يعبّر الكثير من المصريين عن مخاوفهم من استخدام المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم (وسنشير إليه في هذا المقال باسمه الشائع وهو «المجلس العسكري») للخطاب السياسي ذاته الذي كان يستخدمه نظام حسني مبارك في السابق، على الرغم من ادعاء المجلس بأنّه يحافظ على «الحياد» بين القوى «الشعبية» المختلفة؛ وهو «حياد» قد فشل المجلس في البرهنة عليه، على جميع الجبهات.

وقد ردّ المصريون الذين يريدون تحويل انتفاضتهم إلى ثورة حقيقية على المجلس العسكري الحاكم، عبر إعادة تعريف هوية القوات المسلحة. فإذا كانت الدعوة الشهيرة للانتفاضة المناهضة لمبارك قد نادت بالجيش للوقوف مع الشعب ضد النظام، فإنّ الدعوة الحالية تفصل ما بين المجلس العسكري ومؤسسة الجيش بدهاء، فيستمر المنتفضون باعتبار أركان الجيش معهم ومع الثورة، فيما باتوا يعتبرون المجلس العسكري خصماً سياسياً، يسعى الى الحفاظ على نظام مبارك مع بعض الإصلاحات، وإن كان من دون مبارك.

الجيش والثورة

لقد بدأت الانشقاقات بين «الجيش» والمتظاهرين حتى قبل سقوط الرئيس مبارك، عندما تسلل جنود تابعون للجيش بين المتظاهرين، وقد قيل لنا في حينها إنّهم ليسوا جنوداً، بل أشخاص مجهولون، على الأرجح أفراد من أمن الدولة العصاباتي التابع لمبارك، الذي زُعم أنّهم قاموا بـ«سرقة» وارتداء الزي العسكري للجيش. وقد تأكد لاحقاً أنّ ضباط الجيش قد قاموا باعتقال وتعذيب المتظاهرين، بما في ذلك إخضاع المعتقلات لفحوص «عذرية» مهينة ومشينة. ويطالب المتظاهرون الجيش بالكف عن محاكمة جميع مَن اعتقل من المدنيين، منذ بدء الانتفاضة في محاكم عسكرية بدلاً من محاكم مدنية، ويطالبون الجيش أيضاً بالتوقف الفوري عن استخدام التعذيب.
على الرغم من ذلك، أصر معظم الثوريين المصريين (ولكن ليس كلّهم) على تجاهل تعاطي الجيش بذلك الشكل معهم ــــ تم التحقق من ذلك أيضاً من قبل جماعات دولية لحقوق الإنسان ــــ لمصلحة الحفاظ على التضامن معه، وخصوصاً أنّ كبار القادة العسكريين كانوا في البداية قد استخدموا لغة عدم التدخل و«الحياد» بين نظام ديكتاتوري فاسد، رأسه عضو من بين صفوفهم لمدة 30 عاماً، وبين الشعب المصري. وكانت قيادة الجيش، في الواقع، قد ادعت منذ سقوط نظام الرئيس مبارك بأنّ الجيش كان الطرف الذي «حمى» ولا يزال «يحمي» الثورة.
ويترأس المجلس العسكري المكوّن من تسعة عشر عضواً وزير الدفاع السابق تحت حكم مبارك، المشير محمد حسين طنطاوي، الذي، جنباً إلى جنب مع رئيس أركان الجيش المصري سامي عنان، كان قد أمضى الجزء الأكبر من الأيام الثمانية عشر للانتفاضة في كانون الثاني/ يناير الماضي في واشنطن يحضر «اجتماعات» مع مسؤولين أميركيين (كان عنان موجوداً في الولايات المتحدة قبل اندلاع الانتفاضة وانضم إليه طنطاوي بعد اندلاعها). وقد أعلن طنطاوي باستمرار أنّ المجلس العسكري سيبقى في السلطة فقط لفترة انتقالية حتى تنتهي كل الاستعدادات، السياسية والقانونية والدستورية، لإجراء الانتخابات الديموقراطية المزمع عقدها، وأنّ حكومة مدنية هي التي ستقوم بتلك الاستعدادات، تحت رعاية وحسب تعليمات المجلس العسكري.
وبينما قام المتظاهرون الثوريون بإطاحة الحكومة الأولى، التي أبقاها المجلس العسكري بعد سقوط مبارك، وبايعوا عصام شرف كرئيس وزراء «نزيه» يقف مع الشعب، فإنّ أداء شرف في الأشهر الأربعة الماضية أفقده الكثير من الصدقية لديهم، وكان ذلك نتيجة رفضه التصدي لأوامر المجلس العسكري، الذي يرفض السماح بتغييرات جذرية من شأنها أن تحدث تغييراً حقيقياً لنظام الحكم في البلاد.
وهكذا، لم يكف شرف عن تعيين وزراء ومحافظين في حكومته كانوا قد خدموا نظام مبارك سابقاً. ويشمل ذلك عدداً من الوزراء الذين عيّنهم أخيراً في حكومته الثانية ــــ رغم أنّ أيّاً من الأخيرين لم يكن عضواً في الحزب الوطني الديموقراطي المنحل الذي حكم البلاد في عهد مبارك ــــ وكان تعديله الوزاري ناجماً أصلاً عن ضغوط المتظاهرين الذين بدأوا اعتصاماً مفتوحاً في ميدان التحرير منذ ٨ تموز/ يوليو. ومنذ أيام، عمد شرف الى تعيين محافظين جدد في ١١ محافظة، وقد تولى المنصب في عدّة محافظات لواءات في الجيش والشرطة، جاء في مقدمهم اللواء طارق المهدي، عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي تولى المنصب في محافظة الوادي الجديد، وعين أيضاً الدكتور أسامة الفولي، على الرغم من أنّه أحد قادة الحزب الوطني المنحل، محافظاً للإسكندرية، واللواء إيهاب فاروق، وكان وكيلاً لوزارة السياحة لما يقرب من عشر سنوات، نائباً له. وفي أثناء ذلك، واصل الجيش ووزارة داخلية شرف التهجم على المتظاهرين، من دون كلل.

