يحمل الإعلان عن «اتفاق سلام» بين العدو الإسرائيلي والإمارات أكثر من بعد في المضمون والسياق، مع خصوصية إضافية تتصل بعنصر التوقيت الذي بدا تلبية لمصالح شخصية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس الأميركي دونالد ترامب. يُمثل الاتفاق ارتقاءً طبيعياً في مسار ثنائي، يبدو معه الإشهار كأنه تظهير رسمي لواقع قائم، أكثر من كونه تحوّلاً نوعياً في العلاقات. كذلك، تمثّل هذه الخطوة امتداداً لسياسة تطبيعية تنتهجها أنظمة الخليج مع العدو، بهدف تطويق الشعب الفلسطيني، ومن ثمّ وضعه أمام خيار التكيّف مع استمرار الاحتلال، وإضفاء الشرعية عليه. وفي هذا الإطار، يلاحظ أن النظام الإماراتي كان الأكثر وقاحة في التعبير عن سياسة تطبيعية تنطلق من أن قضية فلسطين تحوّلت إلى عبء ينبغي التخلّص منه بأيّ ثمن.

(أ ف ب )

على عكس السياق الطبيعي الذي يُفترض أن تتفوّق فيه دلالة المضمون على التوقيت، بدا التوقيت هذه المرة تلبية لمصالح يمينية إسرائيلية، وتحديداً لشخص نتنياهو، إضافة إلى مصالح ترامب، في ظلّ ما يواجهه كلّ منهما من تحدّيات على المستوى الداخلي. في ما يتعلّق بإسرائيل، تَظهر الخدمة التاريخية التي أسداها نظام الإمارات للكيان الاسرائيلي، بنسخته اليمينية المتطرفة، ذات وجوه متعدّدة، من ضمنها أنها جَسّدت معادلة «السلام مقابل السلام» في مقابل معادلة «الأرض مقابل السلام» التي انطلقت على أساسها عملية التسوية، وهو العنوان الذي تباهى به نتنياهو أمس في مؤتمره الصحافي. وتُمثل المعادلة الجديدة هدفاً رئيساً سعى إليه اليمين منذ عقود، في مقابل الطروحات التي كانت تربط التطبيع مع الأنظمة العربية بالتوصّل إلى تسوية نهائية حول القضية الفلسطينية. إلا أن اليمين الاسرائيلي، وبلسان نتنياهو، عمد إلى عكس طرح السلطة ومعسكر الانبطاح العربي أمام إسرائيل، بدعوته إلى التطبيع كمقدمة للتسوية.
أما الآن، فقد ارتقى الإنجاز اليميني الإسرائيلي إلى مستوى الحصول على «اتفاق سلام»، من دون التعهّد بتقديم أيّ أرض لدولة فلسطينية ولو من الناحية الشكلية، بل إن نتنياهو لم يتخلَّ عن تمسّكه ببسط السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، فاضحاً بذلك المحاولة الغبية والفاشلة لولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، لتبرير الاتفاق بأنه يأتي مقابل تعليق (وليس إلغاء) الضمّ. هَدَفَ هذا التسويق إلى تقديم الإمارات كما لو أنها قدّمت «تنازلاً» لمصلحة القضية الفلسطينية، فيما واقع قضية الضمّ يُظهر كذب هذه المقولة، إذ أعلن نتنياهو، قبل أيام، أن «الضمّ لن يتمّ إلا بدعم أميركي، وأن المخطط لم يعد ضمن أولويات الرئيس الأميركي»، وهو ما كرّره أمس في مؤتمره الصحافي.
فضح نتنياهو محاولة الإماراتيين الغبية تصوير الاتفاق ثمناً لتعديل مخطط الضم


كان نتنياهو يراهن على أن يعزّز الضمّ رصيده الشخصي، في مواجهة الضغوط القضائية والشعبية والسياسية التي تهدّد مستقبله السياسي والشخصي، خاصة بعدما تقرّر البدء بمحاكمته بمعدل ثلاث مرات في الأسبوع في كانون الثاني/ يناير المقبل. لكن، بعد فشل مخطّطه، بدا الاتفاق مع الإمارات بمثابة «الإنجاز» البديل لرئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي لم يتعهّد في المقابل بأيّ «تنازلات» للفلسطينيين، بل وحتى بأيّ تغيير في مشروع الضم، الذي تمّ تعليقه مؤقتاً لحسابات أميركية لا علاقة للإمارات بها.
في السياق الإقليمي، يُعدّ الاتفاق الإماراتي - الإسرائيلي جزءاً من مسار أوسع، وترجمة لمخطط تطبيعي يتصدّره النظام السعودي. لكن، ولخصوصية السعودية، يتمّ الدفع بالأنظمة المحيطة بها إلى صدارة القاطرة، ليُمثّل أيّ اتفاق بين تل أبيب والرياض المشهد النهائي في الفيلم التطبيعي.
أيضاً، يأتي الاتفاق بعد فشل رهانات المنظومة الخليجية في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين، وفي مواجهة ايران ومحور المقاومة، الأمر الذي فرض على الطرفين، الإسرائيلي والخليجي، تظهير العلاقات بينهما، والتموضع علناً في خندق واحد.
من جهته، يحتاج الرئيس الأميركي إلى مثل هذا الإنجاز، بغض النظر عن مدى مساهمته في تعزيز مكانته المتدهورة على مسافة أسابيع من الانتخابات الأميركية. ومن هنا، يُفهم إعلان الاتفاق من قِبَل ترامب نفسه، الذي وصف الحدث بـ»اتفاقية سلام تاريخية». اللافت، كذلك، أن ترامب شارك في محاولة الترويج للمقولة الكاذبة بأن الاتفاقية تأتي في سياق تأجيل مخطط الضمّ، الذي بات واضحاً أنه لم يعد على جدول الأعمال الأميركي في هذه المرحلة.
أخيراً، ينبغي التذكير بأن ما هو قائم بين إسرائيل والإمارات سرّاً أكبر بكثير مما تمّ الإعلان عنه. ولذا، فإن أهمية الحدث لا تنبع من الاتفاق في حدّ ذاته، بل من الرسائل التي حملها إشهاره. وبحسب «القناة الـ 12» في التلفزيون الإسرائيلي، يمثّل الاتفاق «مأسسة لعلاقات كانت قائمة تحت الطاولة»، فيما أشارت قناة «كان» إلى أن «من دفع الثمن هو محمد بن زايد، الذي كان يحصل على ما يريد من تعاون استخباري وعسكري ضدّ إيران قبل الاتفاق، ولم يكن يتطلّع إلى أكثر من ذلك، بينما إسرائيل هي مَن كانت تريد الاعتراف والشرعية مقابل العالم العربي».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا