أسباب عديدة يمكن أن يُعزى إليها «الإنجاز» الذي ترى «القائمة العربية المشتركة» أنها حقّقته في انتخابات «الكنيست» الإسرائيلي قبل أيام. أسبابٌ لعلّ أهمها أن القائمة بنت، في تحضيراتها للانتخابات الأخيرة، على أن الحالة العامة لدى فلسطينيّي الأراضي المحتلة عام 1948 هي الرغبة في «إطار سياسي جامع»، يعوّض حالة التفكك التي يعيشها الفلسطينيون خاصة، والمحيط العربي من حولهم عموماً. في انتخابات «الكنيست الـ21» في نيسان/ أبريل الماضي، تفكّكت «المشتركة» إلى قائمتين: (الأولى تحالف بين «الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة» بقيادة أيمن عودة، و«الحركة العربية للتغيير» بقيادة أحمد الطيبي؛ والثانية تحالف بين «التجمع الوطني الديموقراطي» بقيادة إمطانس شحادة، و«الحركة الإسلامية - الشق الجنوبي» بقيادة منصور عباس). آنذاك، لم تستطع القائمتان سوى الحصول على عشرة مقاعد فقط، بل إن 130 ألف فلسطيني مِمّن يحق لهم الاقتراع صوّتوا للأحزاب الصهيونية!

تفكك «المشتركة»، نتيجة خلافات على تناوب المقاعد وتضارب المصالح الشخصية، انعكس على وضع القائمة التي كانت قد عجزت أصلاً، طوال السنوات الأربع الماضية، عن الحدّ من السياسات والقوانين العنصرية في «الكنيست»، بل إن قانونَي «القومية» و«كامنتس» جرى سنّهما في عهدها، في الوقت نفسه الذي بقي فيه خطاب المقاطعة يتنامى. خسارةٌ نبّهت النواب الفلسطينيين إلى ضرورة التحالف مجدداً، علماً أن هذا التكتل، الذي بُنيت على أساسه «المشتركة»، إنما تشكّل عام 2015 للتمكن من تجاوز نسبة الحسم أو العتبة الانتخابية، أي النسبة المطلوبة للحصول على مقعد تمثيلي في «الكنيست». وعلى قاعدة «الهم الواحد والمصير المشترك»، تمكنت الأحزاب العربية الأربعة في انتخابات 2015 من أن تستقطب 430 ألف صوت فلسطيني لتفوز بـ13 مقعداً. مع ذلك، بقي ما نسبته 45% من أصحاب حق الاقتراع من الفلسطينيين خارج اللعبة، وهم الذين يرون أن وحدة الأحزاب العربية لا تعبّر عن تطلعاتهم، كذلك فإنهم يقاطعون الانتخابات لأسباب كثيرة، أهمها أنهم لا يرون في «الكنيست» إلا مكاناً يشرّع فيه الاحتلال الجرائم والعنصرية ضدهم وضد أبناء شعبهم في كل مكان، إضافة إلى فقدانهم الثقة بالمنظومة السياسية الإسرائيلية والقدرة على التغيير من داخلها في أيٍّ من المسائل المصيرية المتعلقة بمستقبلهم.