احتواء المجلس العسكري

في غضون ذلك، واصلت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، ومعهما دولة الإمارات العربية المتحدة، كشريك تابع لكليهما، الضغط على المجلس العسكري لمنع محاكمة مبارك، ولوضع العقبات أمام محاكمة العديد من أعوان نظامه الفاسد، على الرغم من الحماسة التي أبدتها بعض الجهات في النظام القضائي المصري بملاحقتهم واتهامهم بالعديد من الجرائم الجنائية، فضلاً عن جرائم الفساد. وقد منحت السعودية أربعة مليارات دولار للمجلس العسكري، فيما قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة حزمة من ثلاثة مليارات دولار كمنح وقروض، لتقديم يد العون لجهود المجلس العسكري الذي قرر، تحت ضغط المتظاهرين، رفض مبلغ بالقيمة ذاتها قدمه صندوق النقد الدولي المكروه، مصرياً وعالمياً، على المستوى الشعبي. في حين لم تكن مصر مبارك لتقول «لا» لصندوق النقد الدولي المتنفذ، الذي، بالتعاون مع البنك الدولي والوكالة الأميركية للتنمية الدولية، قد عاث فساداً بفقراء مصر لأكثر من ثلاثة عقود ونصف، يتم منح مصر اليوم فسحة أكبر من جانب حكومة الولايات المتحدة، التي ترى أنّ مصر دولة مواجهة مركزية مع الجماهير الثورية المعبأة في العالم العربي. وكانت الولايات المتحدة قد قدمت تنازلات لكوريا الجنوبية وتايوان، في الخمسينيات والستينيات، سمحت بتنمية رأسمالية وطنية مستقلة لا ينافسها ويقيّدها رأس المال الإمبريالي. وقد قدمت تلك التنازلات، التي رفضت الولايات المتحدة تقديمها لباقي دول «العالم الثالث» مجتمعة، كي يتسنى لاقتصادات كوريا الجنوبية وتايوان تقديم نموذج أكثر ازدهاراً من جيرانهم الشيوعيين، وبالتالي ضمان أنهما لن «تسقطا في براثن» الشيوعية العالمية.
وقد أسفرت المحاولات التي قامت بها دول أخرى في «العالم الثالث» في الفترة ذاتها، لمنع تغلغل رأس المال الإمبريالي في اقتصاداتها الوطنية، عن انقلابات عسكرية رعتها ودبرتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وفي حالات أخرى عن غزو واجتياح الولايات المتحدة للبلاد التي تحدّت إرادتها. ثمة منطق مماثل يعمل هنا. فما دفع الولايات المتحدة لمنح مصر هذا الإعفاء الخاص من الانصياع لأوامرها وأوامر مؤسساتها المالية هو الخوف الأميركي من تحوّل الانتفاضة المصرية إلى ثورة جامحة، من شأنها أن تصبح منارة للشعوب العربية المجاورة في ثورتها على أنظمتها. فذلك التنازل الاستراتيجي هو ما سمح لأموال دولة الإمارات بأن تقدم كبديل لقروض صندوق النقد الدولي.

