عانى التيار الماركسي العربي (ويقصد بالماركسيين هنا الأحزاب الشيوعية والتنظيمات الأخرى التي تبنت الماركسية منهجاً معرفياً لتوليد برنامج سياسي ــ اقتصادي ــ اجتماعي ــ ثقافي) من نتائج الانهيار السوفياتي سواء كانت موالية لموسكو أم مختلفة معها. وقد وصل الأمر ببعضها لتغيير الاسم وللتخلي عن الماركسية، وهو ما كان حال الكثيرين من أفراد تلك الأحزاب الذين تحولوا عن الماركسية إلى فكر سياسي آخر غالباً ما كان «الليبرالية الجديدة».


لم يقم الماركسيون العرب بعد حوالى ربع قرن من انهيار الكرملين السوفياتي بالاستفاقة من تلك الغيبوبة المتولدة عن تلك الصدمة بانهيار ما كان يمثل «الفاتيكان الشيوعي». في انهيارات وصدمات كبرى مماثلة، مثل «افلاس الأممية الثانية» في عام 1914 مع تخلي أحزابها عن شعاراتها المناهضة للحرب ووقوفها وراء جيوشها المتحاربة، كان لينين سريعاً في الإفاقة من تلك الصدمة خلال أسابيع، والتي كادت تدفعه لاعتزال العمل السياسي للقيام بمراجعة فكرية ــ سياسية، عبر اجتهاد ضمن الماركسية، أوصلته إلى نظريته الجديدة حول «الامبريالية» عام 1916، والتي أوصلته بدورها إلى نظرية «امكانية الاشتراكية في بلد واحد ومتخلف عبر ثورة في الحلقة الأضعف من الامبرياليات» إن استغل شعاري «السلم» و«الأرض» في زمن الحرب. في عام 1928 استخلص حسن البنا بعد أربع سنوات من إلغاء أتاتورك «الخلافة الاسلامية» ضرورة تجاوز تلك الصدمة الفكرية ــ السياسية عبر تشكيل جماعة «الاخوان المسلمين» كرافعة لتيار الاسلام السياسي.
تدل هذه الحالة التي أصابت الماركسيين العرب في مرحلة «ما بعد موسكو» على عمق أزمة التيار الماركسي العربي. على الأرجح هي حالة تأتي قوة ومدى أزمتها من حالة اليتم التي تعيشها تلك الأحزاب مع موت «الأب» الذي كان أقرب إلى حالة «بابا الفاتيكان» في علاقة الكرملين مع كرادلة الأحزاب وأبرشياتهم، سواء كان الابن مطيعاً أم مختلفاً مع والده أثناء حياة الأخير. وأيضاً، من عدم قدرة تلك الأحزاب على العيش من دون ذلك الأب بعد حوالى ربع قرن من موته والوقوف وحيدة على قدميها. يمكن تلمس تلك الأزمة من تفسيرات أسباب الانهيار السوفياتي عند الماركسيين العرب، الموزعة بين نظرية «المؤامرة الأميركية – اليهودية الصهيونية» وبين نظرية «أخطاء في التطبيق رغم كون النظرية صحيحة»، من دون أن يصل هذان التفسيران إلى الإجابة على سؤال وجواب موجودين في «البيان الشيوعي» (عام 1848) من أنه لا يمكن الوصول إلى المرحلة الاشتراكية من دون استنفاذ كامل المرحلة الرأسمالية. وهو ما أدركه الشيوعيون الصينيون الذين يقودون الآن المرحلة الرأسمالية، فيما لم يكن لينين على خط «البيان الشيوعي»، وهو ما جعل «خليفته» بوريس يلتسين لا ليونيد بريجنيف. من مظاهر تلك الأزمة أيضاً توزع ملاجئ الماركسيين العرب بين «محور المقاومة والممانعة» وبين اعتبار بوتين استمراراً «ما» للماضي السوفياتي، مثل بعض الناصريين الذين يظنون السيسي استمراراً لعبد الناصر. هذا من دون نسيان ذلك الملجأ الآخر الذي اختاره الشيوعيون العراقيون لمّا ارتموا في أحضان بول بريمر، الحاكم الأميركي للعراق المحتل، ربما أيضاً اتقاء من برد ما بعد الانهيار السوفياتي بعد أن كانوا أحد أكثر الأحزاب الشيوعية العربية، مع حزب خالد بكداش الموالية للسوفيات ضد الأميركان، ولكن ربما ليثبتوا بأنهم لا يستطيعون العيش من دون «فاتيكان» أو «كعبة» تمثل الشمس التي تدور الكواكب حولها حتى ولو كان «فاتيكانهم الجديد» هو واشنطن. وهو ما كان أيضاً حال الكثير من الماركسيين السابقين الذين تحولوا إلى «الليبرالية الجديدة» التي راهنوا من خلالها على «القوة التغييرية» للدبابة الأميركية المحتلة لبلاد الرافدين وأن هذا سيعم المنطقة بكاملها.


