جنين | مجدّداً، تعود الإشكالات بين مسلّحين فلسطينيين وأجهزة أمن السلطة. هذه المرة، في جنين شمالي الضفة المحتلة. مساء أول أمس، كانت بلدة قباطية في المحافظة على موعد مع حفل شعبي لاستقبال الأسير المحرّر، علي تيسير زكارنة، عقب قضائه عشرين شهراً في سجون العدو الإسرائيلي. هناك، خرج مسلحون وأطلقوا النار في الهواء ابتهاجاً وسط حشد من الأهالي، لتُباغتهم قوة من الأجهزة الأمنية وتشتبك معهم. تلك هي الرواية التي يجمع عليها أهل قباطية، فيما يقول محافظ جنين، أكرم الرجوب، إن «معلومات وصلت (السلطة) حول نية شبان الخروج في عرض عسكري مخالف للقانون خلال استقبال أسير محرّر، واشتكى بعض السكان من هذا الأمر، وبناءً على ذلك تَوجّه عناصر أمن السلطة إلى المكان ليجدوا وابلاً كثيفاً من الحجارة في انتظارهم». تؤكد مصادر محلية رواية المحافظ، لكنها توضح أن ما حدث من إطلاق النار ليس استثناء، معتبرة أن هناك محاولة لفرض واقع معين في جنين من دون غيرها.

وأُصيب، خلال الاشتباكات، 18 عنصراً أمنياً بالحجارة وشابان بالرصاص، فيما هاجم شبّان مركز الشرطة داخل قباطية وأطلقوا النار عليه، ثم امتدّت المواجهات إلى مستشفى جنين الحكومي حيث أغلق أمن السلطة باب المستشفى في وجه الغاضبين، الذين عادوا وتمكّنوا من الدخول ليطلق الأمن قنابل الغاز عليهم ما أدى إلى إصابات جديدة في صفوفهم. ومع أن المحافظ يعلم جيداً طبيعة بلدة قباطية، ومخيم جنين عموماً، فإنه أصرّ على الدفع بقوات الأمن ليفضّ استقبال الأسير المحرر، وهو يدرك النتائج التي قد تترتّب على ذلك، وأبزرها مقتل الفتى صلاح زكارنة (17 عاماً) برصاص السلطة. يشار إلى أنه يسكن قباطية نحو 27 ألف فلسطيني، وقد شكّلت البلدة إحدى «قلاع الثورة والمقاومة» تاريخياً، إذ كانت أحد المعاقل الثلاثة التي تحصّن فيها ياسر عرفات عند وصوله الضفة (قباطية، بيت فوريك، حوش العطعوط في نابلس القديمة)، كما جرى تأسيس «مجموعات الفهد الأسود» فيها (أبرز جناح عسكري لـ«فتح» خلال الانتفاضة الأولى)، ومنها أيضاً انطلق الشهيد رائد زكارنة (من «حماس») الذي فَجّر نفسه في العفولة المحتلة عام 1994. وصُنّفت في الانتفاضة الثانية معقلاً لـ«سرايا القدس» (الجناح العسكري لـ«الجهاد الإسلامي»)، وكانت أول بلدة تشكّلت فيها «ألوية الناصر صلاح الدين» في الضفة مع نهاية الانتفاضة الثانية. هذا الإرث جعل امتشاق السلاح وضعاً شائعاً لدى شبانها، على رغم نهاية الانتفاضة رسمياً وإخلاء العدو مستوطناته في المحافظة.

يرى البعض أن المحافظ الرجوب يسعى إلى فرض واقع معين في جنين من دون غيرها


يستشهد كثيرون، في ادّعائهم أن الرجوب «يريد فرض القانون بمعزل عن ظروف أيّ مكان يحلّ به»، بمقتل شبّان وعناصر أمنية في اشتباكات داخل البلدة القديمة في جنين، مثلما حدث في مخيم بلاطة في مدينة نابلس عام 2016 عندما كان محافظاً هناك، فيما لا تشهد محافظات أخرى مثل هذه الأزمات التي تودي بحياة فلسطينيين. كما أنه في الخامس عشر من الشهر الجاري، أي قبل أيام من فضّ استقبال الأسير، قَمَع أمن السلطة فعّالية تندّد بـ«صفقة القرن» نَظّمها «حزب التحرير» في جنين، لكنه لم يتدخل في فعّالية للحزب نفسه في رام الله جرت في اليوم عينه، وكذلك الحال في الخليل.
وبالتزامن مع تشييع زكارنة أمس، عمّ الإضراب التجاري قباطية، قبل أن يخرج مسلحون ببيان باسم «كتائب شهداء الأقصى» (الذراع العسكرية لـ«فتح») هدّدوا فيه بالثأر لمقتل الفتى من المحافظ، فيما تشهد البلدة استنفاراً متبادلاً مع أمن السلطة. ودانت فصائل عدة الحادثة، وحمّلت محافظ جنين وقادة أمن السلطة فيها المسؤولية، كونهم هم من «أعطوا تعليمات بإطلاق الرصاص الحيّ على الأهالي»، كما جاء في بيان «الجهاد الإسلامي»، التي اعتبرت أن «الجريمة تعيد طرح تساؤلات حول دور أمن السلطة وعقيدته في مقابل غيابها عن حماية الشعب أمام الاستيطان والاقتحامات الإسرائيلية اليومية». أما «حماس»، فرأت أن «أزمة قباطية تؤكد منطق البلطجة التي تمارسها الأجهزة الأمنية ضدّ جماهير الشعب الفلسطيني»، مطالبة بوقف «التنسيق الأمني». كذلك، وصفت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» الأحداث بـ«المؤسفة»، مشدّدة على ضرورة «التفريق بين أحداث الشغب والفوضى الأمنية، وبين مناسبة وطنية يتوحّد فيها الجميع».
من جهته، تحدث مصدر في أمن السلطة عن التوصّل إلى حلّ موقّت على رغم حالة الاحتقان، قائلاً إن «المسلحين في قباطية غير متجنحين، أي لا يتبعون للقيادي المفصول من فتح محمد دحلان، وغير مدعومين منه، بل إن والد الأسير المحرر علي زكارنة يعمل ضابطاً في جهاز الأمن الوقائي، ولذلك حلّ الأزمة أسهل، بعكس أحداث نابلس عام 2016 التي غذّتها وساندتها بعض القيادات المحلية المناصرة لدحلان».