في السنوات الماضية، كلما تطرق الحديث عن «سوليدير»، تذكّر الصيداويون أن لهم «سوليديرهم». يحفظون من زمن الرئيس رفيق الحريري، في بداية التسعينيات، «طراطيش» كلام عن شركة «صيدون» العقارية لإعادة تأهيل الواجهة البحرية في مسقط رأسه. «الشيخ رفيق سيضيء صيدا 24/24 ويوصل البحر حتى جزين وينشئ كورنيشاً وحدائق وممرات مرصوفة يمنع عنها مرور السيارات، ومطاعم ومقاهي بحرية وفنادق ومرفأ تجارياً وميناء تراثياً للصيادين ونادياً لليخوت». حلم الحريري بتطويره مدينته دغدغ مناصريه، حتى كاد البعض يتصرف على أن المشروع واقع غداً. أحد المباني السكنية الواقعة قبالة خليج اسكندر سمّي «بناية اليخوت» مناجاة للحلم الموعود.
في جلسة مجلس الوزراء في 9 أيار 1996، صارت «صيدون» مرسوماً حمل الرقم 8938. رئيس الجمهورية إلياس الهراوي، وبناء على اقتراح رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري، رسم «إنشاء شركة عقارية مغفلة لبنانية ش.م.ل باسم الشركة اللبنانية لتطوير ساحل مدينة صيدا وتصديق نظامها الأساسي»، اختصارها «SIDON». ووقع المرسوم كل من وزراء المال فؤاد السنيورة والأشغال علي حراجلي والنقل عمر مسقاوي والشؤون البلدية والقروية هاغوب دمرجيان.
بالنظر إلى نظامها، تبدو الشركة نسخة من «سوليدير» ناقصا بند أصحاب الحقوق، إذ تخضع الشركة للمرسوم الإشتراعي الرقم 5 (حول إنشاء مجلس الإنماء والإعمار). ويعهد للشركة القيام بالأعمال اللازمة: ردم جزء من البحر في المواقع التي يجري الاتفاق بشأنها مع الحكومة اللبنانية بموجب اتفاق يضعه مجلس الإنماء والإعمار ويصدق بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء وبموافقة وزيري المال والنقل وفقا لتصميم ونظام توجيهي يتضمن ترتيب الأراضي الناتجة عن الردم وتمويل وتنفيذ اشغال البنى التحتية، وتملك ما يصيب الشركة من هذه الأراضي بموجب الاتفاق وبيعها وإنشاء الأبنية عليها وبيعها أو تأجيرها او استثمارها وإدارتها وصيانتها، وبصورة عامة ممارسة جميع حقوق الملكية عليها واقامة مرفأ تجاري لصيدا وتشغيله وإقامة أعمال الحماية البحرية والأرصفة اللازمة له. ويحدد المرسوم عمر الشركة بخمسين عاماً ويكون مركزها في صيدا ويمكنها إنشاء فروع أو وكالات أو مكاتب للشركة في لبنان أو الخارج. وهي تقوم على عدد من المساهمين بالأسهم. وتتمثل الدولة ــــ بوصفها مالكة للمساحة المردومة الداخلة في نطاق الشركة ــــ في مجلس الإدارة بممثل واحد يعين بمرسوم يصدر بناء على اقتراح وزيري المال والنقل. وللشركة جمعية عمومية تأسيسية وأخرى عادية وهيئة تأسيسية. أما المادة 69، فتنص على أنه يجب على مجلس الإنماء والإعمار أن يسجل نظام التأسيس لدى كاتب العدل. ويمكن للمجلس خلال مرحلة التأسيس، بناء على تكليف من مجلس الوزراء، أن يباشر إعداد الدراسات الفنية اللازمة لتنفيذ المشروع. فيما المادة 60 تنص على أن تقوم الشركة بتمويل وتأمين تنفيذ الطرق واقامة الساحات والحدائق العامة على نفقتها الخاصة بموجب عقد بينها وبين مجلس الانماء والاعمار، وتصبح المساحات المنفذة املاكاً عامة. وتقوم الشركة لمصلحة الدولة بتنفيذ اشغال البنية التحتية كشبكات المياه والكهرباء والاتصالات والطرق ومواقف السيارات.