من مظاهر أزمة
الشيوعيين توزّع ملاجئ الماركسيين العرب



ربما كانت هذه الأزمة التي يعيشها الآن التيار الماركسي العربي ذات طابع وجودي، وهناك كثير من المؤشرات ومنها المذكور سابقاً تدل على ذلك، إلا أن استمرار أحزاب هذا التيار في الوجود يدل على أنها لم تصل إلى حالة انتهاء الصلاحية، وأن هناك عوامل كامنة وظاهرة لاستمرار الحياة فيها. من هذه العوامل استعادة القوة المعنوية للماركسية في النطاق العالمي إثر الأزمة الاقتصادية – المالية العالمية التي بدأت من نيويورك عام 2008 وانعكاس ذلك على الوسط الفكري – الثقافي العربي، حيث اضمحلت عربياً نظرية «نهاية التاريخ» لفوكوياما وبدأت الماركسية في استعادة قوتها في تفسير الظواهر الاقتصادية - الاجتماعية - الثقافية - السياسية. ساهم في تعزيز هذه العوامل بداية انحسار تيار الاسلام السياسي على صعيد عموم المنطقة العربية بدءاً من سقوط حكم «الاخوان المسلمين» في مصر يوم 3 يوليو/ تموز 2013، بعد أن كان بدء صعود «الاسلام السياسي» منذ منتصف السبعينيات مترافقاً مع انحسار عربي لليسار الماركسي. هناك كثير من المؤشرات على أن التيار العروبي، بفرعيه البعثي والناصري، غير قادر على استيعاب النازحين من «الاسلام السياسي»، وأن التيار الماركسي هو الأقدر على ذلك بحكم تشابه طرق التفكير السياسي وأساليب التنظيم بين الاسلاميين والماركسيين ودرجات عالية في المهارات السياسية تجمع أفراد التيارين. وهو أمر كان يجعل الانزياحات الفردية والاجتماعية متبادلة مثل الأواني المستطرقة بينهما لما كان صعود حزب الدعوة على حساب الشيوعيين العراقيين منذ السبعينيات وكذلك صعود حزب حسن الترابي بالفترة ذاتها تجاه الشيوعيين السودانيين. بالتوازي مع هذا هناك ميل اجتماعي عام عند السنة نحو الابتعاد من الدين كمنظومة سياسية، والاكتفاء به كمنظومة طقوسية – أخلاقية، بعد تجارب فاشلة مثل تجارب «الاخوان» في مصر وتونس في الحكم وتجربتهم الفاشلة في تزعم المعارضة السورية لمرتين: 1979-1982 و2011-2014، وإثر تجارب مدمرة مثل تجربة «داعش». لن تكون آثار ونتائج هذا الميل خارج الوعاء الماركسي خاصة إن ترافقت وهذا مرجح مع اللاتدين والعلمانية وربما الإلحاد أيضاً. في المقابل فإن هناك شعور عند الأقليات، الدينية والمذهبية، بأن هناك حاجة إلى لاصق وطني سياسي عابر للأديان والطوائف لن يجدوه خارج الماركسية والليبرالية في بلدان تتنازعها النزاعات الكامنة والظاهرة في بناها الداخلية وهي ستفضل، بخلاف الأكراد، عدم تشكيل أحزابها الفئوية الخاصة. منذ عام 2014 هناك حراك شبابي ولو بشكل جنيني نحو الماركسية من الناحيتين الفكرية والسياسية. يعطي هذا إرهاصاً لميل اجتماعي مقبل، وهو ما يلمس الآن في سورية ولبنان وتونس ومصر.
كما قال لينين في «موضوعات نيسان» عام1917: «لقد آن لنا أن نلبس ثياباً نظيفة». كانت تلك الموضوعات التي قدمها قائد الحزب البلشفي مدخلاً إلى ثورة أوكتوبر بعد ستة أشهر. لقد اتسخت تلك الثياب وبالت ولم تعد صالحة بعد فشل ثورة 1917 في عام 1991 وانهيار الاتحاد السوفياتي. يجب على الماركسيين العرب ارتداء ثياب غير تلك السوفياتية والعودة إلى ماركسية كارل ماركس التي هي على تناقض خطي مع اللينينية ووليدتها الستالينية.
* كاتب سوري