يصحّ القول إن طموح الدولة، أو تحصيل أيّ مظهر من مظاهر السيادة، مثّل عقدة نقص لدى القيادة الفلسطينية، ليس منذ تأسيس «منظّمة التحرير» في مطلع الستينيات فحسب، إنّما للأمر جذورٌ فطرية تتّصل بواقع الشخصية الفلسطينية التي لم تحظَ طوال تاريخها بأن تعيش في كنف «دولة» ذات سيادة وطابع خاص وهُوية. لكنّ هذا الطموح المحموم انتهى، بعد سنوات طويلة من النضال الشعبي والتخبّط القيادي، إلى سلطة حُكم ذاتي، تمتلك ورقة قوة واحدة، هي التلويح بحلّها، لِما تؤدّيه من دور «وجودي» في حماية مصالح الاحتلال، والمحافظة على تمرير مشاريعه الاستيطانية التي تبني أمراً واقعاً يصعب تغييره. والدولة التي كانت تحلم بها قيادة «منظّمة التحرير»، أو على وجه الدقّة، التي كانت تعشعش في ذهن ياسر عرفات، ليست هي الوطن الذي قضى لأجله الآلاف من الشهداء والمناضلين. ولعلّ اليسار الفلسطيني الذي عاش حالة من الندّية التاريخية في وجه التفرّد «العرفاتي» في التفكير والاستراتيجيا والقرار، أجاد توصيف الجهد النضالي للمنظّمة على أنه محاولة للحصول على «كيان، أو دولة، أو شبه دولة، كبديل عن وطن». وقد أرّخ الكاتب يزيد صايغ لأصول ذلك الطموح في كتابه «الكفاح المسلّح والبحث عن الدولة»، ووثّق بشكل دقيق، وإن بدا منحازاً في كثير من آرائه، إلى جدليات الكفاح المسلّح وتوظيفه السياسي في مراس «منظّمة التحرير».

أنشأ عرفات في داخل بنى المنظمة كافة المناصب الرسمية التي ترتكز عليها الكيانات الدولية (من الويب)

ولعلّ اللافت للنظر في سلوك المنظّمة، هو شعورها الدائم بأنها حالة «دولانية» أكثر من كونها حالة تحرّرية كفاحية. وفي هذا السياق، يمكن تفسير السلوك السلطوي الذي مارسته في أيّ بقعة جغرافية ثَبتت فيها قواتها. لا يعني ذلك تبرير ردّة فعل الدول المحتضِنة للفدائيين الفلسطينيين، كما الأردن مثلاً، الذي انتهى به المطاف إلى لعب دور عدائي تجاههم، وصولاً إلى طردهم والزجّ بقياداتهم في السجون، بقدر ما هو محاولة لتشريح الحالة التي كان عرفات مسكوناً بها، والتي أفضت إلى جانب العديد من التحوّلات الإقليمية، إلى تشكيل السلطة كمفرز من مفرزات «أوسلو». وسيكون من الإنصاف القول إن الشعور بالحاجة الملحّة إلى «الدولانية» مثّل واحداً من أساليب إثبات الذات، وهو ما تبدّى في كلّ مأزق عاشته قيادة المنظّمة. فبعد توقيع «اتفاق السلام» المصري - الإسرائيلي، وفشل عرفات في تحصيل أيّ حضور للقضية الفلسطينية على طاولة «كامب ديفيد»، وفي ظلّ التجاهل الأميركي الكامل لحضور «منظّمة التحرير» وفعالياتها، لجأت الأخيرة إلى «مركزَة الضبط الداخلي» لديها، خصوصاً في ظلّ استمرار التدفّق المالي عليها عقب قمّة بغداد عام 1978، والتي كانت واحدة من مفرزات «جبهة الصمود العربي» المناوئة لـ«الساداتية». يصف صايغ تلك الحالة التي تمدّدت بشكل أفقي في بيروت الغربية، بأنها كانت «أكثر من دولة داخل دولة»؛ حيث تمتّعت «دولة الفاكهاني» كما كان يصفها معارضو «فتح» في داخل «منظّمة التحرير»، بالعناصر كافة التي يحتاج إليها أيّ مجموع بشري لتكوين كيان خاص به: «خليط سكاني يدين بالولاء الطوعي أو الجبري، موارد مالية غير استخراجية قائمة على المعونة، اعتراف من الاتحاد السوفياتي بأن المنظّمة أضحت الممثّل الشرعي الوحيد للفلسطينيين، مع منح صلاحيات مطلقة لسفير فلسطيني في موسكو». كلّ ما تَقدّم كانت تمتلكه القوّة المسيطرة على المنظّمة، أي «فتح»، قبل جلوسها أصلاً على طاولة التفاوض.
الشعور بالحاجة الملحّة إلى «الدولانية» مثّل واحداً من أساليب إثبات الذات


ومن اللافت للنظر أيضاً، أن عرفات أنشأ في داخل بنى المنظمة كافة المناصب الرسمية التي ترتكز عليها الكيانات الدولية المعترَف بها: «جيش مسلّح شبه منظم، وزراء خارجية، قوات حرس رئاسي - القوة 17 -»، وهي تشكيلات كانت جاهزة بعد سنوات لتتولّى إدارة شؤون الأجهزة الأمنية والمؤسسات الرسمية في السلطة المرتقبة. غير أنه من الإنصاف القول إن عرفات، في أسوأ كوابيسه وخيالاته التي عاشها في مقرّ قيادة «منظّمة التحرير» في بيروت الغربية، لم يتصوّر أن يفضي حلمه الشخصي، الذي رأى أنه سيحقّق عبره طموح المجموع الشعبي الفلسطيني بكلّه، إلى دولة في شكل سلطة «التنسيق الأمني» التي نراها اليوم. هنا، يرى أسعد أبو شرخ، وهو أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر، أن عرفات اعتقد أن تحصيله بروتوكول الدولة الشكلي (البساط الأحمر، المطار، الطائرة الرئاسية، وزارة الخارجية وجواز السفر) سيجعل من بناء الدولة تحصيلَ حاصلٍ، مستدركاً، في حديثه إلى «الأخبار»، بأن «مفرزات اتفاق أوسلو بكلّ قيوده الاقتصادية والسياسية، كانت تدلّل على أن اتفاقاً كهذا لن ينتج دولة، إنما سيُنتِج حكماً ذاتياً يسهّل مهمة الاحتلال، وليس أكثر من ذلك».
وإذا كان من المفترض أن فترة «اتفاق أوسلو» تنتهي عام 1999، وعقب ذلك «يحصل عرفات على الدولة المنشودة»، بحسب أبو شرخ، فإن الطريقة التي وظّف بها الإسرائيليون الاتفاق، تؤكد أن الإبقاء عليه بعد نهاية حقبة التسعينيات لم يكن إلّا استمراراً في خدمة مشروع الاحتلال، وليس تعزيزاً للوجود الفلسطيني، وفق ما رأى عرفات، وهو ما دفعه إلى التمرّد على هذه الوقائع. ووفقاً لما يقوله فريح أبو مدين، وهو وزير العدل السابق، فإن الإبقاء على السلطة بدورها الوظيفي بعد عام 2000، عنى موافقة فلسطينية على خدمة المشروع التوسّعي الصهيوني على حساب الحقوق الفلسطينية، ولذا كانت الانتفاضة.