تلقيت بمشاعر مختلطة، نبأ قبول قادة دول مجلس التعاون الخليجي طلب الأردن الانضمام إلى عضويته. فمن جهة أولى، هناك الإحساس بالدهشة و«وقع المفاجأة»، نظراً لسرعة اتخاذ القرار، رغم أنّ حديثاً بهذا الصدد يدور منذ أشهر عدّة في أوساطنا السياسية والإعلامية. ومن جهة ثانية، هناك شعور بالارتياح، نابع من الأمل أن تسهم خطوة كهذه في «حلحلة» بعض استعصاءات ضائقتنا الاقتصادية والمالية، ولا يمكن عاقلاً أو مسؤولاً في أي موقع، أن يقلّل من شأن أمر كهذا. وهناك من جهة ثالثة، القلق على مصائر عملية الإصلاح السياسي والتحوّل الديموقراطي، وهي العملية التي تسير بسرعة سلحفائية في بلادنا أصلاً. وهناك رابعاً وأخيراً، التحسب للمجهول وما تخبئه قادمات الأيام، عن موقع هذا الإطار الموسع ودوره من ناحية، وعن موقعنا ودورنا فيه، من ناحية ثانية.

مصدر الدهشة وعنصر المفاجأة يكمنان في «دلالة التوقيت»، توقيت القرار الخليجي. فالأردن يرسل، منذ سنوات طوال، الإشارات المتعاقبة عن رغبته في الانضمام لنادي الدول الثرية، من دون نتيجة.
لم تكن المجموعة الخليجية متحمسة لعضوية الأردن لأسباب شتى، منها ما يتصل بالخلافات السياسية مع بعض الدول والأسر الحاكمة، ومنها ما يعود إلى «العزوف» الخليجي التقليدي عن الاحتفاظ بخط تماس مباشر مع إسرائيل والقضية الفلسطينية. فالأردن الذي كان مطلوباً ومرغوباً، نُظر إليه على الدوام، بما هو دولة فاصلة «Buffer State» بين إسرائيل والنفط، فما الذي تغير لكي يتحوّل العزوف إلى إقبال متحمس؟
في ظني، أنّ دول الخليج تستشعر جملة من الأخطار والتهديدات في البيئة الجيواستراتيجية المتغيرة. فهناك التأزم المتصاعد مع محور إيران وحلفائها، وهناك رياح الثورة والتغيير التي قرعت أبواب بعض دولها. كذلك هناك تهديدات الإرهاب التي لم تنقطع منذ أفول نجم الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، ومع وصول أولى قوافل «العائدين من كابول» إلى بلدانهم الأصلية. في مثل هذه البيئة المثقلة بالتهديدات والتحديات، يبدو أنّ الأردن من منظور خليجي، يمكن أن يوفر «قيمة مضافة» في نظرية الأمن وحسابات الاستقرار الخليجي، لا سيما أنّ تجربة تلك الدول مع «التمرد» الحوثي، وتجربة أحداث البحرين، أظهرتا مكامن الخلل في البنيان الدفاعي والأمني لهذه المنظومة.
وزادت التطورات الأخيرة التي صاحبت سطوع شمس «ربيع العرب»، من أهمية الأردن ومكانته في هذا السياق. فدول مجلس التعاون، فقدت وتفقد حلفاءها الكبار تباعاً (مصر مبارك في المقام الأول) وهي محاطة بـ«زنّار» من عدم الاستقرار والتهديدات، جنوباً وشمالاً وغرباً وفي الداخل.
ثم إنّ الغرب الذي تعهد حفظ أمن الخليج، منبع النفط وطرق إمداده، لم يظهر عجزاً لافتاً في الدفاع عن حلفائه فحسب، بل تكشّف عن «قابلية» عالية للتخلي عنهم و«عرضهم للبيع» عند أول أزمة وعلى أول
محك.
