عمل الشيخ راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة الإسلامية في تونس، خلال السنوات القليلة الماضية على تسويق صورة ليبرالية مدنية عن حركته، غير أن سنوات حكم الترويكا، والمواقف من القضايا المصيرية، لا سيما الموقف من الأزمة السورية، كشف لنا الوجه الحقيقي للنهضة، غير الذي يتم الترويج إليه إعلامياً من أجل كسب ودّ الغرب.


ففي الفترة الأخيرة، سُئِلَ الغنوشي في حوار له مع قناة «فرانس 24» عن المقاتلين في سورية، فقال: «إنّه لا يعتبر كلّ من يشارك في محاربة بشار الأسد إرهابياً»، بل هو يفرّق بين «من يقاتل لترسيخ الديمقراطية وبين من يقاتل لترسيخ دكتاتورية جديدة هؤلاء هم الإرهابيون». وفي تحول مثير ومفاجئ من الأزمة السورية، قال الغنوشي مؤخراً، في تصريحات إعلامية، إنه لا يملك عداوة شخصية للرئيس السوري بشار الأسد، أو كره للنظام السوري، وأنه يستدعيه لمؤتمر عربي تحتضنه تونس حول المصالحة السورية، ولطيّ وحل جميع الخلافات العربية والأنظمة المتخاصمة.
ومن خلال قراءتي لفكر الشيخ الغنوشي، ومتابعتي الطويلة لمواقفه السياسية سواء عندما كان في المعارضة أو عندما تسلم حزبه السلطة عقب أول انتخابات ديمقراطية شهدتها تونس بعد سقوط الديكتاتورية في 23 أكتوبر 2011، كان أداؤه يتّسم بالازدواجية دائماً، أي يقول الشيء ويعمل بنقيضه، وهو أمر ليس غريباً، لا سيما إذا تابعنا تصريحاته. إذ يعلن فيها أمراً ليعود ويعلن عكسه في اليوم التالي. فعند زيارته واشنطن في نهاية سنة 2011، لم يتردّد في نفي كلّ ما كان أعلنه سابقاً في منفاه اللندنيّ من تصاريح معادية للولايات المتحدة، متفادياً الردّ على الأسئلة المحرجة حول الصراع العربيّ ــ الإسرائيليّ.


