تكرَّس كمتّهم، اختلفت نظرة النّاس إليه. صار معلقاً على مدار سنوات النزوح فوق خشبة صليب المخيم. دخله متردّداً وهو لا يصدق، قطع شوارعه الخلفية منكّساً رأسه مثل راية مهزومة، كأنه يبحث عن شيء ما بين تضاريس نفسه. يحدق باتجاه واحد نحو الأسفل، حدقاته تتسمر في موضع هبوط حذائه، لا يطيق أن يدير رقبته نحو الركام، ولا الى «بركسات» الحديد، رغم أنه ينحشر فيها مع إخوة الحديد والصدأ، يضج من رائحة اللحم البشري المكدس داخلها، لكنه يكره في الوحشة المميتة أن يصير الأمل ممنوعاً، والانتظار لا ينتهي الى شيء.
كيف له أن يحتمل مشهداً تراجيدياً لبقايا البيوت المكومة كجثث محترقة؟ وهو مرة أغمض عينيه كي لا يرى البحر وحيداً. يهرب من بكائيات الحنين، لم يعد لها رائحة حصى البحر. كان يمزج خليطاً من خبز ورمل وأعشاب بحرية، طعاماً للأسماك التي تتربص بها أقفاص مصيدته وأشرطتها الحديدية. يسمي خلطته العجيبة تلك «الخنتريش»، حتى صار لقب الرجل نفسه «خنتريش». لون بشرته مشتق من شفق أرجواني، يشبه خجلُ الشمس من دمعات البحر، خليطاً من حنين وصبر، من ذكريات وانتظار، من ملح ورمل، من أزرق ودم. ما الذي فات «خنتريش» كي تغادر سحنته بريقها البحري؟ حين يسرق أحد ما فصلاً من فصول السنة، ويصادر جهة الغروب من الجهات الأربع، يستقيم ميزان الجغرافيا في خريطة ناقصة ومفترضة؟
لون الشوق أرجواني كذلك! كان يحاكي نفسه، يحاول إقناعها: «صار لي بيت! وها أنا ذا أرجع ثانية، لكن الى رصيف قرميدي عصري». ينظر الى الشرفة المطلة على الشاطئ، لكن من الأسفل، ثم يقول بغبطة وغصة معاً: «منذ خمس سنوات، هذه أول مرة أنام فيها هنا بلا هز». لم يجد هناك أي سبب لدخول المنزل في الليلة الأولى، كم كان يخشى الليلة الأولى: صدمة المكان الخالي من سطوة الحنين، والصارخ بفخامة الذكريات. نام على الشاطئ، خليط جميل من شهيق مكبوت في أعماقه، مع رطوبة مالحة مبللة بأنفاس البحر. يوم مُسح المخيم من على الشاطئ، وتحول ساحة فراغ جرت تسويته بالأرض، وعادت شجيرات الخروَع لتختال وحيدة في المكان. «خنتريش» يخترق صمته الذي سكنه منذ أن أضحى في العراء، بلا بيت، يعيش نازحاً في كاراج للسيارات قبل أن يجد مأوى مؤقتاً في براكسات الحديد. تسلّم البيت الجديد المرقم في الرزمة الجديدة «بلوك 2». خلع الليل والأرقام، ونام قبالة البحر، على رصيف خال من معالم حارة «الدامون» السابقة، فوق رصيف لا يشبه أيّ رصيف في الدنيا: رصيف بلا شارع وبمجارير مكشوفة، كان يوماً ما يختلط فيه تناقض الروائح وهمس الشاطئ مع دردشات متمردة للشيخ الأستاذ الرفيق صالح شعبان، ويمتزج عبق الليل برائحة خبز طازج لفرن علي الصاوي، خليط من رائحة مَحمَصة القهوة في ديوان الشيخ الهندي، «خنتريشيات» بمواد نادرة فقدت وجودها. وبقيت هنا، ترفرف بقايا صدى لصرخة صالح أبو عيشة الأخيرة. يوم وقف بوجه الإخوة الأعداء يرفض الشقاق لأشقاء الثورة وتمزيق الطريق. قالها وسط الزحام وهرج الأطفال، ورطوبة الزاروب «باطل» ثم توقف قلبه ومات!
