يجلس تحت شجرة وحيدة باقية بالقرب ممّا كان يُعرف بمنزله. جرافتان تعملان على تمهيد الأرض للبدء في بناء منزل جديد. يرد أبو سامي التحية ويتجه صوبنا. تدل سمرة وجهه إلى الأيام التي أمضاها تحت أشعة الشمس محاوراً الأرض لتعطيه كما يعطيها. هو أحد الناجيَين الوحيدَيْن من مجزرة زبقين، ووالد ثلاثة شهداء سقطوا في المجزرة التي حصلت في منزل والديه، والتي خطفت أيضاً زوجته وأمّه وخالته وأولاد أخيه.

أبو سامي لا يحب الكلام كثيراً على المجزرة التي حصلت، فحركات جسده توحي أنه كان يتمنى لو أنه فدى أولاده بروحه. يبذل جهداً ظاهراً للحديث عن تفاصيل ذلك اليوم فقط لأنّه يشعر بضرورة الحديث عمّا حصل، لكنه يرفض التقاط صورة له في أرضه «يا عمي أنا ما بحب الصور».
ويعود بالذاكرة إلى تاريخ حصول المجزرة، يصف القصف العنيف الذي تعرّضت له المنطقة في الساعات الأخيرة من الثاني عشر من تموز «ونحن عائلة فلّاحين». يومها كان أبو سامي يقطف الدخان مع عائلته. «حملنا الدخانات إلى منزل ابن عمي وشكّيناهم هناك». بعدها نزل ابنه محمد، الذي استشهد لاحقاً، لينقل التبغ المشكوك بالعربة إلى منزلهم ويعلّقه «بالستالة». انتهى الأربعاء 12 تموز 2006.
«قرّرنا أن نترك منزلنا ونلجأ إلى منزل أهلي لأنه أكثر أمناً... فبيتي كما ترى على طرف الضيعة» يقول. صباح 13 تموز، تناول أبو سامي طعام الفطور في منزل والدته مع الجميع، وقال لزوجته والأولاد: «خلينا ننزل على البيت ونحضر شوية ثياب وغيارات داخلية». رفضت العائلة «لأن تحليق الطائرات الحربية كان كثيفاً» وقالوا له: «فلننتظر إلى أن يخفّ تحليق الطائرات قليلاً». دار هذا الحديث عند الساعة الثامنة إلّا ربعاً، أي قبل دقائق قليلة من وقوع المجزرة. خرج أبو سامي من المنزل، وقف على الدرج يراقب تحليق الطائرات الحربية «التي حامت فوق الضيعة عدة مرّات». فجأة «سمعت صوت غريب ووقعت». وبعد دقائق استفاق أبو سامي ليجد سقف المنزل على الأرض. «بدأت أُنادي زوجتي وأولادي بأسمائهم... لكن لا أحد ردّ عليّ». ثم نادى باقي الذين كانوا في المنزل... أيضاً لم يجب أحد. «ثم أتت سيارة إسعاف الضيعة التابعة للهيئة الصحية وأخذوني إلى المستشفى... وبعد أيام عدّة أخبروني بما حصل». تدمع عيناه، فيشيح وجهه عنّا قبل أن يتابع بعد لحظات: «نحن أولاد ضيعة، يعني بالعربي فلّاحين... الفلّاح لا يمكنه أن يعيش في المدينة التي خُلقت للتجّار. نحن معتادون أن نأكل من الأرض. نعيش مما تنتجه لنا... معقول بيتي تخلخل ولا يمكن ترميمه ولم يعطوني لأعيد بناءه؟ شو عم يعاقبوا جمهور المقاومة».
يتوقف عن الحديث. لم يكن يريد أن يقول هذه الكلمات، ربما أراد أن يعيد الدمعة التي علقت في عينيه أدراجها فقال ما قاله. هكذا، يتمالك نفسه ثم يتابع الحديث عن الشهداء: «صحيح قدمنا دم، وهو غالي كتير علينا مش متل ما بقول البعض إنو ما في قيمة للموت عنّا... لكننا حققنا نصراً. هيدي مش قليلة. أول مرّة يربح فيها العرب على اليهود من أيام الرسول... أول مرّة يربح فيها اللبنانيون على دولة معتدية. نحن خسرنا ناس عزيزين علينا... والله بعوّض».
