إعلان الولايات المتحدة عن أولى الخطوات الممهدة لـ«صفقة القرن» في مؤتمر المنامة، فرض تحديات على جميع الدول العربية. والاشارة العلنية الى استثمارات بقيمة 50 مليار دولار في الأراضي الفلسطينية ومصر والأردن ولبنان، فتحت الباب أمام أسئلة كبيرة، حيث لا تزال الحكومة، الناطقة الرسمية باسم لبنان، صامتة حتى اللحظة، علماً بأن رئيس مجلس النواب نبيه برّي رفض الصفقة «كي لا يفسّر البعض الصمت الرسمي اللبناني قبولاً بالعرض المسموم»، وتبعته مواقف تظل في اطار التعبير عن نفسها.

صمت الحكومة ورئيسها، وعدم مبادرة الرئيس ميشال عون الى خطوة عملانية، جعلا مرجعيات في فريق 8 آذار تسأل عمّا إذا كان الصمت متعمّداً، أم ان المعنيين غير مدركين لخطورة الوضع، خاصة أن لبنان هو أكثر المستهدفين من زاوية اللجوء الفلسطيني على أراضيه، كما من زاوية النزاع الحدودي البري والبحري مع العدو. واستغربت هذه المراجع عدم دعوة الحكومة الى اجتماع عاجل لإعلان الموقف الرسمي والموحّد من الصفقة.
ويبدو أن هناك تباينات فعلية بين القوى البارزة، بعدما بات معروفاً أن بعض القوى السياسية يراهن على مساعدات مالية كبيرة من مؤتمر «سيدر»، الذي بات البعض يخشى أن يكون مصيره رهن الصفقة نفسها، خصوصاً أن المسؤول الاميركي ديفيد ساترفيلد كان قد أشار في لقاءاته البيروتية الى أن عدم رفض لبنان للصفقة سيسمح للولايات المتحدة بالضغط على جميع الدول للمساهمة في إنقاذ الاقتصاد اللبناني، ما يفتح الباب أمام أسئلة عمّا اذا كانت هناك قوى لبنانية تعمد الى مسايرة أميركا التي تستخدم سياسة الخنق الاقتصادي لبعض دول الشرق الأوسط، ومنها لبنان، لذا «تستعجل تطبيق شروط المؤتمر».

لبنان مستهدف أول، سواء بملف اللجوء الفلسطيني أو ملف النزاع الحدودي


وبحسب المراجع، فإن الخشية تكمن في أن يكون التقاعس في إطلاق موقف رسمي حتى الآن مردّه إلى «انتظار الموقف السعودي – الإماراتي الملتبس». وقد يكون الحريري نفسه يتعرّض للضغط، إذ ليسَ من باب المصادفة أن يقوم وفد من مجلس الشورى السعودي بزيارة للبنان قبل أيام من كلام كوشنر والحديث عن زيادة الدعم الخليجي في المرحلة المقبلة.
وعلى ضوء المعطيات الجديدة، عادَ ملف ترسيم الحدود البرية والبحرية الى دائرة البحث في الداخل اللبناني، بعدَ دخوله مرحلة المراوحة. ففي وقت سابق، كان ساترفليد ينقل الى الجانب اللبناني قبول تل أبيب بالآلية التي وضعها لبنان كشرط للتفاوض، قبلَ أن يعلن في زيارته الأخيرة تراجع العدو عن الالتزام خطياً ببند التلازم بينَ البرّ والبحر. وفي هذا الإطار رجّحت مصادر معنية أن «يكون التراجع أميركياً وليس إسرائيلياً، ربطاً بصفقة القرن»، من باب «المراهنة على الخلافات اللبنانية على آلية التعامل مع مسار التفاوض، رغم الحديث عن توحيد الموقف». والدليل «انزعاج بعض الأطراف، تحديداً الرئيس سعد الحريري، من تكليف بري بالملف بعدَ أن منّى نفسه بأن يتولاه هو ويقدمه كهدية لكوشنر».
وعلمت «الأخبار» أن برّي «لن يلتقي مجدداً بساترفليد، وأنه طلب منه أن يرسل كتاباً خطياً بأيّ جديد حول الموقف الإسرائيلي لدراسته، لأنه يعتبر أن اللقاء يجب أن يحصل في حال كان هناك جدية في التعاطي من الجانبين الإسرائيلي والأميركي للبدء بتنفيذ الآلية التي وضعها لبنان»، علماً بأن الأوساط لمّحت إلى «احتمال أن يكون الأميركي نفسه تراجع عن رغبته في الترسيم، إذ إن مشروع صفقة القرن الذي تدفع الولايات المتحدة في اتجاهه يحمل في طياته التنازل عن مزارع شبعا وكفرشوبا، والقبول بحدود بحرية وبرية تقتطع إسرائيل منها مساحات خاضعة للسيادة اللبنانية».