أثار الموقف المتوتر لقطاع من أبناء الطائفة العلوية ــ والأقليات الدينية ــ من الانتفاضة الشعبية غرابة كبيرة، دون أن نغفل مشاركة الكثير من المثقفين العلويين، والشباب، ومئات الفاعلين في الانتفاضة، من مواقع العلمانية والماركسية واليسار والليبرالية. فهم يعيشون، كما أغلب السوريين، ظروف التهميش والفقر وانعدام الحريات، وتمارس بحقهم الأساليب الأمنية المتشدّدة التي تمارس على جميع السوريين، إن لم يكن أكثرَ.

والسؤال هو: لماذا كلّ ذلك التوتر من قِبلهم، مقابل التأييد والتواصل الداعم من قبل أغلب الشعب السوري للانتفاضة؟
طبعاً، لا نقبل التفسير الساذج الذي يقول إنّ الانتفاضة سنيّةٌ والنظام علويٌّ، ويحافظ على الأقليات، وبالتالي من الطبيعيّ أن يكون لهؤلاء ذلك الموقف. لكن حينما يكون السنّة الأكثر عدداً وتهميشاً، يكون من الطبيعي جداً أن يكونوا الجسد الأساسي للانتفاضة.
تتمثل العلاقة التاريخية بين المذهبين، في هيمنة أبناء المدينة السنّة على الريف الأقلوي العلوي، وإيقاع الظلم عليه وإفقاره، عدا الممارسات القمعية الوحشية في بعض الفترات التاريخية ضده، على أساس ديني/ سياسي، مما أدى إلى التوطن في الجبال، والأماكن الوعرة، خوفاً من ظلم الأكثرية. تغيّر ذلك الوضع مع تزايد الوعي القومي العربي من بدايات القرن التاسع عشر. لكن الذاكرة تخزن، وما دام الجديد الحداثي ذو الأفق المفتوح نحو عالم الأمن والديموقراطية والنهوض الوطني العام ملتبساً، فإنّها تعود لتكرار الحقائق القديمة، وكأنّها لا تزال تُمارس، وتُعاش. هكذا يبدو وكأنّ التاريخ السوري قائم على ذلك الصراع، أي أنّ الأكثرية السنّية قامعة وقاتلة ومُفقرٍة ومغتصبةٍ للأقلية العلوية على طول الزمن. بالتالي، لا بد للعلويين من الوقوف إلى جانب السلطة الحالية، وإغماض العين عن الإفقار والقمع والقتل الحالي، واحتمال خطر التدخل الامبريالي، وتكريس كل الجهد وكل الوقت وكل الممارسات لديمومة السلطة سلطةً قامعةً ومستبدةً والمساهمة معها في قمع الانتفاضة «السنيّة» تلك. إذن بعد كل هذا الإلغاء، تُوهِم أوساط السلطة أبناء الأقلية العلوية، أنّه في حال انتصار الانتفاضة، ستُظهر الأخيرة مشروعها بوصفه مشروعَ الأكثرية الدينية، والمحدّد باجتثاث أبناء الطائفة العلوية وبقية الطوائف والأقليات، وسيُعاد القمع التاريخي إلى سيرته التاريخية، وستتهمّش تلك الطائفة، وسيُنتقم منها، وهناك من يضيف أنّ النظام الديموقراطي القادم، إذا تحقّق سيكون نظاماً سنّياً!
ذلك الوعي الطائفي، هو ما يجب تفكيكه، وهو الورقة السياسية الأخيرة، التي ستلعب بها السلطة والنظام بكلّيته، خصوصاً أنّه قد استنفره في الأشهر السابقة، وذلك لتأجيل سقوطه المحتمل، بعدما فشلت كل أساليب القمع الممنَهج.