لو عرف «الخنتريش» سر ذاك التناص بين ما كتبه جان جينيه الذي جزم بأن «الطريق أجمل من البيت»، وما كتبه محمود درويش، جازماً بأن «البيت أجمل من الطريق»! قال له صاحبه: البيت هو الوطن، والطريق هو المخيم. مهما صار جميلاً هذا المخيم، فإنه ليس أجمل من الوطن. كم تحب البحر يا عزيزي؟ لكنك لا تستطيع أن تعيش فيه! هو طريقك المالح الى ميناء البرتقال، هو المؤقت على الدرب الأبدي. كما علّمتك جدتك العجوز «ثوب العري ما بيدفّي، وإن دفّا ما بدوم». وهو يرنو بنظرته نحو البحر، يثرثر بشغف إلى جاره القديم والكبير والأمين على أسراره، عاد إليه ليبادله أطراف الحديث، يشكو إليه همومه، ويخاطبه لساعات وهو يعجن بيديه طبق «الخنتريش». في الحارة الأخرى، التي غاب عنها البحر عمداً، لا شجرة زيتون لديه، البحر سنده الوحيد. استغرب سؤال هيئة التصميم عن أي نوع من الأشجار يفضّل زراعته قرب بيته الجديد! يلوي عنقه قائلاً «لا أحبّ الأشجار الجاهزة، حتى لو كانت خضراء»! لم يفتح النافذة البحرية. أبقاها مغلقة على مدار سنوات الدمار. جاره المقابل لمنزله المصدّع، الذي أعاد ترميمه، أعلمه، أنه لا يريد نافذة لا تفتح على بحر، لذا قرر أن يلغيها من الحائط، ليستبدلها بأخرى معاكسة تطل على الجهة الشرقية. نافذة تعاكس البحر، لكنها تشق الروح، جعلته يكتشف كيف تولد خيوط الشمس من مسامات الصباح، ثم تفر مسرعة نحو وسادة البحر، كي تنسج ثوباً فضياً لستائر الحلم المحفوف بالحذر الشديد.
لم يكن يدرك أن العصافير الطربة كأطفال الحارات، تضع بيضها في ثقوب رصاصات اخترقت جدران مخيم، تبني أعشاشاً عشوائية وبريئة على شاكلتها، تعرف أنه المنفى لمن لا منفى له. تحتفل راقصة على أغصان شجرة الزيتون، كأنها تطلق الوصية بزقزقتها: العبرة ليست في الصورة المنقّحة والمرقّمة لحي جديد أنت فيه، لكنها في الأصل الجميل الذي تصبو إليه، ستعثر على الميناء لأنك لم تفقد البحر، فلا تجعله يغادر عينيك ثانية، حيث ما زال النورس الأبيض ينتظر هناك ويرقد في الأفق.




*مظلوم هو الرفيق مروان عبد العال، كما يناديه أصحابه المقربون في الجبهة الشعبية التي يمثلها في لبنان. مظلوم لأن صيته كسياسي طغى على صيته ككاتب. والرفيق مروان مدوّن أيضاً ( http://marelal.blogspot.com) يقول في تدوينة عن الحضور الثقافي الفلسطيني إن أقرب تسمية تناسب الراهن في الوسط الثقافي هي «حضرة الفراغ أو فخامة الغياب». ففي رأيه، الفعل الثقافي سبّاق على الكفاحي. وهو يستشهد بالكاتبة ايزابيل الليندي، التي تقول «أكتب كل شيء لأعثر على جذوري ثانيةً»، ليدلل على أهمية الثقافة للمناضل.