أمضى وزير السياحة، فادي عبود، أمس، نهاراً طويلاً في الهرمل وجردها، زائراً آثارها، ممارساً رياضاتها ومتذوّقاً أطعمتها. لكن زيارته لن تنتهي عند هذا الحد بعدما كشفت المنطقة لعبود عن مواردها السياحية والبيئية المتعددة التي تحتاج إلى متابعة من وزارات الدولة المعنيّة


مهى زراقط
عندما اقتربت الساعة من الخامسة من بعد ظهر أمس، كان وزير السياحة فادي عبود لا يزال جالساً على كرسيّ تحت شجرة لزّاب معمّرة في أعلى جرود الهرمل، لا في البقاع الغربي كما كان مدرَجاً على جدول أعماله. الزيارة التي قام بها عبود إلى الهرمل، أمس، جعلته يلغي موعدين من دون أن يبدي تأففاً أو امتعاضاً من محطات النهار الطويل التي حفلت بالمفاجآت، على الرغم من أنها الزيارة الثانية التي يقوم بها إلى المنطقة خلال شهر واحد.
كان عبود يعرف عندما لبى دعوة اتحاد بلديات الهرمل وبلدية الهرمل له، أنه سيكتشف شيئاً جديداً، أقلّه على صعيد خرقه «الاعتبارات الاجتماعية» من خلال موافقته على ممارسة رياضة «الرافتينغ» في نهر العاصي. لكن هذه الرياضة، التي بلّلت الوزير وهو ينزل بالقارب شلالات الدردارة، وأسعدته، لم تكن إلا واحدة من سلسلة مفاجآت كشفت عنها المنطقة البكر لأول وزير سياحة يزورها، مستكشفاً مواردها الطبيعية ومبدياً إعجابه بها. ولا يتردّد في القول إن الزيارات المماثلة غالباً ما تكون نوعاً من القصاص، لكن هذه كانت بالنسبة إليه اكتشافاً ممتعاً، وخصوصاً أنها عرّفته إلى نوع من السياحة «أعتقد أنه سيكون له دور أساسي في مستقبل لبنان السياحي».
هذا الكلام الذي كرّره عبود في أكثر من محطة، أبدى جدية في التعاطي معه، حتى إن السيدة منى فارس، رئيسة مصلحة تنمية السياحة المناطقية في الوزارة، التي رافقت الوزير في جولته بصفتها ابنة القاع، وجدت نفسها تقوم بعمل هو في صلب تخصّصها، مدوّنةً ملاحظات الوزير عن الإجراءات الواجب اتخاذها من أجل تحسين السياحة في المنطقة. وعند كلّ محطة ستجد الوزير حاملاً هاتفه لإجراء اتصال (قبل أن يغيب الإرسال)، أو للسؤال عن دراسة، أو توجيه نصائح يمكن الاستفادة منها.
البداية من «جار القمر»، المطعم الذي تناول فيه عبود إفطاراً «هرملانياً» بامتياز. من الكشك، إلى الزيتون «البعليّ» من نتاج المليون ومئة ألف زيتونة الموجودة في المنطقة، مروراً بخبز التنور والمكدوس، وليس انتهاءً بمربى الباذنجان الذي يُعدّ خاصاً بالمنطقة. يبدي عبود إعجابه بالمطعم، لكنه يسأل عن رخصته. يجيبه صاحب المطعم بأنه لم يكن يعرف أن المطعم يرخَّص له، فيطلب منه الحصول على رخصة وتعليقها على باب المطعم. وتكرّ السبحة...
المحطة الثانية في القاموع، أحد أبرز معالم المدينة، والذي يعتقد معظم الأهالي أنه عبارة عن منارة أو معلم يحدّد المكان. إلا أن الزميلة جوان فرشخ بجالي التي رافقتنا في الجولة، أوضحت أنه قبر لأمير سوري، وشرحت أهميته والطرق الواجب اعتمادها للمحافظة عليه، وخصوصاً مع غزو «الغرافيتي» لجدرانه. يحفظ عبود المعلومة ويتابع الرحلة إلى نهر العاصي حيث لا يتردد في امتطاء «الرافت» والنزول في شلالات الدردارة. هناك يعرف أن الإرسال غير متوافر لشبكات الهاتف الخلوي. يحفظ المعلومة، ويتابع الجولة إلى مركز بلدية الهرمل حيث يجري اتصالين هاتفيين، الأول بوزير الثقافة سليم وردة سائلاًً عن إمكان تأمين نوع من الحماية للقاموع من خلال تعيين مفتشين عليه، وإرسال بعثة علمية للتنقيب في محيطه. الاتصال الثاني كان بوزير الاتصالات الذي سأله عن شبكتي الخلوي عند العاصي، وإمكان تأمين خدمة الإنترنت (DSL) إلى المنطقة، فوعد بمتابعة موضوع الشبكتين، أما بالنسبة إلى الإنترنت، فأوضح أن العمل جار عليه، لكنه لن يكون متوافراً قبل عاممن مبنى البلدية إلى دير الراهبات في المدينة، الذي تقيم فيه ثلاث راهبات يقدّمن خدمات طبية وتربوية للأهالي، كما يستقبلن للصلاة في كنيستهنّ الصغيرة المسيحيات المتزوّجات بمسلمين، والخادمات الأجنبيات اللواتي يؤمنّ بالمسيحية. يجالسهنّ الوزير ويطلب منهنّ الصلاة له ثم يتابع الجولة... لاكتشاف المزيد من الآثار في منطقة بريصا على الطريق بين الهرمل وجرودها. هنا كنيسة بيزنطية، وعلى بعد أمتار لوحتان أرّخ فيهما نبوخذ نصّر زيارته إلى المنطقة، تعدّان من الأندر في العالم. وتتابع الجولة إلى جرود الهرمل، لكن ليس قبل التوقف للإطلالة على سهل مرجحين الذي أمضى فيه الأديب جبران خليل جبران جزءاً كبيراً من حياته...
يسأل عبود عن الزراعات الموجودة في السهل، فيقول عضو اللجنة البيئية في البلدية مفلح علّوه إنها البطاطا. ويشكل الحديث مناسبة لإلقاء الضوء على معاناة المزارعين في المنطقة، والمطالبة مزاحاً برخصة لإعادة زراعة الحشيش... الوزير سيسأل لاحقاً عن إمكان زراعة الشاي، في إطار مجموعة من الأفكار التي طُرحت من أجل المساهمة في تنمية المنطقة.
المفاجأة الأخيرة كانت في جرد الهرمل. على ارتفاع 2200 متر، دخل عبود بين الغيوم مشروع «الجورد» القائم على السياحة البيئية: خيام من شعر الماعز، تسخين المياه والإنارة بالطاقة الشمسية، وتوفير الصرف الصحي على ثلاث مراحل بحيث تصبح المياه صالحة للريّ في النهاية... وغداء شهيّ قدّمته الطبيعة. وعلى طاولة الغداء، استمع عبود إلى مشاكل المبادرين لإحياء منطقتهم. تحدّثوا عن الصعوبات التي يواجهونها للبقاء في أرضهم، وكان لافتاً أن أياً من الحاضرين لم يقدّم مشكلته بصيغة طلب خدمة شخصية، بل ذكّروا بحقوقهم على الدولة، فلم يسألوا إلا عن الدعم لا أكثر، وخصوصاً أنهم شقّوا الطريق بأنفسهم واستطاعوا نبش كنوز منطقتهم التي أبهرت وزير السياحة.
عبود الذي كان قد لاحظ فعلاًُ احتياجات المنطقة، وطلب من السيدة فارس تدوينها من أجل إجراء مراسلات بشأنها مع الوزارات المعنية، عبّر عن شعوره بأنه أقرب ما يكون إلى الله في ذلك المكان، وأشاد بهذا النوع المختلف من السياحة غير القائم على الصخب والضجة، معتبراً أن هذه الفكرة «لها دور أساسي في مستقبل لبنان السياحي». وكشف عن استعداد الوزارة لدعم المشاريع السياحية في المنطقة «عن قناعة تامة، وخصوصاً أننا نرعى المهرجانات ونساعدها من دون أن أكون مقتنعاً كثيراً. أنا لست ضدّهم، لكن السياحة ليست كلّها صراخاً وضجة، يمكنها أن تكون عدّاً للنجوم في الليل، أو حتى مشاوير على ظهور الحمير».
فارس أوضحت لـ«الأخبار» أن الوزارة ستعمل على تأمين إنارة للقاموع، وستراسل وزارات الثقافة والاتصالات والأشغال. من الأولى سيُطلب حراسة القاموع وتكليف بعثة أثرية للتنقيب في محيطه ومحيط الكنيسة البيزنطية في بريصا، ومن الثانية سيُطلب تأمين تغطية الهواتف الخلوية في وادي العاصي، ومن الثالثة تعبيد الطريق المؤدي إلى القاموع. لوزارة الزراعة حصتها أيضاً، بعدما لفت بعض الحاضرين في الجرد إلى مرض يعاني منه شجر اللزّاب. كما وعد عبود بالبحث عن تمويل لسوق الهرمل الذي أعدّت له الوزارة دراسة، وبالعمل على تفعيل مكانة الهرمل على الخريطة السياحية.



