انطلق حزب التحرير من لبنان في الخمسينيات، ليغدو من أهم الأحزاب الإسلاميّة في العالم. وغداً يعقد الحزب، «السجالي» والناشط سرياً نصف قرن (علم وخبر عام 2006)، مؤتمره السنوي الثالث لتتبلور أكثر، إعلامياً، رؤية «ولاية لبنان» لدولة الخلافة


غسان سعود
يكفي ذكر اسم «حزب التحرير» حتى ترتسم علامات الاستفهام، فالعلمانيون يرفضون أفكار الحزب برمتها، والمسيحيون يذعرون مما سمعوه عن تحولهم في ظل الحزب إلى أهل ذمة (بالمعنى السلبي للعبارة)، والشيعة يقلقون من انعكاسات تميز الحزب عنهم فقهياً، والسنّة يتوزعون بين خائفين على نظام يطمئنون إليه، وقلقين من قوة منظّمة تتخطّى بحجمها وأهدافها المجموعات الإسلاميّة الصغيرة.
لكن هذا كله، مضافة إليه كمّية هائلة من الأسئلة عن الخلفية والأهداف الحقيقيّة والموقف من التطورات السياسيّة المحليّة، لم يمنع توسع هذا الحزب في لبنان خلال الأعوام الماضية ليغدو الحزب الإسلامي ذا الطابع السنّي الأول في لبنان. أما الركيزة الأساسية في توسعه وقفزه فوق القوى الإسلاميّة التقليدية كالجماعة الإسلاميّة وتيّار فتحي يكن والتوحيد والأحباش، فهي، كما يبدو عند التعرف بالحزب، طبيعة شبابه. فهؤلاء الملتزمون فكراً ونهجاً وتصرفاً واحداً، كما يقول مسؤول الحزب الإعلامي في «ولاية لبنان» أحمد القصص، يعرفون كيف يطلّون على الناس، في الشارع والمقهى والجامعة والجامع، بمظهر المسلم الملتزم أدق التفاصيل الشرعيّة، والمنفتح على كل تطورات المدنيّة في الوقت عينه. وهم من جهة يميزون بين هذه التطورات (تكنولوجيا، حداثة طبية وبيولوجية...) الضرورية لتطبيق فكرتهم، والحضارة «التي لا تتطور مع الزمن». ويشددون، من جهة أخرى، على أن الحضارة الإسلاميّة «توفّر أفضل طريقة عيش». من هنا يعملون في مجتمعهم، وخصوصاً في المدن السنيّة الأساسية طرابلس وبيروت وصيدا، لاستئناف الحياة الإسلامية، لا كما انقطعت بداية القرن الماضي، «بل كما وجدت في الأصل». بمعنى «تسيير كل شؤون الحياة في المجتمع وفق الأحكام الشرعية، وتكون وجهة النظر هي الحلال والحرام في ظل دولة الخلافة، التي ينصّب المسلمون فيها خليفة يبايعونه على السمع والطاعة، وعلى الحكم بكتاب الله وسنّة رسوله». وهم يتطلّعون إلى نظام حكم إسلامي يشمل كل الجوانب الاقتصادية والاجتماعيّة، وخصوصاً أن «المسلمين يعرفون ويثقون بأن الشريعة أنزلت لتعالج مشاكل الإنسان في كل زمان ومكان»، من هنا ينطلق حزب التحرير في محاولة إقناع الناس بأهدافه. مع مراعاة كون الدولة الإسلاميّة (يمكن اعتبار دولة الخلفاء الراشدين نموذجاً)، «لا تحظّر الأديان الأخرى، بل ترعى شؤون كل الناس»، فيما للملحدين حساب آخر. ويشير القصص هنا إلى أن الدولة التي يتطلّعون إليها لن تكون دولة حزب التحرير، ولن تكون شموليّة، وستكون غنيّة بالأحزاب. وكل من يحمل تابعية هذه الدولة، مسلماً كان أو غير مسلم، سيكون له حق الرعاية. مذكّراً بوصية عمر بن الخطاب، بعد طعنه، بضرورة «أن يُعامل أهل الذمّة بالعدل وألا يُحمَّلوا ما لا يطيقون»، تأكيداً منه على أن ما من توزيع للمواطنين بحسب الدرجات في الإسلام، وما من غالبيّة وأقليّة.
ويردد شباب في الحزب، يرتكز عملهم في الجامعات والقطاعات المهنيّة، أن هناك ثلاثة عوامل أساسية تقف وراء نموّهم المطّرد لبنانياً. أولها، الفكر، ثانيها وضوح المنهج وطريقة العمل والأهداف، وثالثها عدم الارتباط بنظام، وبالتالي عدم التبعيّة والارتهان لفريقفي السياسة، لا يفوّت أهل الحزب فرصة للكلام القاسي جداً بحق كل الحكام المسلمين دون استثناء، هم الذين يتعرضون لقمع هؤلاء الحكّام في كل دول الخليج وسوريا والأردن. وإذ يربطون انطلاقتهم عام 1953 بفلسطين وضرورة «إنهاض الأمة الإسلامية من الانحدار الشديد الذي وصلت إليه، وتحريرها من أفكار الكفر وأنظمته وأحكامه، ومن سيطرة الدول الكافرة ونفوذها»، يقول القصص أن مُقوِّمَي نشوء الدولة الإسلاميّة باتا متوافرين. وهما استعداد الرأي العام المسلم («لم تعد الحضارة الغربيّة تمثّل أي جاذب للشباب العربي، بل باتت محل عداوة وبغض»)، وتهالك الأنظمة القائمة في انتظار من يسدد لها الضربة القاضية. موضحاً أن الفريق السياسي الذي ستستند إليه «دولة الخلافة» جُهِّز، وهو عبارة عن جيش من الفقهاء والسياسيين ينتشرون في أرجاء المعمورة متحلّقين حول برنامج متكامل.
وعن الشبه بين دولة حزب التحرير الموعودة والجمهورية الإسلامية في إيران، يرى الحزب أن الأخيرة أُنشئت دولةً إسلاميةً على قياس الأمة الإيرانيّة، وبالتالي فإن الإسلام فيها هو جزء من الهويّة لا كلّ الهويّة، فيما دولة الحزب هويتها الإسلام وحده، واختيار اللغة العربيّة لغةً رسميّة لها ليس من خلفيّة قوميّة، بل من منطلق أن العربيّة هي لغة القرآن. وعن علاقتهم بالطائفة الشيعيّة عموماً وحزب الله خصوصاً، يقول القصص: إن الحزب على علاقة جيدة بكل الحركات الإسلاميّة، وهو على اتصال بحزب الله، لكنه لا ينسق معه ولا مع غيره، قائلاً إن حزب التحرير ليس حزباً سنِّيَّاً بالمعنى المذهبي، ولديه أعضاء من «جميع الطوائف». أما سبب صبغة الحزب السنيّة فهو التقارب بين ثقافة الحزب من الناحية الفقهية والثقافة السنيّة التي تتعارض مع الثقافة الشيعيّة في النظرة إلى الخلافة، مثلاً. مشدداً على أنهم، في السياسة، لم يصنّفوا يوماً حزب الله عدواً ولا حليفاً، آسفاً لإصرار البعض على التعامل معهم وفق منطق «من ليس معنا فهو ضدنا».
ويقول القصص إن تصريح الأمين العام للحزب، السيد حسن نصر الله أخيراً بأن حزب ولاية الفقيه يتفهّم الخصوصيّة اللبنانيّة، ويتخلّى بالتالي عن مشروعه الديني في لبنان، لا يدفع حزب التحرير إلى إعادة حساباته، لأنه أصلاً لا يعمل على قياس لبنان، وهو يعد الأرض في لبنان لتكون جاهزة عند لحظة التغيير المفترضة في أكثر من ولاية إسلامية.
أما سنيّاً، فيتذمر حزب التحرير من ضيق البعض بصراع الأفكار الذي يؤدي دائماً إلى توسع رقعة نفوذ الحزب على حساب المجموعات الإسلاميّة التقليديّة. ويشير القصص إلى أن حصر خطابات الحركات الإسلاميّة بالصراع مع إسرائيل، مثلاً، يشير إلى حالة العداء الإسلاميّة ـــــ الإسرائيلية طبعاً، لكنه يدل أيضاً على «انعدام المشروع». مؤكداً أن إسرائيل هي مجرد ظل للأنظمة القائمة في المنطقة، ولولا هذه الأنظمة لما استطاع هذا الكيان البقاء لحظة واحدة على قيد الحياة، و«المؤسف، أن كثيراً من الحركات الإسلامية التي تقوم على فكرة العداء لإسرائيل، تهادن هذه الأنظمة». وعن احتمال التصادم مستقبلاً بين حزب التحرير وتيار المستقبل، بحكم اختلاف الرؤية والأهداف، يقول القصص إنهم يحرصون على تخطي الاستفزاز الشخصي، وتفويت الفرص على الكيديات، لأن أفق حزب التحرير أبعد من المنافسة على الصغائر. مؤكداً أنهم، منذ انطلاقتهم في لبنان قبل خمسين عاماً، يحاولون رسم خط مستقيم بين جميع الخطوط المتعرجة، ولن يبدّلوا اقتناعاتهم بسبب سخط فريق هنا ومجموعة هناك.