في الجهة الأخرى من زبقين، كان أبو حسّان يغادر منزله، قيد الترميم، للذهاب إلى «الجبّانة» (المقبرة). هناك ينتظره شخص أحضر له خزانة «ألومينيوم» لوضعها قرب أضرحة زوجته وبناته الثلاثة اللواتي استشهدن في المجزرة. «أبو حسّان ما زال متأثراً بشكل كبير» يقول ربيع، مرشدنا في زبقين.
يحاول أبو حسّان الحديث عن خلود (17 عاماً) وفرح (15 عاماً) وعزيزة (12عاماً) «كل واحدة كان لها ميزتها وهوايتها، لكن القاسم المشترك بينهن أنهن ملتزمات دينياً. فخلود، المتفوقة في مدرستها، والتي تخرّجت في 2006 من الثانوية العامة ـــــ قسم الفلسفة، كانت تهوى كتابة الشعر «واجتماعية بشكل كبير. تعرف كيف تصبح صديقة لأي شخص فور تعرّفها به». أمّا فرح، فهي «متدينة جداً ومطلعة كثيراً على الأمور الدينية، كما أنها خضعت العام الماضي لامتحانات الشهادة المتوسطة» وعزيزة أصغرهن «بتعرف تقلّد أي شخص». يتوقف عن الكلام. ينظر إلى الأضرحة بخشوع... يستفيق بعد دقائق على سؤال العمّال: «شو رأيك أستاذ؟».
ربيع، مرشدنا، شاب من المقاومة. هادئ جداً ولا يتحدث كثيراً. رُزق طفلته الأولى منذ ثمانية أشهر. يستأذن للحظات للاطمئنان إليها «لأنها مريضة» ثم يعود بنا إلى مكان المجزرة، ويشير إلى مبنى قريب له قيد الإنشاء: «كنّا في هذا البيت عندما حصلت المجزرة. ظننا للوهلة الأولى أنهم قصفوا منزلاً لأحد عناصر حزب الله».
يقول ربيع أنه خرج من المنزل وسمع عويل نساء. اتجه نحو الصوت، فوجد إحداهن وقد جُرحت يدها. عمل على تهدئتهنّ، ثم رأى المنزل المهدّم، وبقربه أبو سامي ينادي عائلته «لم أعرفه لأن الدم كان يغطي وجهه». لاحقاً أخذوه مع أخيه وجثة أحد الشهداء التي استطاعوا سحبها في سيارة الإسعاف إلى المستشفى في صور. «بقينا نحفر ثلاثة أيام حتى أخرجنا الجثث من تحت الردم، لكن بقيت واحدة إلى ما بعد الحرب، كنّا نظنّها لأحد الأطفال ثم تبيّن أنها لوالدته». ويشير ربيع إلى أنهم بدأوا العمل بأربع جرافات ثم اضطروا إلى العمل بواحدة بسبب الطائرات الحربية.
تكفّل رئيس البلدية أحمد رضا بزيع وعدنان بزيع (استشهدت عائلة زوجته في المجزرة) بعملية انتشال جثث الشهداء، ثم تكفّلا بتأمين المواد التموينية للقرية لأن «كل الدكاكين التي فيها قُصفت». رضا وعدنان استشهدا في اليوم التاسع من الحرب (21 تموز) داخل البلدة، وبقيت جثتاهما عرضة للشمس والطيور طوال عشرة أيام، حتى الهدنة، عندما تمكّن الصليب الأحمر من نقلهما إلى صور. وقد يكون الشهيد أحمد بزيع رئيس البلدية الوحيد الذي استشهد.
في الحديث عن الهدنة، يلفت ربيع إلى أن زبقين لم تعرفها «كنّا نظن أنها كذبة إعلامية، لكن عندما انتهت الحرب، علمنا أن الهدنة طُبقت في كل مكان ما عدا زبقين التي بقيت عرضة للقصف».