استخدام أساليب مبارك

ويقال إنّ هذا المال، والوعود بالمزيد من الأموال، وتواصل الدعم الأميركي للمجلس العسكري، لمقاومة التغيير ورفض مطالب الثوار، هو ما شجع أعضاء المجلس على استخدام أساليب مبارك السياسية ذاتها، من دون حرج، في نزع الشرعية عن المعارضة، من أجل وقف موجة المطالب المتزايدة لإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية وقانونية.
فبينما يُوصف الصحافيون المصريون، المعروفون بمهنيتهم، ومعهم شخصيات المعارضة، بـ«المخربين» والعناصر «الدخيلة»، يُنْعَت الثوار المعتصمون في ميدان التحرير بأنّهم ليسوا «الثوار أنفسهم» الذين قادوا الانتفاضة ضد مبارك، بل على أنّهم عملاء لجهات أجنبية وعصابات من «البلطجية» ــــ وهو التعبير المستخدم لوصف بلطجية مبارك الذين هاجموا المتظاهرين في ميدان التحرير، قبل سقوط الطاغية. ولا يختلف ذلك عن الخطاب الذي استخدمه مبارك، عندما وصف المتظاهرين في مرحلة ما بعد ٢٨ كانون الثاني/ يناير بأنّهم «دخلاء»، وأنّهم ليسوا المتظاهرين «أنفسهم» الذين نظموا التظاهرات الأولى، في ٢٥ كانون الثاني/ يناير.
وقد وصف أحد أعضاء المجلس العسكري بالفعل العصابات التي هاجمت المتظاهرين قبل أسبوعين بحي العباسية في القاهرة (وقد توفي أخيراً أحد المصابين في تلك الأحداث، محمد محسن أحمد، عن ٢٣ عاماً متأثراً بجراحه، وكان أحمد عضو ائتلاف شباب الثورة بأسوان، وكانت مستشفيات عدّة قد رفضت استقباله أو إسعافه، ما عجل بموته) بـ«اللجان الشعبية» التي لم يكن أحد قد سمع بها قبل إعلانه. أما المشير طنطاوي نفسه، فقد وصف تلك العصابات بأنّها «الشعب» المصري بذاته الذي قام بمنع المتظاهرين «الدخلاء» من الوصول الى وزارة الدفاع، من دون أي تدخل من جانب المجلس العسكري، على الرغم من أنّ جنود الجيش كانوا متمركزين داخل الحي، وعمدوا الى عرقلة المسيرة، ناشرين الأسلاك الشائكة وسط الطريق، ووقفوا يتابعون هجوم العصابات المسلحة على المتظاهرين العزل، من دون أن يحركوا ساكناً.
ولكن الوقائع تناقض وصف طنطاوي الذي يجافي الحقيقة، ولا سيما التحقيق الذي قام به الصحافي المصري يسري فوده، مقدم برنامج «آخر كلام» التلفزيوني ذي الشعبية الكبيرة. وكشف فودة أنّ واحداً من قادة عصابات العباسية لم يكن في الواقع من العباسية، بل من عين شمس، وأنّه كان عضواً في الحرس الجمهوري التابع لمبارك، ويشارك بانتظام في التظاهرات المؤيدة للرئيس المخلوع، والمجلس العسكري، في ميدان روكسي، وحتى أنّه قد ألف أغنية تمتدح الديكتاتور.

