لتركيا تاريخ أسود مع أقلياتها، رغم ادعائها أنّها نموذج ديموقراطي للعالم الإسلامي، وتبشّر بها الإدارة الأميركية كمثال للدولة المسلمة الصديقة لاسرائيل يجب تعميمها على دول «الشتاء العربي». ففي القرن العشرين، أقدمت تركيا على ارتكاب المجازر بحق الأرمن، وقتلت المليون منهم، وبحق السريان الذين شكّلوا حضارة امتدت أكثر من ألفي سنة في ماردين وكلّيس ونصيبين وعنتاب.


شرّد الأتراك هؤلاء السريان وقتلوهم، ودفعوا مئات الألوف للهرب إلى سوريا ولبنان. ولا يكتفي المرء بقراءة الكتب التاريخية، ففي كندا عائلات سريانية كثيرة يتكلم كبار السن فيها بصدقية كونهم شهود عيان عن مصاب مناطقهم في جنوب تركيا وعلى الحدود مع سوريا.
واليوم لا تزال القضية الكردية تقض مضجع غلاة الأتراك، لأنّهم يؤلّفون 20 إلى 25 بالمئة من سكان تركيا ولا يمكن التعامل معهم كأقلية عابرة، مثلما كان الوضع مع الأرمن والسريان الذين تمّت تصفيتهم. موقف تركيا «الديموقراطية» اليوم من الأكراد وخاصة في شرق البلاد، لا يختلف عن موقف اسرائيل «الديموقراطية» من الفلسطينيين في أراضي 48 وفي الضفة وغزّة. وبرأيي أنّ إهمال حكومة أردوغان للقضية الكردية نابع من سببين:
• الأول هو التعامل المزمن للسلطة الحاكمة في أنقرة، إسلامية أو غير إسلامية، بمكابرة وتفوّق عرقي تجاه الأكراد منذ مؤتمر السلام في باريس في 1919. وهذا الموقف هو نفسه منذ أيام الكمالية العلمانية (قال أتاتورك: لا يوجد شعب كردي بل أتراك جبليون) وجنرالات الجيش في الأمس، إلى «الوسطية الاسلامية» الحالية التي تتعامل مع الحراك الكردي بالقمع العسكري كعمل إرهابي يهدّد الاستقرار.
• والسبب الثاني لإهمال القضية الكردية هو اعتبارها عامل إضعاف لهيبة تركيا التي تريد اليوم أن تقود المنطقة نحو «الاسلام المعتدل» السائر في السياسة الدولية الأميركية. وبنظر أردوغان هذا ليس وقتاً لتحرّك الأكراد، وهو على أي حال كأي زعيم تركي سبقه لا يوجد في نظره أي وقت مناسب لتحرّك الأكراد.
ومن ضمن السبب الثاني إيضاً إخماد أي صوت أو عمل يزيح البوصلة عن المشهد السوري، لأنّ كسر سوريا بنظر حكومة تركيا هو مفتاح قيادة المنطقة. وفي هذا تعمل تركيا الرسمية وفق منهاج دولي إعلامي وديبلوماسي يُسكت ويُطفئ بسرعة أي حدث أو مصيبة في أي مكان في العالم، فيتدخّل لدى حكومات عشرات الدول لتأجيل الأزمات (وعلى سبيل المثال خفض معدّل القمع والقسوة من اسرائيل تجاه الفلسطينيين مؤقتاً والسعي للوفاق بين شمال وجنوب السودان...).
ولئن استحوذ الموضوع السوري على القسم الأعظم من العمل اليومي لحكومة أنقرة، كان لا بد من ربط أي حدث في الداخل التركي وخاصة متى تعلّق بالأكراد بأنّه مرتبط بسوريا. وهذا منطق شبيه بقصص الخرافات. والحقيقة أنّ ثمّة ترابطاً عضوياً بين كيفية تعامل تركيا مع أكرادها وبين استمرارها كنموذج ديموقراطي في دولة اسلامية ذات اقتصاد ناهض. الصاعق الكردي يهدّد مستقبل تركيا، أما العامل السوري فيمكن ضبطه بعدم التدخّل في شؤون سوريا.
مناطق تركيا التي تجاور سوريا ربحت كثيراًً من انفتاح أنقرة على دمشق. ولكن هذه المناطق اليوم أصابها الشلل الاقتصادي وأصبحت بؤرة ومستنقعاً لتجمّع المقاتلين من أنحاء العالم، بما فيها جماعات متطرفة كالقاعدة وغيرها. ويستغّلها ناشطون متطرفون إسلاميون أتراك حيث عبر أكثر من مائة ألف عنصر مسلّح إلى الداخل السوري. كما أصبحت مناطق الحدود مواقع للاجئين السوريين.
أمّا الموضوع الكردي فهو حقيقة قائمة منذ أكثر من مائة عام في تركيا كما هو في الدول التي ينتشر فيها الأكراد في المنطقة. ولا يمكن لحكومة تركيا إهمال العوامل الداخلية القومية والطائفية داخل أراضيها أو أن تتصرّف اليوم وكأنّ الجمهورية التركية هي بلاد أحادية المذهب وأحادية القومية.
حتى اليوم وتحت غشاء مزيّف من الديموقراطية لا يزال القمع سيّد الموقف في تركيا، فتحصل اجتياحات للجيش التركي في مناطق الأكراد وتفجّر المنازل ويُقتل المئات ويجري غزو لمناطق حدودية في العراق وسوريا. فتمرّ هذه الأخبار كأحداث عابرة لأنّ الإعلام الدولي ليس أخلاقياً بل يتبنّى القضايا التي تخدم الهيمنة النيوليبرالية.
في اسطنبول يُعتقل الصحافيون والكتّاب المعارضون أكان موضوع مقالتهم عن الأكراد أم عن الأرمن. ولا ننسى أنّ أورهان باموك الفائز بجائزة نوبل للآداب قد فرّ من تركيا بعد مقالة له عن مجازر الأرمن. وهناك ناشر طبع كتاباً مترجماً سُجن لعامين لأنّ الكتاب اشار إلى مجازر بحق الأكراد في التسعينيات والتي دعمتها إدارة بيل كلنتون. وأي تركي ــ سواء أكان كرديّاً أم لا ــ يعرف حقيقة ما يحصل في مناطق الأكراد وينصحك بمشاهدة أفلام المخرج الكردي يلمز غوني المنفي في أوروبا والتي تصوّر بؤس الحياة اليومية شرق تركيا كما يعيش أهل الضفة الغربية وغزّة في فلسطين.
على من يدّعي دعم القضية الفلسطينية أن لا يكون الحليف الأول لإسرائيل في المنطقة. وعلى من يدّعي أنّه يدعم ما يسمّى «الربيع العربي» أن يكون منصفاً داخل أراضيه تجاه القضية الكردية العادلة. فالشعب الكردي صاحب حق وحرية تقرير مصير وله حضارة ولغة وثقافة تجعله من الأمم الراقية في الأرض.
* استاذ جامعي لبناني ــ كندا