يرى شباب المقاومة أن المجزرة كانت رسالة لأهالي البلدة لإفراغها من السكان، إذ لحقتها عملية تدمير منهجية طالت كل المنازل. فدُمّر 250 منزلاً تدميراً كاملاً، وتضرّرت أغلب المنازل الباقية التي بلغ عددها نحو مئة. وهم يعتقدون أن الاسرائيليين شكوا في أن يكون شباب المقاومة قد مرّوا بالبلدة خلال نقلهم للأسيرين الاسرائيليين إلى «المكان الآمن».
يعيد أهالي زبقين بناء قريتهم. وصلتهم الدفعة الأولى من الأموال التي قدّمتها السعودية، وهي عبارة عن ثلاثين مليون ليرة لكل منزل مدمّر «بانتظار الدفعة الثانية التي استحق موعدها منذ أشهر، ولا نعرف سبب التأخير حتى اليوم» يقول رئيس بلدية زبقين الحاج علي حسين بزيع. في الانتظار، تقيم 130 عائلة من زبقين اليوم في مشروع تاج الدين قرب صور، فيما تتوزع العائلات الأخرى على مدينة صور وقرى المنطقة، وخصوصاً قانا وعين بعال.
لا يجد المقاومون هذا الأمر صدفة، بل هو قرار إسرائيلي «أظن أنهم أرادوا تحويل زبقين إلى أرض محروقة بسبب موقعها الاستراتيجي في المعركة». إذ تقع البلدة عند أعلى تلّة مشرفة على منطقة صور، ويمكن من خلالها مراقبة كل المنطقة، كما أنها تبعد خمسة كيلومترات عن الحدود مع فلسطين المحتلّة.
ويشير المقاومون إلى أن عملية الإنزال الواسعة التي قام فيها ما يزيد على 600 جندي اسرائيلي في بلدة مريمين تأتي في هذا السياق.
لا تبعد مريمين عن زبقين، يفصلهما وادٍ صغير فقط وتستغرق المسافة بين البلدتين خمس دقائق فقط. عندما سقطت مروحية العدو في مريمين كان شباب المقاومة ينتظرونه في زبقين «اقتنعنا بأننا سنستشهد في الدفاع عن البلدة، لكن جنود العدو خذلوا قيادتهم، ووقفوا على بعد خمــس دقائق عن الهدف».
زبقين اليوم هادئة جداً. أهاليها موزعون على القرى المجاورة. صور الشهداء منتشرة في كل مكان، وإرادة الأهالي واضحة: سنعيد بناء قريتنا.



شهداء المجزرة
فاطمة أحمد بزيع (77 عاماً)، ثنية أحمد بزيع (70 عاماً)، مريم رضا الحسين (55 عاماً)، ملاك علي بزيع (17 عاماً)، محمد علي بزيع (17 عاماً)، حسين علي بزيع (12 عاماً)، سعاد علي منصور (40 عاماً)، نعيم وائل بزيع (18 عاماً)، آمال نعيم بزيع (45 عاماً)، خلود محمد بزيع (18 عاماً)، فرح محمد بزيع (15 عاماً)، عزيزة محمد بزيع (12 عاماً).


إلى فرنسا... على متن «هليكوبتر»
كانت الساعة الخامسة صباحاً حين دوّى انفجار كبير في بلدة الدوير.
استيقظت فاتن رمّال مذعورة. سمعت صوت دراجة شقيقها النارية، خرجت تسأله عمّا حصل فقال إن انفجاراً وقع في البلدة وهو خارج ليستطلع مكانه. في الوقت نفسه، انطلق صوت سيارة الإسعاف وتواترت أخبار أبناء البلدة عن استشهاد عائلة السيّد عادل عكاش بكاملها.
«كنّا في الدوير أول من شعر بأن الحرب بدأت فعلاً» تقول فاتن. هي تقيم في فرنسا، متزوّجة من علي رمّال ولهما ابنتان (انغريد وآف). تعود كلّ صيف إلى الدوير، وكان قد مرّ على وجودها في لبنان شهر كامل حين بدأت الحرب.
مع وقوع المجزرة الأولى اتصلّ بها زوجها يسألها إن كان بإمكانها العودة إلى فرنسا، لكن المطار كان قد تعرّض للقصف منذ اليوم الأول أيضاً «لأن ابنتيّ فرنسيتان وأنا أحمل الإقامة، اتصلوا بنا من السفارة الفرنسية وقالوا إنهم يدرسون أمر إجلائنا من لبنان، وطلبوا مني أن أعدّ الأوراق الرسمية وأبقى جاهزة».