بداية الالتباس بين الطائفة والسلطة

مثّلت الحركة التصحيحية لحظة النهاية لمرحلة ثورية، إذ برز الوعي القومي والماركسي والعلماني، وتراجع الوعي الديني والطائفي، وتزامن ذلك مع تهديم الأسس الاقتصادية للإقطاع والبرجوازية. اخترق النهوض العام البنية الاجتماعية القديمة، حيث الأكثرية والأقليات الدينيتان ضمن تشكيلات أهلية سياسية خاصة بالقرون الوسطى، وظهرت بالمقابل القوى السياسية الحديثة، ممثلة بأحزاب البرجوازية والإقطاع، وكذلك الفلاحون والعمال وأحزاب تمثل الطبقات المتوسطة، وكثير من التشكيلات المدنية كالنقابات والجمعيات والاتحادات والروابط والصحافة والأحزاب. لكن لأنّ حجم المشكلات كبير والمرحلة انتقالية في الخمسينيات والستينيات، ليس في سوريا فقط، بل وفي كل العالم العربي، فقد قدّم حزب البعث نفسه حزباً قادراً على حل تلك المشكلات، ولا سيما التوحيد القومي واسترجاع فلسطين والإصلاح الزراعي حلاً لمشكلة الزراعة والتأميم والنهوض بالصناعة. وبالتالي ظهر مدافعاً عن مصالح الفئات الأكثر فقراً، وعن الطبقات المتوسطة وعن القضايا القومية. كوّن له ذلك رصيداً كبيراً في الأوساط الريفية والمدينية الأكثر فقراً، وأوساط المثقفين والنخب المتعلّمة. فتعملق الحزب، ولم تمضِ سنوات الخمسينيات إلاّ وأصبح هو، الحزب الأساسي في سوريا.
بداية الالتباس، أنّه لم تمض سنوات الستينيات إلاّ وكان العدد الأكبر من ضباط الجيش من أصول مدينيّة وريفية من أهل السويداء والمسيحيين وقليل من الضباط السنّة. وفي النهاية تصدّر الجيش ضباط من الطائفة العلوية، وقد لعبوا دوراً أساسياً في انقلاب 8 آذار والحركة التصحيحية لاحقاً. سيكون لذلك الالتباس أثرٌ كبيرٌ على مشكلة الأقليّات والأكثرية في سوريا، ولا سيما في أزمة الثمانينيات. لا يعني ذلك وجود مؤامرة مسبقة لذلك التمركز في الجيش، بل نشير إلى أنّ طبيعة تطوّر الفئات المتوسطة التي حكمت سوريا كفئات اعتمدت الطريق العسكري والشمولية، أفضت إلى تلك النتيجة.
القيادات النافذة في الجيش كان لها مشروعٌ مختلفٌ، وبسبب شعورها بقوّة دور الجيش، اختارت إنهاء الصراعات الحزبية وتسلّم السلطة منفردةً، وهو ما تمّ لها بصفة مطلقة مع الحركة التصحيحية، مدعومة بتيارات انتهازية من الحزب، وبقوىً اقتصادية تجارية لم تتضرّر مصالحها. تلاقى ذلك، مع مصالح دول عظمى وإقليمية، متضررة من سياسات النظام قبل 1970. وبالتالي كان لا بد من إنهاء الأجواء القومية والاشتراكية حينذاك، وعبر الإيديولوجيا ذاتها وتهميش تحولات الستينيات، فكانت الحركة التصحيحية.
كانت الحركة التصحيحية حركة حزبية، تعبر عن مصالح فئات برجوازية متوسطة، حققت مصالحها عبر الانقلاب العسكري والسيطرة على الدولة، وبالاستناد إلى القطاع العام والإبقاء على المكتسبات الاجتماعية للفئات الفقيرة، مع التحوّل التدريجي نحو الفساد ونهب ملكية الدولة وتسخير مؤسساتها للإغناء الشخصي، حمتها سلطة مستبدة. وجاء وزير الاقتصاد السوري آنذاك، محمد العمادي، ليشرعن ذلك النهب وتأمين مصالح فئات مالية من خارج الدولة، في إطار البدء بالتحوّل نحو هيمنة اقتصاد السوق في منتصف الثمانينيات. وأَكمل ذلك المشروع، مع بداية الألفية، الدردري، حتى أطلقت السلطة في مؤتمر حزبها في 2005 اسم اقتصاد السوق الاجتماعي على الاقتصاد الذي نهبته وهي مستمرة فيه. وقد تمّ ذلك، وفق ثلاث مراحل: أولاً، عبر هيمنة القطاع العام. ثانياً، التعددية الاقتصادية. وثالثاً، التشاركية. وكان المقصود بالمصطلح الأخير هيمنة القطاع الخاص على بقيّة القطاعات. إذن، أخفى النظام الاستبدادي التسلطي آليات الفساد والنهب، وترافق ذلك مع الاعتماد على شخصيات أمنية ريفية، تُعد مُؤتمنة على نظام الحكم، وصولاً إلى أزمة الثمانينيات، التي خلقت وضعاً استثنائياً في تاريخ سوريا، وفي بروز «ظواهر طائفية» لدى السلطة. أي أنّ أزمة الثمانينيات، ساهمت في خلق وعي طائفي لم يعمل النظام على تلافيه مطلقاً، لأنّ تلافيه سيؤدي إلى تحوّل ديموقراطي في النظام السياسي، يمكن أن يهدد مصالح الفئات المتحكمة بالسلطة. ولذلك أُغلق الملف كلياً، ولم يفتح عبر أي شكل من الأشكال، بل وصدر قانون تجريمي لكل من ينتمي للإخوان المسلمين، وكأنّهم هم فقط سبب أزمة الثمانينيات، وأنّها أزمة تهديد للوجود الفيزيائي للطائفة العلوية.