استعادة الشوفينية المصرية المعادية للعرب

عدا عن تلك التطورات، ركزت جهود المجلس العسكري لنزع الشرعية على ما تعتبره الحلقة الأضعف، وذلك من خلال استهدافها لشاعر مصري فلسطيني مؤيد للثورة. ويطمح المجلس بفعلته تلك إلى نزع الشرعية عن المتظاهرين باعتبارهم «أجانب»، وبالتأكيد، في الوقت ذاته، على العزل الساداتي ــــ المباركي لمصر عن محيطها العربي، على الرغم من أنّ الانتفاضة سعت إلى إعادة دمج مصر في العالم العربي الذي تنتمي إليه. وقد عمد اللواء حسن الرويني، وهو عضو في المجلس العسكري، وقائد المنطقة العسكرية الوسطى، الى استهداف تميم البرغوثي على شاشات التلفزيون المحلية، والبرغوثي، وهو نجل الروائية المصرية البارزة، وأستاذة الأدب رضوى عاشور، ولد ونشأ في مصر. وكان الرويني قد شاهد البرغوثي يتحدث في لقاء تلفزيوني مؤيداً للثورة، ووصف الشاعر بأنّه شخص «بيتكلم بلهجة غريبة، واسمه اسم غريب وشكله مش شكل المصريين». في الواقع، يتحدث البرغوثي (وهو نجل الكاتب والشاعر الفلسطيني البارز مريد البرغوثي) باللهجة المصرية التي نشأ عليها من دون أدنى لكنة «أجنبية».
عندما أوضح مقدم البرنامج هوية الشاعر للرويني، عمد الأخير الى مهاجمة هويته الفلسطينية بكمّ من الشوفينية المصرية، الساداتية ــــ المباركية الكارهة للعرب، تجعل المرء يعتقد أنّ مبارك لا يزال على رأس السلطة. وأعلن الرويني أنّ «اللي بيعمل الوفاق الوطني للفلسطينيين مصري... أنا مش مستني، مصر ما نضبتش، اللي فيها ٨٦ مليون مصري... مصر فيها ناس عظام...». من الواضح أنّ ما أغضب الرويني هو أنّ مصرياً ــــ فلسطينياً «تدخل» في الشؤون المصرية (وهذا بالطبع بخلاف تدخل مبارك وعمر سليمان السافر في شؤون الفلسطينيين، والتآمر عليهم الذي لم يبعث إلا الطمأنينة في قلب الشعب الفلسطيني!)، وهو غضب لم يعرب عنه الرويني إزاء الإدلاءات الأميركية المتواصلة عن مصر، فضلاً عن تدخل الولايات المتحدة الفعلي في شؤون البلاد.
يبدو للمرء أنّ بث أحد أعضاء المجلس العسكري لتلك السموم المعادية والمحتقرة للفلسطينيين والمناهضة للعرب قد يؤدي إلى فصله الفوري من المجلس، أو حتى إلى إجباره على المثول أمام محكمة عسكرية بتهمة إثارة الكراهية بين المصريين ضد العرب والفلسطينيين، وحثّ المصريين للبقاء على شوفينية وانعزالية مصرية ساداتية، تفصلهم عن محيطهم العربي، وهي دعوة يمكن أن ينظر إليها على أنّها تهدد الوحدة الوطنية المصرية والتضامن الوطني والقومي، إن لم تهدد الأمن القومي للبلاد أيضاً. إلا أنّ أيّاً من زملائه في المجلس لم ينتقده علناً على تصريحاته. ولم تعترض بالطبع أيّ جهة فلسطينية رسمية على تحقير الرويني للشعب الفلسطيني. وقد