يعود التغيّر في موقف الغنوشي إلى الموقف الذي أعلنه الرئيس التركي أخيراً

وعندما سألته إحدى الصحافيات الأميركيات عن موقفه حيال تبوؤ يهوديّ رئاسة الجمهورية التونسية أتى جوابه بالموافقة. الأمر الذي يتناقض تماماً مع ما كان قد أعلنه في كتابه «الحريات العامة في الدولة الإسلامية»: «يمكن غير المسلمين من يهود ومسيحيّين وغيرهم الوصول إلى مراكز المسؤولية، لكنّهم لا يستطيعون تبوؤ الوظائف العليا [مثل رئاسة الجمهورية أو الوزارة وغيرها]». من ناحية أخرى، فهو قادر في الوقت عينه على أن يقول إنّ الإسلام هو «مجموعة قيم»، فاتحاً بذلك المجال نحو اعتماد مفهوم جديد للدين الإسلامي على أنّه مرجعية أخلاقية وقيميّة من جهة، ومن جهة أخرى بأنّ الإسلام «هو نظام شامل للحياة»، أي أنّه دين ودنيا ودولة، عقيدة ونظام، عبادة وتشريع... إلخ.
إضافة إلى ذلك، فإن كلّ تصريحاته حول وضع المرأة، إن من حيث ارتداء الحجاب أو تعددّ الزوجات، مبهمة تحمل الشيء ونقيضه، ما يدلّ على أنّه وبالتالي حركة النهضة، إمّا لا رؤية واضحة لديهم لتقديم أجوبة واضحة لهذه الإشكاليّات، وإمّا أنّهم يخفون مشروعهم الحقيقي بتصريحات مبهمة لا تلبث أنْ تتغيّر عندما تحين اللحظة المناسبة.
وانطلاقاً من هذه النزعة البراغماتية الرديئة التي يتبناها طيلة مسيرته السياسية، لم أتفاجأ بهذا التبدل في مواقفه من الأزمة السورية، علماً أنه وحركة النهضة كانا وراء احتضان مؤتمر أصدقاء سوريا في مارس/ آذار 2012 لدعم المعارضة السورية، ومطالبة الأسد «بتفويض صلاحياته لنائبه...» على حد ما جاء في البيان الختامي. وفي ظل حكم «الترويكا» لم تعترض حركة النهضة ولا زعيمها على قرار الرئيس السابق المؤقت منصف المرزوقي طرد السفير السوري وقطع العلاقات الدبلوماسية مع نظام الأسد. والأكثر من هذا، إن الحركة وزعيمها لم يتخذا أي موقف معارض عندما أصدح القيادي المتشدد في حركة النهضة الحبيب اللوز بقولته الشهيرة: «لو كنت شاباً لذهبت للجهاد في سوريا»، بل نجد الغنوشي نفسه يقول في حديث صحافي إلى «الشروق» الجزائرية نشر بتاريخ 15 حزيران 2013: «والله علينا كلنا أن نقف مع الشعب السوري في محنته، خاصة وأنه يعاني من بطش وجبروت النظام...». ويضيف: «الشعب السوري عانى ما يكفي وحان وقت الوقوف الفعلي إلى جانبه».
وحين غادرت حركة النهضة الحكم في نهاية سنة 2013، تحت ضغط حركة المجتمع المدني التونسي، لم يتغير موقف الغنوشي من الأزمة السورية بمغادرة الترويكا الحكم، بل حافظ عليه حتى يوم 21 حزيران 2014، على الأقل وهو التاريخ الذي صرح فيه لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بأن «رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي هو أساس الحرب في العراق» وأنه «ديكتاتور شأنه شأن بشار الأسد»، قبل أن يدعو إلى «ضرورة ترك نوري المالكي وبشار الأسد السلطة في القريب العاجل».
وفي هذا السياق، يجمع المحللون التونسيون والعرب، من هذا التبدل في مواقف الغنوشي من الأزمة السورية، إلى التبدلات التي شهدتها مواقف الدول الإقليمية والدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية من الأزمة السورية، التي لم تعد تشترط رحيل الرئيس بشار الأسد من السلطة كشرط رئيس لحل هذه الأزمة، بل إنها أصبحت تطالب ببقاء هياكل الدولة السورية، ولا سيما المحافظة على بقاء مؤسسات الجيش العربي السوري وأجهزة المخابرات موحدة، باعتبارهما عماد الدولة السورية، لأن في حال انهيار النظام، فإن البديل سيكون وصول تنظيم «داعش» الإرهابي إلى السلطة في دمشق.
ويعود التغيّر أيضاً في موقف الغنوشي من الأزمة السورية، إلى الموقف الذي أعلنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال زيارته موسكو مؤخراً، حين قال إن «بشار الأسد يمكن أن يشكل جزءاً من مرحلة انتقالية في إطار حل للازمة السورية». وكانت ألمانيا أكبر قوة اقتصادية وسياسية في أوروبا بزعامة المستشارة أنجيلا ميركل دعت في الفترة الأخيرة إلى إشراك الرئيس الأسد في أي مفاوضات تهدف إلى إنهاء النزاع في بلاده المستمر منذ أربع سنوات.
وهكذا، نصل إلى نتيجة مفادها أن التغير في موقف الغنوشي من الأزمة السورية لم يكن نتيجة مراجعات سياسية قامت بها حركة النهضة وشملت نهجها السياسي الداخلي والخارجي خلال فترة حكم الترويكا وما بعدها، لا سيما خطيئتها الكبرى بتجشيع آلاف الجهاديين التونسيين للالتحاق بصفوف الحركات الإرهابية والتكفيرية في سورية لقتال، إذ يوجد ما يقارب 8000 من الجهاديين التونسيين مع التنظيمات الإرهابية في سنة 2015، وإنما نتيجة دخول روسيا الحرب في سورية لمحاربة الإرهاب التكفيري ميدانياً إلى جانب الجيش العربي السوري، والتبدلات التي طرأت على مواقف الدول الغربية والإقليمية من الأزمة السورية، لا سيما أميركا وتركيا، وهو ما يؤكد تبعية مواقف الغنوشي وحركة النهضة للغرب ولتركيا الدولة الإقليمية المحتضنة لتنظيم الإخوان المسلمين العالمي، وتنكّره للمواقف الوطنية والقومية للشعب التونسي الرافضة لقطع العلاقات الديبلوماسية بين تونس وسوريا، بينما كان الغنوشي بالأمس القريب جداً عدواً لدوداً لنظام الحكم في سوريا، ومعارضاً شرساً لفتح السفارة التونسية بهذا البلد الشقيق.
إن تصريح الغنوشي الأخير من الأزمة السورية، يعكس الأزمة العميقة التي تعيشها حركة النهضة، منذ أن وصلت إلى السلطة وليومنا هذا، إذ هناك فجوة كبيرة بين مواقف الغنوشي التوافقيّة، التي يتمّ الإعلان عنها بانتظام عبر وسائل الإعلام، وخصوصاً الأجنبيّة، والتي تعكس نوعاً من البراغماتية الرديئة التي لازمته في كل مسيرته السياسية، إضافة إلى نفاقه السياسي، وبين القناعات الراسخة لدى حركة النهضة، المتناقضة مع مقولة بناء الدولة المدنية، ومحاربة الإرهاب التكفيري.
لا شك أن الغنوشي لا يستطيع إطلاق كلمة إرهابي على جميع المقاتلين في سورية، وهو متأكّد بالنتيجة أنهم يمارسون الإرهاب لمجرّد ارتباطهم بالقوى الإقليمية المتحالفة مع الولايات المتحدة الأميركية، التي ساندت إدارة الرئيس بوش السابقة في احتلال العراق وإسقاط دولته الوطنية، وتحويله إلى حقل اختباري تستخدمه اللوبيات الأميركية الناشطة في مجال السلاح والبترول والدواء. وها هي القوى الإقليمية والدولية نفسها تساند الآن الحركات الإرهابية والتكفيرية، وتنظيم الإخوان المسلمين في سورية الذي ينشط في المجال العسكري وهو يرفع السلاح في سورية أيضاً عن طريق أكثر من كتيبة.
* كاتب تونسي