السياسة الاقتصادية للطبقة البرجوازية المتوسطة ونهب الدولة، أدتا إلى بروز كتلة بشرية مفقرة ومهمشة تُعدّ بالملايين، ومصاعب وتعقيدات بيروقراطية أمام أصحاب الثروات الكبيرة، وتدمير لقطاعات الصناعة بسبب الانفتاح غير الوطني على السوق العالمية ولا سيما التركية أخيراً والصينية قَبلها. وكان لرفع أسعار مواد الزراعة ومشتقات النفط أكبر الأثر، عدا إدامة السلطة السياسية سلطة مستبدة منذ السبعينيات. وتزامن ذلك مع شرط عربي ثوري، ونجاح الثورة التونسية والمصرية وتزلزل أركان السلطة اليمنية والليبية واندلاع الانتفاضات والتظاهرات في كل من البحرين والأردن والجزائر وغيرها. تلك الشروط هي ما أدّت إلى اندلاع الانتفاضة السورية؛ وبشروط سياسية استبدادية وبغياب أيّة حياة سياسية مستقلة عن الدولة والسلطة، وتم كل ذلك في ظل وعي مجتمعيّ تقليدي؛ لكن كذلك مع وعي عميق بأنّ السلطة لا دين لها، وأنّها المسؤولة عن إفقار السوريين، وأنّ هذا الإفقار عام وشامل لكلّ المدن السورية، ولا بد من إسقاط النظام، كما يجري في طول العالم العربي وعرضه.
هناك مشكلة معقدة في سوريا هي عدم وجود أي متنفس ديموقراطي، فلا إعلام حرّ ولا حريّة أحزاب، ولا أيّة مؤشرات لحياةٍ سياسية حقيقية، كما لم تحدث مكاشفة ومصالحة عن أزمة الثمانينيات، التي هي في وجه منها، أزمة حزبٍ طائفيٍّ ونظامٍ مستبد، جزء من قواته العسكرية لها سمة طائفية، هي «سرايا الدفاع»، فبقيَ الوعي محتجزاً لدى أعدادٍ كبيرة من الطائفة العلوية في العقود السابقة، وحالما بدأت الانتفاضة ظهر أنّ ما يحدث موجه ضدها، وليس ضد النظام فقط. وهنا استغل النظام تلك الوضعية، وبدأ بتمرير سيناريوهاته عن الانتفاضة. فظهر بندر بن سلطان «الإسلامي»، ومشروعه الانقلابي على سوريا انتقاماً منها، ومن ممانعتها، ومن قتلها للحريري الأب. وكان المقصود هنا، أنّ بندر يحرك السنّة ضد النظام، الذي هو في أوهام الأوساط القريبة من السلطة نظامٌ علويٌّ. وبعد اشتداد الانتفاضة، تمّ اختراع قصة السلفيين والأمراء الإسلاميين، وذلك السيناريو لم يصمد بدوره طويلاً، إذ تبيّن أنّ لا أحد يعيره اهتماماً حقيقياً، لكنّه فكرة أيديولوجية سلطوية لضبط الأقليّات خلف السلطة وكذلك قوى الأمن والجيش. ولأنّ الجيش صار يرصد ممارسات أجهزة الأمن، ويمانع القتل، راح يتشابك في جميع المحافظات تقريباً حمايةً للمتظاهرين، مع أفراد القوات الأمنيّة، وحينها بدأت عمليات قتل عناصر من الجيش وضباطه.