حزب عالمي، قيادته مركزيّة وأميره مهندسانتسب إلى الحزب منتصف الخمسينيات. سجن مراراً. انتخب في 13/04/2003 أميراً للحزب. وحصل الحزب ـــــ ولاية لبنان ـــــ عام 2006 على علم وخبر، في عهد وزير الداخلية بالوكالة حينها أحمد فتفت.


نداءات تحرير

في الذكرى الثمانين «لقضاء الكفّار على دولة الخـلافة»، وجّه حزب التحرير نداءً إلى المسلمين، ذكّر فيه «أحفاد فاتحي الأندلس وناشري الحضارة الإسلامية فيها، وأحفـاد المعـتصم والرشـيد وصلاح الدين وغيرهم، بعزتهم وقوتهم يوم كانوا يستظلون الخـلافة عندما كانت قائمةً»، وناشدهم الإسراع في الالتحاق بالـدعوة والنصـرة، وإقامة الخـلافة مع الحـزب، لا أن يشـهدوها منه فحسـب.
وفي 14/7/2008 رد الحزب على مؤتمر «الاتحاد من أجل المتوسط» ببيان استغرب فيه حضور الحكام العرب مؤتمراً يحضره «يهود». ورأى أن المؤتمر يكشف، أولاً، رغبة فرنسا باستعادة شيء من نفوذها الاستعماري في المنطقة، وبخاصة المغرب العربي ولبنان.
ويقطع، ثانياً، الطريق أمام تركيا لدخول الاتحاد الأوروبي. ويفضح، ثالثاً، التنافس الفرنسي ـــــ الأميركي للحفاظ على «كيان اليهود»، معاهداً المسلمين على أن «يكون يوم تَسْوَدُّ فيه وجوه هؤلاء الحكام، وتزول دولة اليهود، قريباً، لتشرق عندها الأرض ويعلو شأن الإسلام والمسلمين، بارتفاع راية الخلافة، راية العُقاب، راية لا إله إلا الله».