أصدر نحو ٣٠٠ من المثقفين المصريين البارزين بياناً للدفاع عن البرغوثي يدينون فيه تهجم الرويني عليه. كما كتب يسرى فودة مقالة لاذعة هاجم فيها الرويني، الذي عمد الى توسيع هجومه المناهض للفلسطينيين ليشمل أيضاً تهجماً على جميع القوى السياسية التي تسعى إلى تغييرات ثورية في البلاد. فاتهم حركة «٦ أبريل»، التي كانت أحد أوائل منظمي التظاهرات الهائلة التي أدت إلى سقوط مبارك، بأنّها تخضع لتمويل أجنبي. وادعى الرويني أيضاً بأنّه جرى تدريب أعضائها في صربيا، وأنّ حركة «كفاية» المؤيدة للديموقراطية هي الأخرى قد أتت «من الخارج».
وفي بيان رقم ٦٩ الذي أصدره المجلس العسكري أخيراً، وصف المجلس حركة «٦ أبريل» باتباع استراتيجية تسعى إلى «الفتنة» و«الوقيعة بين الجيش والشعب». وقد تحدى جورج إسحاق، أحد قادة حركة كفاية، الرويني (الذي يتضح بأنّه رجل المجلس العسكري الأمامي، المسؤول عن نزع الشرعية عن الثوار) لإنتاج أدلة مادية لإثبات مزاعمه التشهيرية، وأنّه إذا كان في حوزته أدلة فإنّه يجب عليه أن يسلمها إلى المدعي العام. ويسعى قادة حركة «٦ أبريل» إلى مقاضاة الرويني، لكن زملاءه العسكريين يدّعون أنّه لا يمكن أن يقاضى في محكمة مدنية، بل في محكمة عسكرية. وبالفعل قد قررت حركتا كفاية و٦ أبريل، على حد سواء، مقاضاة المجلس العسكري ذاته بتهمة التشهير.
وقد تحدى المفكر والمعارض الأستاذ حسن نافعة المجلس العسكري في مقال «بنشر قائمة بالمنظمات والشخصيات التى تلقت أو تتلقى أموالاً من الخارج»، وطالب المجلس بالكف عن «إلقاء الاتهامات جزافاً» ضد الحركات السياسية. وأضاف إن الحياد الذي يدّعيه المجلس العسكري ما بين العصابات، التي اخترع لها المجلس العسكري اسم «اللجان الشعبية» وفي ما بعد اسم «الشعب»، والمتظاهرين الذين كانوا متوجهين الى وزارة الدفاع، لم يكن حياداً البتة، بل يصب «لمصلحة القوى المضادة، لا لمصلحة الثورة».
من الجدير بالذكر أنّه لم يقم أحد في الصحافة المصرية حتى الآن بتذكير اللواء الرويني بأنّه هو والجيش المصري معه، بما في ذلك المجلس العسكري، هم الذين يتلقون أموالاً من الخارج، من أكبر قوة معادية للديموقراطية في العالم، أي الولايات المتحدة الأميركية التي دعمت وأيدت الديكتاتورية نفسها، ولم يساعد الجيش بإطاحتها بل حافظ على «الحياد» اتجاهها، وأنّ الولايات المتحدة والسعودية هما قادة الثورة المضادة في مصر .
وفي مقال آخر في صحيفة «المصري اليوم»، هاجم الروائي المصري الشهير علاء الأسواني المجلس العسكري لعدم الاستجابة لأي مطلب من مطالب الثورة التي أسقطت مبارك، وتساءل أخيراً: «أيها السادة أعضاء المجلس العسكري، هل أنتم حقاً مع الثورة؟!».

