تتلطّى السعودية خلف البحرين. هذا هو دأبها دائماً في كل ما يتّصل بالتطبيع مع إسرائيل، حتى باتت المملكة الصغيرة توصَف إسرائيلياً بأنها ــــ بالنسبة إلى المملكة الكبيرة ــــ «مِثلُ الكناري في منجم الفحم». تماماً كما يمثّل موت هذا الطائر إنذاراً للعمال بوجود خطر، تنظر الرياض إلى المنامة بوصفها مختبراً لإمكانية وضع نهاية لـ«الصراع الدامي الذي استمرّ طويلاً» على حدّ وصف دبلوماسي سعودي تحدث قبل يومين إلى صحيفة إسرائيلية. الاختبار الجديد تشهده العاصمة البحرينية اليوم، برعاية سمسار العقارات و«القضايا»، جاريد كوشنر. بعد مخاض عسير دخلته السعودية على مرّ الأشهر الماضية من أجل اجتذاب حلفائها إلى «بازار صفقة القرن»، ينعقد ما سُمّي «مؤتمر السلام من أجل الازدهار» بصورة هزيلة، على رغم أن محاولات الرياض استنقاذه استمرّت حتى قبل أيام قليلة من انطلاقه، عبر ضغوط مكثّفة على رام الله استهدفت دفعها إلى المشاركة، وفقاً لما أفادت به معلومات «الأخبار».

على قاعدة «بطون ممتلئة = حياة هادئة = أفق حقيقي»، والتي نظّر لها الديبلوماسي السعودي المذكور في مقابلته مع صحيفة «غلوبس» الاقتصادية الإسرائيلية، تواصل المملكة الترويج لخطة إدارة دونالد ترامب لتصفية القضية الفلسطينية، بعدما كانت سعت في إقناع السلطة بقبول الخطة مقابل «10 مليارات دولار، وسفارة لدولة فلسطين في أبو ديس» (راجع «الأخبار»، مراسلات «صفقة القرن»، عدد 30 نيسان 2019). حتى وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودي، عادل الجبير، لم يتردّد في الإفصاح علناً عن تزكية بلاده تلك المعادلة المسمومة بقوله إن «أي شيء يحسّن وضع الشعب الفلسطيني ينبغي أن يكون موضع ترحيب». دعوة لا تلقى، إلى الآن، آذاناً صاغية، على رغم مشاركة دول عربية من خارج المنظومة الخليجية في «ورشة المنامة»، من باب «معاينة البضاعة» كما تقول، في محاولة لتبرير موقفها. مع ذلك، تتطلّع السعودية، ومعها حلفاؤها الخليجيون، بعين الأمل إلى «مؤتمر المنامة»، بوصفه لَبِنة جديدة على طريق تمتين العلاقات مع إسرائيل، التي «أظهرت للعالم الخطر الإيراني»، وفق ما باتت الرياض لا تجد حرجاً في قوله.
ها هنا يكمن بيت القصيد: لقد «انتهى عصر الحرب» بين العرب وإسرائيل، وحان وقت التفرّغ للحرب على إيران. تقولها السعودية بالفم الملآن، وتجتهد في تكريسها على الأرض عبر ضخّ جرعات تطبيعية تصاعدية شيئاً فشيئاً. في هذا الوقت، «يتسلّى» كوشنر بحديث «تحقيق الرخاء للأجيال المقبلة»، فيما تشدّد إدارته الخناق على قوى المقاومة في المنطقة على نحو غير مسبوق. الهدف إخضاع هذه القوى ومن ورائها إيران، وإيصال الفلسطينيين إلى مرحلة اليأس من إمكانية تبديل الوضع القائم، بما يدفعهم أخيراً إلى قبول الفتات الذي يعرضه عليهم ترامب: لا أرض، لا دولة، لا حرية، لا سيادة... فقط وظائف واستثمارات يجرؤ صهر الرئيس الأميركي على تسميتها «فرصة القرن». فرصةٌ تشتغل المقاومة، على المقلب المضادّ، على رسم ما يناقضها تماماً، في وقت يبلغ فيه الهزء السياسي الأميركي حدّاً لم يعد معه مقبولاً حتى لدى دعاة المسار التفاوضي أو المطبّعين من مثل رام الله وعمّان. ومن منظار أكبر، يَثبت يوماً بعد يوم عقم الخيارات الأميركية في مواجهة طهران، التي وصفت أمس «صفقة القرن»، وباكورتها «ورشة المنامة»، بـ«المخزية»، مؤكدة أن «مصيرها الفشل». حقائق ثلاث يبدو اجتماعها كفيلاً بإيصال «خطة ترامب لسلام الشرق الأوسط» إلى طريق مسدود... ولو كرهت السعودية وخلفها طابور المطبّعين. مع هؤلاء الصغار الخونة، لم يعد النقاش مجدياً، وربما الأجدر أن نخاطبهم بما قاله يوماً الشاعر العربي الكبير مظفر النواب في قصيدته «أفضحهم»:
«أقتلع المحتّل / والمختلّ بالتطبيع / والذين مارسوا الخنا / إن علناً / أو خفية / أو بين وبين! / هذا حجري يوشك بالصياح / أفضحهم... / قد غسلوا وجههم ببولهم / بولوا عليهم! / علّهم يصحون من غبائهم / ولست مازحاً / إرادة الشعوب تكره المزاح»!