاح والديموقراطية لأمكن تسوية الأزمة، كما يحدث في اليمن. لكن ما تريده الولايات المتحدة والعثمانيون الجدد، هو وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم، شأن باقي دول الربيع العربي، وذلك لمواجهة القوة الإيرانية المتعاظمة في المنطقة. من هنا يمكن فهم الإصرار الغربي على تنحي الأسد بأي طريقة كانت، ولا سيما بعد الخروج الأميركي الخائب من العراق. لذلك لزم تكثيف العمل الدبلوماسي والسياسي، بالتزامن مع حرب إعلامية نفسية واقتصادية لزعزعة النظام، وصولاً إلى دعم المسلحين والتلويح بالحرب الأهلية، بموازاة نزع الغطاء العربي عنه، والتي كان آخرها مطالبة وزراء الخارجية العرب الرئيس الأسد، بتفويض صلاحياته كاملةً لنائبه، في محاولة جديدة لتدويل الأزمة، بذريعة حماية المدنيين. وكأن الأسد الذي رفض طلب الأصيل سيقبل بالوكيل!
إنّ تصنيع وتجميع معارضة اسطنبول في مجلس وطني، واعتراف المجلس الإسلامي الليبي، الذي سبقه اعتراف الجماعة الإسلامية في باكستان بشرعيته، تبعه تأييد جبهة العمل الإسلامي في الأردن، إضافة إلى جبهة الإنقاذ الجزائرية والجماعة الإسلامية في لبنان وإخوان مصر وغيرهم من الحركات الإسلامية، يقف على رأسهم شيخ الديموقراطية يوسف القرضاوي، كلهم أيّدوا هذا المجلس تحديداً، دون هيئة التنسيق الوطنية، فقط لأنّ غالبيته إخوانية. تبقى حماس المحرجة بسبب احتضان النظام لها طوال عقود، متريثة بانتظار ما ستؤول إليه الأوضاع، كونها جزءاً من التنظيم العالمي للإخوان، وما تلفّظ به إسماعيل هنية في اسطنبول عن ربيع إسلامي يعطي دلالة واضحة عما تخفيه من نوايا.
قد تكون مواقف هذه الجماعات مبررة نتيجة استبداد الأنظمة، لكن ما لا يمكن تبريره هو سكوتها عما يجري في البحرين والمنطقة الشرقية في السعودية، وفي هذا مؤشر على تطييف الحراك، فالمجلس الوطني السوري لا يجرؤ على ذكر البحرين حرصاً على موقف السعودية الداعم له، وإرضاءً للسياسة الأميركية التي تعمل على تحويل العداء من إسرائيل إلى إيران. توجه أكده غليون وترجمته المملكة بسحب عضوها من بعثة المراقبين، ثم تبعها باقي دول المجلس.
وكي يكتمل مشروع الشرق الأوسط الكبير، لا بد من كسر الحلقة السورية. وهو ما يبدو عصياً، نظراً إلى تماسك النظام وصلابة الموقف الروسي ومن خلفه الصيني والإيراني. والسؤال هنا: هل ستنجح الولايات المتحدة في جرّ النظام في سوريا إلى حرب أهلية؟ حتى الآن، يبدو الأمر متعذراً، نظراً الى مرونة خطاب النظام في إدارة الأزمة، ونهجه الانفتاحي على الإصلاح والحوار من جهة، ثم قبوله للمبادرة العربية، دون تفريطه بالسيادة الوطنية، فكان أن جيّر غلوّ المواقف الغربية والعربية لمصلحته، بأن كسب مزيداً من الشارع. سياسة أربكت معها المعارضة وزادت من صعوبة توحدها، ولا سيما بعد تقرير الدابي الذي أشاد بالدور الإيجابي للحكومة، وهو ما فضح نوايا الجامعة، الساعية الى التدخل الأجنبي.
وبين غرب آفل وشرق ناهض، يراهن الأسد على تغير في بوصلة القوى العالمية، فهل سينجح في خياره هذا؟ سؤال، متروك للأشهر المقبلة أن تجيب عنه.

* كاتب سوري