الولايات المتحدة والمجلس العسكري

في غضون ذلك، قام عضو آخر من المجلس العسكري، اللواء محمد العصار، وهو مساعد وزير الدفاع، بزيارة واشنطن العاصمة لحضور «اجتماعات» (تعقد مرتين في السنة، منذ عقد من الزمن) مع مسؤولين أميركيين لمراجعة «العلاقات بين البلدين». كما زار أيضاً أخيراً مدير الاستخبارات المصرية مراد موافي نيويورك «للتشاور» مع وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون. وفي الوقت ذاته، قام القائد الأميركي لـ«القيادة الأفريقية»، أو «أفريكوم»، الجنرال كارتر ف. هام بزيارة القاهرة ليومين وعقد اجتماعات مع أعضاء المجلس العسكري، بما في ذلك المشير طنطاوي نفسه، لمناقشة قضايا الأمن في أفريقيا، ولا سيما في ليبيا، بالإضافة إلى التعاون المصري ــــ الأميركي في «مجالات التدريب».
وأفريكوم هي واحدة من تسع من القيادات المقاتلة الموحدة التابعة لوزارة الدفاع الأميركية. وباعتبارها واحدة من الست التي تركز على المستوى الإقليمي، فإنّها مخصصة لأفريقيا، لكنّها تستثني مصر من مسؤولياتها، إذ تقع الأخيرة في القيادة المركزية الأميركية، على الرغم من أنّ أفريكوم «تتشاور» مع مصر حول «الأمن الأفريقي». وقد تم إنشاء أفريكوم من قبل إدارة بوش الابن عبر أمر رئاسي في ٢٠٠٧. وأصبحت أفريكوم تعمل بكامل طاقتها في نهاية ٢٠٠٨، ومنذ ذلك الحين تسعى الى إقامة مقرها في القارة الأفريقية، في مواجهة معارضة أفريقية واسعة، تقودها جنوب أفريقيا. لذلك بقي مقر أفريكوم الرئيسي حتى الآن في مدينة شتوتغارت الألمانية، لكن هنالك شائعات تقول إنّ مساهمة الرئيس الأميركي باراك أوباما في قصف ليبيا مبنية على التوقعات بأنّ ما يسمى القيادة الثورية الليبية ستستضيف مقر أفريكوم، فور سيطرتها على البلاد بالكامل.
وبينما يعمل الجيش الأميركي على تقييد واحتواء مصر إقليمياً، تتواصل الجهود الأميركية أيضاً على الجبهة الداخلية. وقد كشفت أخيراً سفيرة الولايات المتحدة المعيّنة حديثاً لدى مصر، آن باترسون، أنّ الولايات المتحدة قد منحت بالفعل ١٠٥ مليون دولار لمنظمات غير حكومية مختلفة، من أجل «مساعدتها» لتتمكن من المشاركة في الحياة السياسية في البلاد، وهو ما يعارضه العديد من المصريين. وقد دفعت تلك المعارضة العامة اللواء العصار إلى الادعاء بأنّ هذه الأموال أدت إلى بعض «البلبلة في الشارع المصري»، بينما في الواقع لم يكن هنالك أي التباس على الإطلاق، بل الكثير من الوضوح بشأن دور الولايات المتحدة في البلاد، إبان حكم نظام مبارك، ومنذ سقوطه. بالطبع، لم يقم المجلس العسكري حتى الآن بوصف المستفيدين من الأموال الأميركية بالـ«خونة» أو «العملاء لبلد أجنبي».