ساعد كلّ ذلك على دفع دول المجلس إلى التفكير «خارج الكتاب». فالنظرية الأمنية الجديدة تفترض تنويع مصادر «الدعم الخارجي» وطلبه كالعلم، في روسيا والصين، فضلاً عن اكتشاف ميزة المقولة الشهيرة «ما حكّ جلد غير ظفرك»، والمطلوب ضمّ الأظفار الأردنية الحادة إلى مجموعة الأظفار الخليجية، لكي يصبح بالإمكان «حكّ الجلد الخليجي» بفاعلية.
هنا يكمن مصدر القلق والتحسب، في الطلب الأردني القديم والاستجابة الخليجية الجديدة. وهو قلق لا يقلل بحال من الأحوال من المزايا التي قد تترتب على عضوية الأردن في مجلس التعاون.
وهي مزايا تتعلق بالتجارة والعمالة والمساعدات والنفط والطاقة، إلى غير ما هنالك من مزايا أحسب أنّها ستدفع غالبية الأردنيين العظمى إلى الترحيب بهذه الخطوة.
نحن نرغب في عضوية هذا المجلس، عملاً بمقولة «جَاوِر المسعدين بتسعد»، لكنّنا نخشى العودة إلى سياسة الأحلاف والمعسكرات، ولا نريد استبدال «معسكر الاعتدال المنحلّ» بمعسكر بديل. كذلك ليس من مصلحتنا أن نكون في معسكر مقابل لمعسكر إيران وأصدقائها وحلفائها. ومن باب أولى، لا نريد أن نظهر بمظر الجبهة المتحدة في مواجهة رياح الإصلاح والتغيير في العالم العربي.
لا نريد أن نعود لحقبة الستينيات ولا لسياسة الأحلاف والمعسكرات التي عاشتها المنطقة في السنوات الست أو السبع الأخيرة، قبل أن تندلع انتفاضات الكرامة وثورات الحرية في العالم العربي.
نحن لا نعرف، حتى الآن على الأقل، عن أيّة عضوية نتحدث ويتحدثون: هل هي عضوية كاملة أم محدودة، دائمة أم مؤقتة؟
لا أعرف كيف تفكر دول مجلس التعاون، ولا أزعم معرفتي بكيفية تفكير صانع القرار في الدولة الأردنية، بيد أنّني، ومن موقع الانشغال بقضايا الإصلاح السياسي والتحوّل الديموقراطي، أعرب عن الخشية والتحسب والقلق، من أن تتسبب خطوة كهذه، في وضع مزيد من العراقيل على هذا الطريق.
وهذه المرة، وسط تأييد شعبي مضمون، يقدم الاقتصاد على السياسة، ولقمة العيش على الحريات، وقسط المدرسة على التعددية، وصناديق الادخار على صناديق الاقتراع.
إنّ دعوة المغرب إلى الانضمام لهذا النادي، تعطي الإحساس بجدية المخاوف والشكوك التي تنتابنا وصدقيتها، وإلا لكان تعيّن تقديم اليمن، الجار والشقيق القريب، على المغرب الشقيق البعيد.
ولا أدري ما إذا كان المغرب سيتحمس لقبول دعوة كهذه أو سيستجيب لها، فلديه على الضفة الأوروبية، التي يطل عليها من شرفته الأمامية، ما يمكن أن يغنيه عن الالتفات إلى شرفته الخلفية.
نحن في الأردن، لنا وضع مختلف عن المغرب. نحن جزء من عملية برشلونة و«سياسة الجوار الأوروبي»، رغم أنّنا دولة غير مشاطئة للبحر الأبيض المتوسط. كذلك سنكون جزءاً من المنظومة الخليجية، رغم أنّنا دولة غير مشاطئة للخليج العربي.
إنّها ديكتاتورية الجغرافيا وعبقريتها في الآن ذاته. نحن نفتح شرفاتنا على دول الخليج، والمغرب يفتحها على الاتحاد الأوروبي، وثمة بون شاسع بين الإطلالتين وانعكاسات كلّ منهما على الاقتصاد والسياسة وحقوق الإنسان ووضع النساء وأنظمة الحكم.
نحن نتحدث عن سياقين مختلفين، مصطدمين بالضرورة، ويحتاج التوفيق بينهما إلى «عبقرية خاصة»، فهل ننجح في اجتراحها؟
* كاتب أردني