نبوخذ نصر وعذاب

كان التوقف عند اللوحتين الأثريّتين في بريصا إحدى أهمّ المحطات التي ميّزت رحلة أمس، لما لهما من قيمة أثرية وتاريخية. فهما اللوحتان اللتان خطّ عليهما نبوخذ نصر تفاصيل رحلته إلى المنطقة، بكتابة بابلية فريدة من نوعها في العالم، كما تشرح الزميلة جوان فرشخ بجالي للوزير. إلا أن هذه الكتابة شوّهتها كتابة أخرى لمعذَّب في الأرض، اختار أن يكتب على اللوحتين المتقابلتين اسم «عذاب» بخط أسود كبير وباللغة الأجنبية، ما غطّى جزءاً من الكتابة البابلية القديمة.
بجالي رأت في هذا التصرّف المسيء إلى قيمة الآثار مثالاً على أضرار كان يمكن تفاديها «لو توافرت الحماية»، وشرحت كيف يمكن حمايتهما مع الكنيسة البيزنطية والقاموع. وقد استمع لها عبود باهتمام، متلقفاً الأفكار التي طرحت، ومتسائلاً عن إمكان بناء درج يوصل إليهما وتسييجهما. ولم يخلُ الأمر من تعليقات ساخرة، منها ما عبّر عنه عبود بالقول إنه لو وقع على من دوّن هذه العبارة، فلن يتردّد في تحقيق أمنيته و«تعذيبه... هو الذي مرّ ونبوخذ نصر من مكان واحد».


من لم يشرب من هذا الماء لم يشرب شيئاًالمنزل يطلّ على سهول مزروعة بالحمص، يقول علّوه إن موسمها لم ينجح بالكامل ولن تدرّ عليه أكثر مما أنفقه عليها. نسأله: لماذا تستمرّ في زراعتها إذاً، فيجيب: «لكي لا أسرق».