تتبعوا المال

ومع ازدياد عدد المثقفين والمتظاهرين المناوئين لحكم المجلس العسكري، تبقى طبقة رجال الأعمال ذوي الثراء الفاحش ــــ تضم علمانيين وإسلاميين ومسيحيين ومسلمين ــــ الحليف الرئيس للمجلس العسكري في البلاد، وترفض تلك الطبقة بشدة وضع حد أدنى للأجور للمصريين (وهو مجرد ١٢٠٠ جنيه مصري في الشهر، أو حوالى ٢٠٠ دولار أميركي). وينضم إليها الإخوان المسلمون وجماعات سلفية مختلفة، وقد هدد سلفيون بإنهاء الاعتصام في ميدان التحرير بالقوة في ٢٩ تموز/ يوليو بعرض ضخم لدعم الجيش. وفي ٢٦ تموز/ يوليو، تم التوصل إلى اتفاق بين عدد من القوى، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين وجماعات السلفيين، على خمسة مطالب كانت سيرفعها الجميع في تظاهرات الجمعة في ٢٩ تموز/ يوليو، للحفاظ على «الوحدة» في ميدان التحرير. وكما أصبح معروفاً الآن، نكثت الجماعات السلفية الاتفاق، ورفعت شعارات تطالب بدولة إسلامية وبدعم المجلس العسكري، ما دفع ٣٤ حزباً إلى الانسحاب من التظاهرة. وحشد السلفيون حشداً غفيراً وغير مسبوق (لم يحشدوه للثورة على مبارك) من المتظاهرين لهذا الغرض، ورفع الكثير منهم أعلام المملكة السعودية في ميدان التحرير. وزعم كثيرون أنّ المال السعودي هو الذي موّل الحافلات التي أقلت السلفيين من المحافظات مجاناً، ورشت عليهم زجاجات المياه المعدنية المثلجة أثناء التظاهرة من دون حساب. ولم يتهم اللواء الرويني لحد الآن رافعي الأعلام السعودية بالعمالة لدولة «أجنبية»، ولا بكونهم ممولين أجنبياً.
يبدو جلياً أنّ الإخوان المسلمين، الذين انضموا الى التظاهرات الثورية في وقت متأخر، وبعد الكثير من التردد، يسعون الى دور أوسع الآن، ولا سيما أنّ الإدارة الأميركية قد قررت الحوار العلني معهم (ما دفعهم إلى رفض الانضمام الى اعتصام ٨ تموز/ يوليو). وقد كافأهم وزير الداخلية نفسه بزيارة قام بها لمقر الإخوان دون غيرهم قبل مليونية ٢٩ تموز/ يوليو، وقد أحجمت وزارته عن التعرض للإخوان وللسلفيين في المليونية، بخلاف تعرضها للمتظاهرين غير الإسلاميين على مدى الأشهر والأسابيع الماضية. وقد يبدو الإخوان المسلمون (وهذا لا ينطبق بالضرورة على جميع التيارات التي انبثقت داخل الإخوان بعد إطاحة مبارك وإن انطبق على التيارات الإخوانية اليمينية) شركاء غير متوقعين للمجلس العسكري وطبقة رجال الأعمال، لكنّنا إذا تتبعنا مصادر أموال الجهات الثلاث الى المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، فسيتضح أنّهم ليسوا غير متوقعين على الإطلاق. ففي الأسبوع الماضي، على سبيل المثال، نظم عدد من القيادات البارزة في جماعة الإخوان المسلمين لقاء مع وفد من المستثمرين الأميركيين والأوستراليين للبحث في مجال التعاون التجاري. وعلى نطاق آخر، قامت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بالتهديد باستخدام الرئيس أوباما لحق النقض، ضد قرار جديد يرعاه جمهوريون محافظون في الكونغرس لوقف المساعدات الأميركية لمصر إذا انتخب الإسلاميون، إذ سيتعارض ذلك القرار مع استراتيجيتها للسياسة الخارجية الأميركية في مصر، كما أدلت للصحف. أما عن تآمر تجار منطقة ميدان التحرير وأصحاب المكاتب السياحية (العلمانيون والإسلاميون على حد سواء)، فقد تجلى في انضمامهم إلى الجيش وقوات الشرطة التي فضت الاعتصام في الميدان بالقوة، في أول يوم من شهر رمضان، قبيل الإفطار، واعتقلت العشرات من حركة «٦ أبريل» ومن حركة «شباب من أجل العدالة والحرية». ورحب اليمين السلفي، شأنه شأن التجار ومروجي السياحة، باستخدام الجيش للقوة.
وتلى كل ذلك مسرحية محاكمة الرئيس المخلوع التي اضطر المجلس العسكري لعقدها تحت الضغط الثوري. ويحاول المجلس العسكري من خلال المحاكمة الإيحاء بأنّه يستجيب لمطالب الثورة، بينما يواصل الالتفاف عليها. ويقوم المجلس، في الوقت ذاته، باستدرار عطف الشعب المصري عبر إبراز مبارك على الشاشة كعجوز واهن ومريض، لا حول له ولا قوة (مع أنّه لم يفته أن يصبغ شعره، رغم شدّة مرضه، واكتئابه، ولم يبد عليه أنه قد فقد حتى كيلو واحداً من وزنه)، وإن بدا متعجرفاً في ردوده على التهم الموجهة إليه. وهنا يجب أن نذكر الاحترام والتبجبل العسكري الذي حظي بهما مبارك (وحاشيته) عند وصوله ومغادرته للمحاكمة مرفوعاً عن الأرض، على سرير، وكأنّه فرعون بذاته، وكيف تمدد مسترخياً وذراعاه خلف رأسه أثناء الجلسة الأولى، وكأنّه يستمتع بحمام شمس على شاطئ شرم الشيخ، فيما انتصب نجلاه من حوله كحرس شرف، يحجبانه عن عدسات الكاميرات.
وفي حين لا تبشر معظم هذه التطوّرات بالخير لمستقبل الثورة، يخشى البعض، والبعض الآخر يهمس بدعوة إلى انقلاب عسكري يقوم به ضباط جيش وطنيون من المستوى المتوسط، لا يشوبهم فساد رؤسائهم، أو تبعيتهم للنظام السابق، لتخليص البلد من المجلس العسكري، وفتح صفحة ثورية جديدة ونظيفة. وبما أنّه قد تم تأجيل الانتخابات حتى تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، فإنّ الوضع يزداد توتراً، وتجرى الاستعدادات لمواجهات محتملة كثيرة ــــ بين بعض الإسلاميين والقوى الثورية الأخرى، وبين القوى الثورية والجيش، وفي داخل الجيش نفسه. وليست أصابع الأميركيين والسعوديين بعيدة عن كلّ ذلك، رغم ادعاءات الخطاب الرسمي. في غضون ذلك، يبقى مستقبل مصر والمصريين معلقاً في الميزان.

* أستاذ السياسة والفكر العربي الحديث في جامعة كولومبيا في نيويورك