وقد تمّ استثارة التخوّف الطائفي في المدن ذات الاختلاط الديني، ورُويت قصص وممارسات تشير كلّها إلى دور أوساط قريبة من السلطة في بثها، مضمونها أنّ الأحياء العلويّة أو السنيّة ستهاجم الأحياء الأخرى، وذلك بغية خلق أوسع شرخٍ بين الطوائف والوصول إلى نوع من الحرب الأهليّة، في حال تطورت الانتفاضة في بعض المدن. وفعلاً نجح النظام في تحييد الطائفة العلوية، لكنّه فشل فشلاً ذريعاً في تحويل انتفاضة تلك المدن إلى طائفية.
لم تكتفِ أوساط السلطة باستخدام أجهزة الأمن المختلفة والجيش، بل أدخلت ما يسمى «الشبيحة» في قمع المتظاهرين وقتلهم، وكذلك سمحت وربما نظّمت عمليّة دخول قسم صغير من أبناء الطائفة العلويّة إلى مناطق التظاهرات، للمشاركة في فعل القمع. هكذا، حاولت السلطة توريط جزء من شباب الطائفة في ذلك، واعتمدت في الإعلام، على قصص وأفلام وتمثيليات تشير إلى أن الانتفاضة فعلٌ سنيٌّ، وأنّ المستهدف هو الأقليّات ولا سيما تلك الطائفة، وبالتالي توقفت الدولة السورية عن أن تكون دولة، وصارت دولة تتحكم بها سلطة، وتوظف قدراتها ومؤسساتها، العسكرية والسياسية والإعلامية.
المعارضة الداخلية من جهتها، وبدلاً من طرح برنامج وطني ديموقراطي عام، فإنّها تأخرت لأشهر حتى شكلت لجنتها التنسيقية، لإبداء الرأي حول ما يجري في البلاد، ورغم أهمية خطوتها المتأخرة، فإنّها لم تعطِ تطمينات حقيقية لتلك الأقليّات، لكن خطوتها هامة في التقارب المجتمعي. أما المعارضة الخارجية، التي يهيمن عليها الأخوان المسلمين، فلم تفعل أي شيء لمناقشة تلك القضية، ولم تقدم رسائل تعترف بدور الشعب، كل الشعب في بناء دولته المدنية، بعيداً عن أي مرجعية دينية، ليظهر وكأنّها تنتظر لحظة سقوط النظام للهيمنة عليه. والمؤتمرات التي عقدتها وتشكيل المجلس الوطني أخيراً، يسمح بتخوفات فعليّة عند أبناء تلك الأقليّات، ويكمل ذلك أيديولوجية السلطة بتخويف الأقليات.
لعبت قناة الوصال وغيرها وظاهرة الشيخ العرعور الرديئة وأمثاله على طرفي الصراع الدائر، دوراً في تلك التخوّفات، عدا آلاف القصص الكاذبة التي تشير إلى سنيّة الحراك. وبالتالي يقع على المعارضة الداخلية والخارجية، أن توضح البرنامج الوطني الديموقراطي العام، وأن تحدّد مشكلات سوريا، دون أي أوهام، وتقديم ضمانات فعليّة تخص حياة تلك الأقليّات والأكثريّة بعد نجاح الانتفاضة، وأن تؤكد أن مستقبل البلاد هو حصراً دولة مدنيّة حديثة، يحكمها نظام ديموقراطي يستند في كل قراراته إلى الشعب، وليس إلى أيّة شريعة.
يجب أن يكون واضحاً أنّ الطائفة العلويّة، ككل طوائف سوريا، فيها الفقير والثري، وهي متخوفة من الأكثريّة كحال كلّ الأقليّات في مراحل الانتقال وتغيير السلطة، ولا سيما حين لا يكون المستقبل واضحاً وجليّاً، وحين تكون السلطة استبدادية بالمطلق. لكن هي وغيرها بدأت تشير إلى تغيّرٍ في موقفها والاشتراك في فعل الانتفاضة.
إنّ السوريين كلّهم مواطنون متساوون أمام القانون. ذلك ما نسعى إليه جميعاً، وذلك ما تسير الأحداث نحوه، وهو بالضبط ما يفكر فيه المنتفضون. إنّهم ورغم كل محاولات السلطة دفعهم نحو الطائفية والحرب الأهليّة، يرفضون ذلك بإصرارٍ بالغٍ. ذلك ما فعله أهالي بانياس واللاذقية وحمص وطرطوس وكلّ مكان فيه أقليّات وأكثريّة متداخلة.
* كاتب سوري