قضت فاتن عشرة أيام في البلدة «رفض أهلي المغادرة رغم ما حصل، وبقوا صامدين حتى اليوم الأخير، كان أخي يقول لي لا يمكنني أن أسمح لإسرائيلي بأن يدخل إلى بيتنا، لن أغادر». أما هي فتعترف بأنها كانت تخاف «كنا ننام تحت القصف، وحين يشتدّ كان أخي يسأل، إذا ساد صمت طويل: بعدكن عايشين؟».
بعد عشرة أيام، تلقت اتصالاً مسائياً من السفارة يخبرها بأنهم سيأتون ليأخذوها والطفلتين «وفي صباح اليوم التالي اتصلوا وقالوا لي إذا كنت ترغبين بالمغادرة عليك أن تكوني موجودة بعد ساعة واحدة فقط في بلدة حبوش».
لم تعط فاتن إجابة سريعة على قرار المغادرة «قلت لهم سأفكر وأعاود الاتصال». تعيد سبب تردّدها إلى خوفها على من سينقلها من بلدتها إلى بلدة حبوش «كنت خائفة من أن نتعرّض للقصف على الطريق خصوصاً أن صهري هو من سيوصلني وأنا لم أكن أريد أن أتحمل مسؤولية أي مكروه قد يحصل له. سألت زوجي فقال لي أنت قرّري، هو مثلي كان خائفاً من أن يحمّل أحداً مسؤوليتي أو حتى يتحمّل مسؤولية اتخاذه قرار مغادرتي البلدة».
حسم صهرها الأمر بأن تطوّع لإيصالها إلى حبوش حيث تجمّع عدد كبير من حاملي الجنسية الفرنسية في ثانوية البلدة. هي كانت تحمل معها حقيبة لا يتجاوز وزنها الـ3 كيلو كما طُلب منها، وكذلك فعل نحو مائتي شخص انتظروا ثلاث ساعات في الثانوية لكي تجهز الباصات السبع التي ستقلّهم إلى بيروت.
تسرد فاتن تفاصيل رحلتها إلى فرنسا وكأنها حصلت أمس، تتذكر كلّ ما قيل بدقة: «تحدّث معنا مسؤول فرنسي ووضعنا في أجواء الترتيبات التي ستُتخذ. لم يطمئنّا بل قال إنهم لم يتلقّوا وعداً من (رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود) أولمرت بعدم تعرّض الباصات للقصف، وإن «حزب الله» وعد بعدم القصف، لكنه عاد وأضاف «لقد حمّل الرئيس الفرنسي جاك شيراك أولمرت مسؤولية أي خطر قد تتعرّضون له، فلا تقلقوا». كذلك حذّرهم من احتمال قضاء أكثر من يوم على الطريق قبل الوصول إلى بيروت بسبب صعوبة المواصلات بعدما تمّ تدمير معظم الطرقات.
بعد تجهيز سبعة باصات، وضعت عليها الأعلام الفرنسية، انطلقت القافلة وسلكت طريقها بصعوبة إلى بيروت: «كنا كلّما مررنا قرب حفرة أو جسر ننزل من الباصات، نقطع المسافة مشياً على الأقدام، ثم ننتظر أن تقطع الباصات بدورها الحفر لنصعد فيها ونكمل السير».
تضحك قبل أن تتابع «اسمحي لي أن أخبرك هذا الشيء، أريد أن أقوله. في طريقنا مررنا بقرى قضاء جزّين نزولاً إلى الجبل. معظم أهالي القرى التي مررنا بها كانوا جالسين في الساحات ومعهم نراجيل، وفي إحدى القرى راح عدد منهم يهتف: ألمانيا ألمانيا». توضح «كانت الباصات تحمل الأعلام الفرنسية، ربما كانوا لا يزالون يعيشون أجواء المونديال فهتفوا لفريقهم المفضّل!».
تتابع: «طالت الرحلة من الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر حتى التاسعة والربع مساء. عندما وصلنا أخذوا منا جوازات السفر، سجّلوا الاسماء ثم قسّمونا على غرف صغيرة للنوم».