بخلاف ما روّجه عودة، من صوّتوا لـ«القائمة المشتركة» لا تتجاوز نسبتهم 55%


لما حُلّ الكنيست في أيار/ مايو الماضي إثر إخفاق رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، في تشكيل الحكومة، برزت فرصة جديدة أمام «المشتركة» لتدارك وضعها، فأعادت توحيد مركّباتها. وبما أن الأحزاب الأربعة تحمل خطابات أيديولوجية مختلفة؛ إذ بينها الداعي إلى «السلام والمساواة» و«العيش المشترك» والتحالف مع «اليسار» الإسرائيلي، وأخرى تحمل شعار «الهوية القومية والمواطنة الكاملة» غير المشروطة، كان من الطبيعي التوصل إلى صيغة شبه مشتركة. لكن ما بدا واضحاً، أن الخطاب الأول سيطر على طروحات «المشتركة»، التي نادى رئيسها، عودة، في هذه الانتخابات، وبكل صراحة، بالدخول في ائتلاف حكومي مع حزب «أزرق أبيض» الذي يقوده ثلاثة جنرالات، بينهم وزير أمن ورئيسا هيئة أركان سابقون، وذلك بحجة إقامة جسم مانع (كتلة تمنع نتنياهو من تشكيل الحكومة)، على غرار الكتلة التي تشكلت عام 1992 بوجه رئيس الوزراء السابق إسحاق رابين. دعوة عودة انطلقت من اعتبارين: الأول هو الترويج للقائمة على أنها «اليسار الإسرائيلي الحقيقي»، والثاني إيهام الفلسطينيين بأنهم مؤثرون وفي استطاعتهم إسقاط «الفاشي» نتنياهو. ولذلك، استطاع رئيس القائمة استجلاب نحو 70 ألف صوت من أصل الـ130 ألفاً الذين منحوا أصواتهم للأحزاب الصهيونية (في غالبها أحزاب «يسار») في الانتخابات الماضية. وفي مقابل التخويف من اليمين الذي يقوده نتنياهو، كان الأخير يمارس تخويفاً مضاداً لقاعدته الانتخابية، مخاطباً إياها في أكثر من مناسبة بأن «العرب سيهرعون إلى صناديق الاقتراع وينهون حكم اليمين». وهو، وإن لم يستفزّ قاعدته على النحو الكافي (كما تظهر النتائج)، إلا أنه استفزّ الفلسطينيين من غير المقاطعين على ما يبدو.
يُضاف إلى ما سبق، ما مارسته «المشتركة» ومعها عشرات الجمعيات المدعومة مادياً من لوبيات يهودية - أميركية، وذلك في حملة دعائية لم يسبق لها مثيل في تاريخ الانتخابات الإسرائيلية. فقد استخدمت شخصيات ثقافية وفنية مؤثرة للدعوة إلى التصويت والمشاركة في الاقتراع بصفته «فعلاً مهماً»، وإن كانت نتائجه غير مهمة (راجع العدد 3865). إلا أن الأرقام التي روّج لها عودة، في خطابه أول من أمس، وفيها أن «90 بالمئة من أبناء شعبنا صوتوا للقائمة المشتركة»، تخالفها الأرقام التي كانت قد نشرتها «دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية»، إذ قالت الدائرة إن في إسرائيل ستة ملايين و340 ألف ناخب، 16% منهم عرب (أي يبلغ عددهم مليوناً ونحو 20 ألف صاحب حق اقتراع). والمصوتون في الانتخابات الأخيرة من هؤلاء لـ«المشتركة» هم تقريباً 540 ألفاً (يضمّون 20 ألف يهودي، إلى جانب الـ70 ألفاً العرب الذين صوّتوا للأحزاب الصهيونية)، ما يعني أن نسبة من صوتوا للقائمة العربية لا تتجاوز 54 - 55%، وليس 90%.
إذاً، استردت «المشتركة» 70 ألفاً مِمّن صوتوا للأحزاب الصهيونية في «الكنيست الـ21»، لكنها لم تستطع أن تستقطب أيّاً من الداعين إلى المقاطعة أو الواقفين على الحياد. ولذلك، يبدو أنه ينبغي تأجيل الاحتفال بـ«الإنجاز»، أقلّه حتى تتمكن إسرائيل من الخروج من معضلة تشكيل حكومتها، إذا لم تذهب أصلاً إلى انتخابات ثالثة في أقلّ من عام. وفي حال تشكيل الحكومة، بات واضحاً أن هوية من يتربع على رأسها، أكان يساراً أم يميناً، لن تحدث فارقاً كبيراً.