«ما نحتاج إليه هو البدء بالاعتراف بالحقائق، وأعتقد أننا عندما نعترف بالقدس (عاصمة لإسرائيل) فهذه حقيقة. القدس هي عاصمة إسرائيل، وهذا سيكون جزءاً من أيّ اتفاق نهائي في كل الأحوال»

(جاريد كوشنر)

لدى البحث ومحاولة التعرف إلى جاريد كوشنر، هناك دائماً سردية يمكن الانطلاق منها: اقتناص الفرص، أو الانتهازية بمعناها الأوسع. لدى البحث أكثر، ستجد عشرات التقارير والمقالات، غالبيتها بمضامين متشابهة، تتحدّث عن شخص من خارج عالم السياسة لا يعرف الكثير عمّا يدور في داخلها، أوكِلت إليه مهام كثيرة، في مقدّمتها وضع «رؤيةٍ» تهدف، على المدى الطويل، إلى تصفية القضية الفلسطينية. لكن الفرص وحدها لا تكفي في إدارة تتشابك فيها عوامل عديدة لتجعل من الشخص موضع ثقة. أبرز تلك العوامل: العائلة، التي مثلّت رافعة دونالد ترامب الأساسية للوصول إلى البيت الأبيض. كوشنر، ابن هذه العائلة، وزوج إيفانكا التي يعتقد ترامب بأنها أكثر شخص مبهر وُجِد على الإطلاق، ما يعني أن الثقة الممنوحة لمستشار الرئيس وصهره تنبع أولاً وأساساً من شعور عاطفي أبوي تجاه ابنته المفضّلة. عشية تنصيبه، توجّه ترامب إلى كوشنر، بالقول: «إذا لم تتمكّن من صنع السلام في الشرق الأوسط، فإن أحداً لن يستطيع».
لعامين ونصف عام غرق جاريد في صياغة خطّة مفصّلة لما اصطلح على تسميته «صفقة القرن»، تسعى بمداها القصير إلى «تصويب النقاش» في شأن القضية الفلسطينية، أي تفريغ النقاش من مضمونه عملياً. قادَ كوشنر فريقاً صغيراً يتألف من سفير أميركا لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، ومبعوث ترامب للسلام في الشرق الأوسط جيسون غرينبلات. ثلاثة يهود أرثوذوكس وضعوا بنودَ رؤية «السلام من أجل الازدهار» بشقّيها السياسي المتحفَّظ عليه «للوقت المناسب»، والاقتصادي الذي أُفرج عن مضمونه قبل أيام من انطلاق «ورشة المنامة». هذان العامان كانا كافيين لإنضاج تجربة كوشنر، حتى بات يعتبر أن نهجه الاقتصادي يماثل في أهميته «خطة مارشال» (وضعتها الولايات المتحدة عام 1948 لإعادة إعمار دول أوروبا الغربية التي دمّرتها الحرب العالمية الثانية).

ثلاثة يهود أرثوذوكس وضعوا بنودَ رؤية «السلام من أجل الازدهار»


بعيداً عن ترامب والعائلة بمفهومها الضيّق، فإن أحداً لا يعتقد أن بإمكان كوشنر تطبيق رؤيته. وبالنظر إلى انعدام فرص نجاح خطته، يبدو التساؤل عن سبب اهتمام إدارة ترامب بهذا كله، مغرياً. «ربّما لستُ الشخص الذي سيصنع السلام في المنطقة»، يقول. وبهدف شرح منطقه، يشدّد، في إطار لقاء نظّمه «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى» (أيار/ مايو الماضي)، على أنه أراد «تغيير النقاش». ذلك يعني، عملياً، ترسيخ كل ما فعلته إدارة ترامب، حتى الآن، لإضفاء مزيد من الشرعية على الاحتلال، والإلقاء باللوم على الفلسطينيين لرفضهم «فخّ كوشنر». ويعني حتماً تبديل أسس المقاربة الأميركية للقضية الفلسطينية، ما سيرغم الرؤساء المقبلين على مجاراة خطوات ترامب، أو المخاطرة بردّ فعل ساخط من إسرائيل وحلفائها، وفق «كارنيغي».
«الوثيقة العملية المفصّلة»، أو وثيقة كوشنر، هي إذاً «نقطة بداية لحلّ الصراع»، ولكن بعيداً عن أيّ فكرة جرى تداولها في السابق، أو بمعنى أدقّ: حل الدولتين. «إذا قلت دولتين، فهذا يعني شيئاً للإسرائيليين، وشيئاً آخر مختلفاً عنه للفلسطينيين... لذا، قلنا إن علينا ألا نأتي على ذكر ذلك. فلنقل إننا سنعمل على تفاصيل ما يعنيه ذلك». هَوَسُ الشاب القادم من عالم الاستثمارات والأعمال بحداثة مقاربته دفعه إلى القبول بالفشل، وإنْ على قاعدة: «إذا كنا سنفشل، فلا نريد الفشل ونحن نكرر الطريقة نفسها التي اعتُمدت في الماضي». بسخرية، يعلّق محاوره، روبرت ساتلوف: «هل تريد أن تكون متميزاً في فشلك؟». علماً بأنه يشير بوضوح إلى أنه لن يخيّب آمال ترامب: «عندما تعمل لمصلحة رئيس، تحاول جاهداً ألا تخيّب ظنّه... وعندما تعمل لمصلحة والد زوجتك، لا يمكنك أن تخيّب أمله». في حوار آخر مع جوناثان سوان لتلفزيون «إتش بي أو»، يقسّم كوشنر الفلسطينيين إلى فئتين: تكنوقراط (يريدون دولة فلسطينية)، وأناس عاديون «يريدون فرصة لحياة أفضل، يريدون فرصة لدفع رهنهم العقاري». هكذا، باختصار، فإن الشعب الفلسطيني يحتاج إلى «نظام قضائي عادل، وحرية صحافة، وتسامح مع كل الأديان، قبل أن تصبح الأراضي الفلسطينية قابلة لإدارة دولة».
ليست المشكلة، وفق «نيويورك تايمز»، في افتقار صهر ترامب إلى المؤهّلات والخبرة والمعرفة اللازمة فحسب، فهو يفتقر أيضاً إلى الموضوعية والتوازن. فالشاب اليهودي المتديّن تربطه علاقات لا لبس فيها بإسرائيل. أحد حاخامات جامعة هارفرد العريقة، التي تخرّج فيها كوشنر، يقول إن «إسرائيل لم تكن بالنسبة إلى (جاريد) محلّ نقاش سياسي... كانت عائلته وحياته وناسه». وأكثر من ذلك، تنقل «التايمز» عن مقرّبين من صهر الرئيس قولهم إن «تكوين جاريد العائلي والنفسي موجّه نحو حماية إسرائيل». هذه الشخصية نفسها، مع كل تلك الارتباطات بإسرائيل، أوكِلت إليها مهمّة حل قضية الصراع الفلسطيني ــــ الإسرائيلي.