في اليوم الثاني «تناولنا الإفطار وجلسنا ننتظر، كان النقاش يدور حول الطريقة التي سينقلوننا فيها إلى قبرص. قالوا في البداية إنهم سينقلوننا في البواخر ثم قرروا أن ينقلونا في الهليكوبتر. كان اسمي الثالث لأن معي أولاداً، أي أني لم أنتظر كثيراً. وصلنا إلى الميناء، هناك انتظرنا ساعتين إلى أن وصلت الهليكوبتر، وصلنا إلى قبرص بعد ثلاثة أرباع الساعة، ونُقلنا مباشرة إلى طائرة «boeing» كان على متنها فريق من الصليب الأحمر الفرنسي».
عندما وصلت فاتن إلى باريس لم تجد أحداً في انتظارها، اتصلت بزوجها المقيم في مدينة غرونوبل، راح يبكي عبر الهاتف وتبيّن أنه لم يكن يعرف أنها غادرت لبنان. «نمت عند أقاربي تلك الليلة، وفي اليوم التالي سافرت إلى غرونوبل. ما إن وصلت إلى محطة القطار حتى وجدت محطة «فرانس 3» في انتظاري، وعلمت لاحقاً أن زوجي اتصل بهم، غير أني لم أكن في حالة تسمح لي بإجراء مقابلة، فأصرّ زوجي على أن أحكي عما يتعرّض له شعبنا. سردت لهم ما حصل معنا منذ اليوم الأول، وعندما شاهدت نشرة الأخبار مساءً، لفتني أنهم لم ينقلوا من روايتي إلا ثلاث دقائق كنت أقول فيها إنّ الأولاد يبكون كل الوقت، وإننا نعيش على البطاطا. وإجابة على سؤال طرحوه عليّ عن مسؤولية ايران عن هذه الحرب».
هذا السؤال نفسه طُرح عليها عبر الراديو المحلي في المدينة «لم يطرحوا عليّ غيره رغم كل المجازر التي كانت ترتكب».
لم تنته علاقة فاتن بالحرب مع مغادرتها لبنان، فغرونوبل، كما معظم المدن الفرنسية، كانت تشهد تظاهرات يومية ينظمها اللبنانيون وغالبيتهم من الطلاب الذين لم يستطيعوا العودة إلى لبنان لقضاء إجازتهم الصيفية.
«كانت التظاهرة الأكبر صبيحة مجزرة قانا. تجمّع الشباب منذ الصباح وراحو يطبعون الصور ويكتبون الشعارات، اتصلوا بالبلدية طلباً للإذن بالتظاهر وقد شارك معهم كثيرون من جنسيات مختلفة».
بدّدت هذه التظاهرات قليلاً من القلق الذي كان يعيشه اللبنانيون، لكنّ فاتن تلفت إلى ردة فعل مختلفة لدى طفلتها انغريد (4 سنوات)، فقد نبّهتها المدرّسة إلى أنها باتت ترسم بيوتاً مهدّمة معظم الوقت. تقول: «عندما كنّا في الدوير لم تشعر انغريد بأن هناك شيئاً غير طبيعي، ربما لأني لم أكن أسمح لها بأن تشاهد التلفزيون. لكنها بعدما شاركت معي في التظاهرات في غرونوبل، صارت ترى الصور وتسمع ما نقوله حتى أنها قالت لمعلّمتها في المدرسة إن «les israeliens ce sont des mechants».
عرضت فاتن طفلتها على معالج نفسي «قال لي إنه لم يكن يجب أن أسمح لها برؤية صور الأطفال والمجازر التي ارتُكبت بحقهم، فهل كان هذا ممكناً؟» تسأل فاتن، لافتة إلى أن العلاج الذي خضعت له انغريد «جعلها تتحسن قليلاً. هي لم تعد ترسم البيوت مهدّمة، لكنها تتمتم خلال رسمها لبيوت سليمة «بووم... بووم».
اليوم، عادت فاتن لقضاء فصل الصيف مجدّداً في الدوير، تستمع من أهلها يومياً إلى حكايات صمودهم 33 يوماً وتتمنى لو أنها بقيت معهم «تمنيت هذا حتى وأنا في فرنسا، لأن القلق الذي يعيشه المسافر على أهله وأقاربه لا يحتمل».