«لديّ استعداد للانضمام إلى ائتلاف حكومي يشكله رئيس حزب «أزرق أبيض» بيني غانتس»، هذا ما أدلى به أيمن عودة. الصحيفة الناشرة، «يديعوت»، رأت في أقواله «مفاجأة»، متناسية أنه دوماً ردّد مثل هذه الأفكار. ولئن ربط عودة كلامه هذه المرة بمجموعة شروط، فإن احتمال انضمام قائمته إلى حكومة يسار ـــ وسط ضعيف، خاصة أن من يريد التحالف معهم قالوا بصراحة إنهم «لن يقيموا تحالفاً مع العرب».

مع أن التصريحات الأخيرة لرئيس «القائمة العربية المشتركة»، أيمن عودة، التي ستُنشر غداً كاملة في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، بعدما كُشف جزء منها أمس، ليست الأولى من نوعها، إلا أنها تأتي هذه المرة في ظلّ ركود انتخابي يُظهر حجم ملل فلسطينيي الـ48 من مجمل التجارب الانتخابية، وأيضاً مع نشر نتائج استطلاعات رأي ترجّح انخفاض عدد المقاعد العربية ونسبة التصويت لها. لذلك، قد يُنظر إلى كلام عودة كبالون اختبار من جهة، وكمحاولة لإعادة انتخابات «الكنيست» إلى مركز اهتمامات الفلسطينيّين ونقاشاتهم من جهة ثانية، خاصة أن أقلّ من شهر يفصل عنها.
في الشكل العام، تدعو أجندة «الحزب الشيوعي الإسرائيلي ــــ الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة»، بصراحة، إلى «التعايش بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتحقيق السلام على أساس دولتين لشعبين... والسلام بين الدول العربية وإسرائيل»، فضلاً عن قضايا أخرى، مثل تحقيق الرفاه الاجتماعي. لذلك، ما قاله عودة هو الدعوة الطبيعية للحزب الذي نشأ فيه، لكن المشكلة ليست في أمنيات رئيس القائمة التي لا تتحقق فحسب، بل في أن من يدعو إلى التحالف معهم يرفضونه بصراحة. والشروط التي طرحها لانضمام قائمته إلى ائتلاف حكومي يُشكّله «أزرق أبيض»، والتي شملت: «إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية، تحسين مكانة المواطنين العرب، إلغاء قانون القومية وتوسيع مسطحات البلدات العربية، إقامة أول مدينة عربية... إلخ»، يستحيل على أي رئيس حكومة تحقيقها. بل حتى إسحاق رابين، الذي وقّع بنفسه على «اتفاق أوسلو»، كان سيعارض تلك الطروحات التي تناقض جوهر المشروع الصهيوني.
على هذه الخلفية، يعكس كلام عودة، بصفته مسؤولاً سياسياً، حجم الأزمة في الأرض المحتلة، أولاً لناحية أنه لا يوجد مشروع سياسي حقيقي يمثل تطلعات الفلسطينيين، وثانياً على مستوى القيادة، فكيف برئيس قائمة تُمثل ما يزيد بقليل عن ثلث ناخبي فلسطينيّي الـ48 أن يدلي بتصريحات تضرّ أصلاً بعملية الانتخاب نفسها وتشجّع على مقاطعتها؟ ولا سيما أن فئة كبيرة من المصوتين لـ«المشتركة» لا يصوتون لها رغبة في برنامجها، بل لأنه لا بديل فلسطينياً حقيقياً منها، كما يريدون أن يكون لهم مجرد صوت يعارض من قلب «الكنيست» السياسات العنصرية التي يُشرّعها الأخير (بوزرائه ونوابه الإسرائيليين) ضدهم. أما رئيس القائمة، فيطرح إمكانية التحالف مع شخصية إسرائيلية، أقلّ انطباع عنها في أذهان الفلسطينيين هو: «الجنرال بيني غانتس جزّار غزة»!

لاقت تصريحات عودة رفضاً من شركائه ومن الإسرائيليين أنفسهم


تبريره كلامه، عبر منشور على صفحته في «فايسبوك»، كان «المصيبة الأعظم»؛ إذ أكد أولاً ما نشرته الصحيفة، وثانياً ادعى أن هدفه «إحراج غانتس وحزبه»، الأمر الذي يُفهم كاعتراف ضمني منه بأنه قرأ طروحات «أزرق أبيض» على أساس أنها قد تدعو إلى التعايش أو المساواة، مع أنها في حقيقتها لا تناقض ولا تختلف عمّا تدعو إليه بقية الأحزاب الصهيونية. جراء ذلك، لاقت تصريحاته معارضة من خصومه في بقية الأحزاب التي تؤلف «المشتركة»، خاصة «التجمع الوطني الديموقراطي»، بل حتى داخل حزبه. وقالت زميلته النائب عايدة توما ـــ سليمان إن تصريحاته «رأي شخصي»، مضيفة في حديث إلى «الإذاعة الإسرائيلية العامة» أمس أن «لديّ شكوكاً (في تحقق ما يدعو إليه عودة). للأسف الشديد في الخريطة السياسية اليوم، حتى أولئك الذين يحاولون وصف أنفسهم كيسار، وهم بعيدون عنه، ليست لديهم الشجاعة لذلك». أما النائب «التجمعي»، إمطانس شحادة، فوصف أقوال عودة بـ«البائسة»، قائلاً: «دعونا لا ننسى أن غانتس وشريكه لابيد لا يريدان التوجه إلى المشتركة أبداً».
على مستوى المسؤولين الإسرائيليين، برزت تصريحات المُرشحَين الثاني والرابع في «أزرق أبيض»، يائير لابيد، ورئيس هيئة الأركان الأسبق الجنرال غابي أشكنازي، التي رفضا فيها دعوة عودة، مشددَين على أنه «لا يمكن الجلوس مع الأحزاب العربية التي لا تعترف بإسرائيل دولةً يهودية». كذلك، استغل رئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان، الذي وقع اتفاق «فائض أصوات» مع «أزرق أبيض»، الحدث، ليصوّب باتجاه رئيس الوزراء، بنيامن نتنياهو، معتبراً أن «الإعلان الغريب لعودة ينطوي على محاولة لإضفاء شرعية لتعاون خطير بين الليكود والقائمة المشتركة، فيما الهدف تشكيل حكومة مع الحريديم (الأحزاب الدينية اليهودية التي ترفض قانون التجنيد الذي طرحه ليبرمان) بدعم الأحزاب العربية». من جهته، أصدر «الليكود» بياناً استغلّ فيه أقوال عودة لدعوة أنصار اليمين إلى التصويت له، لأن الأمور «صارت الآن أوضح: غانتس سيشكل حكومة يسار مع عودة والأحزاب العربية. من يريد حكومة يمين، فعليه التصويت لليكود فقط»، علماً أنه لا اختلاف حقيقياً بين طروحات كلّ من «الليكود» و«أزرق أبيض».
في الخلاصة، يمكن القول إن ما يروّج له رئيس «القائمة المشتركة» ينطوي على خطورة بالغة، إذ إنه يمثل دعوة علنية إلى المساومة على حقوق مَن مَنح قائمته الثقة، في عملية جوهرها أصلاً محاولة تحسين شروط الحياة من قلب المؤسسة الصهيونية. لكن من يؤمن بطروحات رئيس القائمة ودعوته لن يجد حرجاً في دعوة الشباب الفلسطينيين إلى التجند لخدمة الجيش الإسرائيلي مقابل منحة تعليمية أو رخصة بناء على مساحة أرض مصادَرة... أو حتى مقابل أن يصبح مواطن «درجة أ».