لطالما كانت الإمبراطوريات، ولاحقاً الدول، تسقط نتيجة الحروب والغزوات، ولا يزال التاريخ يذكر أولئك البرابرة الذين أسقطوا أعتى الإمبراطوريات بما أوتوا من بأس وشدّة في الحرب، وإن افتقدوا غالباً عنصر التفوق الثقافي على المهزومين. ما يشهده عصرنا الحالي يقلب المشهد بالكامل، إذ يبدو أنّ سقوط إمبراطوريات القرن الواحد والعشرين والدول ذات القبضة الحديدة، يحصل بتدخل من جهات مختلفة جداً، نجحت في تحطيم الأسوار المنيعة ومباغتة الأنظمة في غرف نومها. لقد أضحى من الجلي أنّ شبكات التواصل الإلكتروني والإعلام ـــــ الذي بلغ درجة من الحضور يجعل من كل فرد شريكاً مساهماً في نقل الصورة والصوت والنشر ـــــ أصبح لها الدور السياسي والثوري الذي يؤهّلها لتكون، من هذه الزاوية، «البرابرة الجدد». إلا أنّ الفارق المبهر هو أنّ كثيراً من الشرائح التي تستفيد من هذه «البربرية الجديدة» تفتقد القوة بالمعنى المادي والعسكري، بينما تتميز بإرث إنساني ومخزون ثقافي وازن، تتفوق به على أعدائها، على عكس برابرة العصور القديمة.

وبناءً عليه، فإنّ عصر المعلومات يستدعي فهماً أكثر تعقيداً للقوة في السياسات الدولية. في كتابه الشهير «الأرض مسطّحة»، كتب توماس فريدمان عن أثر التحولات في عالم الإنترنت في جعل العالم بمثابة ملعب كرة قدم، حيث يمكن الجميع المنافسة. يهدد ذلك النفوذ الأميركي، ولا سيما من الصين، بعدما لاحظ فريدمان تنامي الهوة التعليمية والتكنولوجية بين الدولتين. هوة ستضع الصين، خلال السنوات القادمة، في موقع متقدم على الولايات المتحدة. واستخلص الصحافي في «نيويورك تايمز» ضرورة حصول تغيّرات جوهرية في السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة، للمحافظة على تفوقها في ساحة كهذه. بينما الإشارة الأكثر دلالة هي لجوزيف ناي، في كتابه «مستقبل القوة»، إذ يشير إلى وجود نوعين من تحوّلات القوة يحصلان في العصر الحالي هما انتقال القوة وانتشار القوة.
إلا أنّه وإن كان التحوّل الأول، أي انتقال القوة من قوة مسيطرة الى قوة صاعدة، حدثاً تقليدياً في السياسة الدولية، فإنّ انتشار القوة يُعدّ نمطاً جديداً لا تزال نتائجه في طور التكوّن. إنّ المشكلة الرئيسية التي تواجهها الحكومات المعاصرة في «عصر المعلومات العالمية» هو خروج مزيد من المجالات من نطاق سيطرة الدولة الى حيّز له مفاهيمه الخاصة للسلطة والشرعية والحرية، أيّ الإنترنت. وبناءً عليه، تصبح مسألة انتشار القوة القضية الأكثر إشكالية في هذا العصر، لا مسألة انتقال القوة.
ورغم انحسار النقاش بشأن مكانة الدولة، بعدما جرى التشكيك لفترة امتدت منذ السبعينات في دور الدولة، بل حتى في وجودها في ظل صعود الوحدات الاقتصادية الكبرى (الشركات المتعددة الجنسيات) ومتغيرات زمن العولمة، خلصت جملة تطورات، ولا سيما الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة، إلى أنّ الدولة ستبقى اللاعب الأساسي في الساحة الدولية، لكنّ الدولة تعاني كون هذه الساحة أصبحت أكثر اكتظاظاً، مع ظهور جملة لاعبين مؤثرين، وأكثر انفلاتاً، مما ينتج صعوبة في التحكّم فيها. لطالما سعت الحكومات الى السيطرة على المعلومات على قاعدة «من يملك المعلومة يملك كل شيء»، أما الجديد الذي يشهده الواقع الحالي، فهو تمكّن نسب متزايدة من سكان العالم الثالث (والعربي بالتحديد) من الحصول المتزايد على المعلومة، بل وإنتاجها وتداولها واستغلالها في الصراع السياسي، وذلك بسرعة فائقة، وعلى صعد متنوعة. إنّ فهم هذه التحوّلات يمكن أن يمثّل جزءاً أساسياً لإدراك نمط وسرعة الأحداث الحاصلة في المنطقة العربية. وبالتالي، فإنّه من النتائج المرتبطة بهذا التحوّل أنّ قوة أيّ فاعل سياسي لا تقاس فقط بملاحظة قدراته المادية. بل إنّ اللاعب الأقوى في هذا العالم، القائم على المعلومات، هو من يستطيع أن يقدم «القصة الأفضل»، أي أن ينجح في تقديم الصورة الأفضل والنموذج الملهم والجاذب، وهذا هو جوهر مفهوم القوة الناعمة.
من اللافت في المواجهات السياسية الأخيرة، على المستوى الدولي، أنّها تحدث بين أنظمة سلطوية ولاعبي عصر المعلومات، أو «البرابرة الجدد»، كما يحلو لناي تسميتهم، الذين يمثّلون، باعتقاده، التحدّي الأخطر لدور الولايات المتحدة، حتى مقارنةً بالصين وأخواتها الصاعدات. فالولايات المتحدة وحلفائها تحت تهديد ويكيليكس، ووقوف النظام التونسي المخلوع بوجه فايسبوك، فيما كان النظام المصري المخلوع والليبي المترنح بوجه الفضائيات وفايسبوك أيضاً. أما إسرائيل، فوقعت تحت وطأة الصورة في مجزرة أسطول الحرية، في زمن الهواتف المزوّدة بكاميرات، التي يمكن أن تضمن ألا يمر حدث أو هتاف أو تجمّع أو قتل أو تعذيب أو إهانة، إلّا توثقها وتنشرها، ليشاهدها الملايين وتتحول الى فعل ذي قوة سياسية. من التطبيقات الأساسية للاستجابة لهذه التحولات في القوة، ضرورة أن يدمج اللاعبون السياسيون بين القوة الصلبة والناعمة في إطار من «القوة الذكية». أما الأهم، فهو أنّ الاستبداد التقليدي الدولتي لا مكان له بعد في عصر بهذه المزايا، مما سيضع الأنظمة الاستبدادية أمام تحدٍّ وجودي: فإما أن تسقط وإما أن تنازع للبقاء وتسعى إلى التكيف عبر إصلاحات تدريجية، وإما التعنت والجنون. وسيكون طريقها الأقصر لذلك إحياء عصبيات الدين والقومية والعرق، وهو ما يرجح أن ينتج رواج ظاهرة التفتيت والانفصال، في تلك الدول.

* باحث لبناني