عند استعراض أعداد الجريدة الرسمية لعام 1996، نجد أن الحكومة، في الجلسة ذاتها، وافقت على كل من المرسوم الرقم 8936 القاضي بإنشاء شركة عقارية لتطوير ساحل بيروت الشمالي (التي عرفت باسم لينور) والمرسوم الرقم 9043 القاضي بإنشاء مؤسسة عامة لترتيب منطقة الضاحية الجنوبية الغربية لبيروت (التي عرفت باسم إليسار). واللافت أننا في استعراض عام 1996، لا نجد المرسوم الخاص بصيدون (8938). في كل الأحوال، يبدو أن العراقيل التي أوقفت مسار إليسار ولينور، طاولت صيدون. فلم تبصر النور. مرت السنوات. نسي بعض الصيداويين أمرها حتى حلّ على نحو مفاجئ مشروع المرفأ التجاري الجديد والأشغال المحيطة به في البنى التحتية والحدائق والساحات. فهل جرى إحياء «صيدون» بأسماء أخرى؟


مرسوم واجهة
صيدا البحرية صدر في ظل حكومة تصريف أعمال ولم ينشر في الجريدة الرسمية


في حديث لـ»الأخبار»، يجزم الوزير السابق شربل نحاس بأن «صيدون» لم تبصر النور. نظام الاكتتاب والتأسيس المنصوص عليه في مرسوم إنشائها لم يعلن ولا يمكن أن يجري بصورة سرية. يحتفظ نحاس بمرسوم وافقت عليه حكومة السنيورة عام 2008، يلغي مرسوم «صيدون». وهو مرسوم ترتيب الأراضي اللبنانية المستند إلى دراسة نفذتها دار الهندسة حول الخطة الشاملة لترتيب الأراضي، لمصلحة مجلس الإنماء والإعمار بالتعاون مع المديرية العامة للتنظيم المدني. ويحدد المرسوم «المناطق الساحلية المطلوب حمايتها من أي تغيير أو إعادة تأهيلها في حالتها الأصلية، منها شواطئ صيدا الشمالية والجنوبية وقلعة صيدا البحرية والواجهة البحرية لمدينة صيدا القديمة». لكن كما ألغى مرسوم «ترتيب ساحل صيدا» مرسوم تطويرها، يأتي المرسوم الرقم 5790، ليعيد رسم الخريطة مجدداً، محيياً «صيدون» من حيث لا ندري. يعرض نحاس مرسوماً بعنوان «الترخيص بإشغال أملاك عمومية بحرية في منطقة الدكرمان العقارية، لزوم الحماية البيئية لقسم من الواجهة البحرية لمدينة صيدا». يتوقف عند التناقضات التي تملأ صفحاته الثلاث. يلفت إلى أن المرسوم، بناء على اقتراح مجلس الوزراء الرقم 37 بتاريخ 26 أيار من عام 2009، أي في عهد حكومة السنيورة. مادته الأولى تنص على أنه خلافاً للمرسوم الرقم 4810 (24 كانون الثاني 1966 الذي يحدد استخدام الأملاك العامة) يرخص لمجلس الإنماء والإعمار بردم وإشغال مساحة 634640 مترا مربعا من الأملاك العمومية البحرية من منطقة الدكرمان لزوم الحماية البيئية لقسم من الواجهة البحرية. أما مادته الثانية، فتنص على وجوب تقديم صاحب الترخيص دراسة تقييم الأثر البيئي وفقاً لإرشادات تحدد بقرار من وزير البيئة. المادة الخامسة تنص على أحقية موظفي الإدارة (المجلس) بالدخول إلى المنطقة المرخص لها. المادة السادسة تلزم صاحب الرخصة بدفع مبلغ ألف ليرة لبنانية بدلاً سنوياً لصندوق رئاسة مرفأ صيدا. يتوقف نحاس عند المادة الثانية: «أعطيت الرخصة لمدة عام قابلة للتجديد ضمناً» والمادة السابعة: «لا يجوز التنازل عن الرخصة للغير إلا بعد موافقة مسبقة من المرجع الصادر عنه الترخيص»، والمادة الثامنة: «إن حقوق الغير محفوظة وتبقى محفوظة حتماً ولهم حق إثباتها عند الاقتضاء أمام السلطات القضائية المختصة». يطرح نحاس تساؤلات عدة: ما هي الحقوق؟ ومن هم الغير؟ ولماذا نص المرسوم بصيغة توحي بأن صاحب الرخصة شركة خاصة لا إدارة رسمية؟ ولماذا لم يحدد بالضبط ما هي الأملاك العمومية البحرية التي أعطي المجلس الترخيص لإشغالها؟ ومن أين يأتي المجلس بالأموال لتنفيذ الأشغال في ظل عدم وجود اعتمادات وموازنات...؟. التساؤلات التي لا تملك إجابة قد تجد تفسيراً في قانونية المرسوم ذاته. يلفت نحاس إلى أنه صدر بتاريخ 6 نيسان من عام 2011، حاملاً توقيع كل من الرئيسين ميشال سليمان وسعد الحريري ووزيرة المال ريا الحسن ووزير الأشغال والنقل غازي العريضي، أي إنه صدر في ظل حكومة تصريف الأعمال، في وقت كان يعمل فيه الرئيس نجيب ميقاتي على تأليف حكومة جديدة. عنصر لافت أيضاً. لم ينشر المرسوم في الجريدة الرسمية كما نصت المادة العاشرة منه.
ما هي المشاريع التي ستمرر على نية هذا المرسوم؟
الورشة الجارية يميناً وشمالاً في الواجهة البحرية الجنوبية تزيد من التساؤلات. أعطى المرسوم الحق بردم مساحة 634 ألف متر مربع في البحر، فيما مساحة صيدا القديمة الإجمالية لا تتجاوز 185 ألفاً، أي أصغر بثلاث مرات ونصف مرة. الردم في الظاهر لمصلحة الأعمال المحيطة بمشروع إزالة جبل النفايات. هنا يرفق بقرار صدر في وقت سابق عن حكومة السنيورة بتاريخ 27 أيار من عام 2009، تحدث عن هبة سعودية خصصت لإنشاء حاجز بحري لحماية المكب وردم المسافة بينه وبين الحاجز وكلفت مجلس الإنماء والإعمار إجراء الدراسات اللازمة. بعد مدة، تبلورت حماسة لافتة للعريضي بإقرار خطة لإنشاء خمسة مرافئ جديدة على طول الشاطئ اللبناني، منها مرفأ تجاري جديد في صيدا. بسرعة قياسية، انطلقت ورشة ردم مساحة 550 ألف متر لاستخدامها سنسولا ومباني إنشائية للمرفأ وزاوية تخصص لرسو اليخوت السياحية. السنيورة روّج لفكرة المشروع. نال ما يريد، ليس بالموافقة عليه فحسب، بل أيضاً برسو المناقصة على شركة جهاد العرب. والعرب نفسه كان قد أوكل بنقل الردم والنفايات من المكب أيضاً. استند السنيورة إلى مخطط سابق موجود في أدراج الوزارة يقوم على تطويل سنسول المرفأ الحالي إلى مسافة قريبة من جزيرة «الزيرة» ليستقطب عدداً أكبر من البواخر التجارية، التي يرتطم عدد كبير منها بأرض حوض المرفأ الحالي، بسبب تراكم الوحول والرمول، لكن المخطط لم يعد ينفع، تحسباً لما تسببه من زحمة بواخر في محيط القلعة البحرية ويضيق على الصيادين ومراكبهم.
نقل المرفأ إلى عشرات الأمتار جنوباً، قبالة بوليفار الرئيس رفيق الحريري. وخصص القسم الخارجي منه لاستقبال البواخر، فيما القسم الداخلي يخصص لقوارب ويخوت السياحة والنزهة منها الزوارق السياحية التي تنظم رحلات من ميناء الصيادين نحو الزيرة. حالياً، تكاد المرحلة الأولى من إنشاء المرفأ تنجز. السنسول الطويل حوّل الخليج إلى بحيرة راكدة. سرعة الأشغال غافلت الصيادين الذين اكتشفوا بعد وقوع الواقعة والردميات و»بلوكات» الإسمنت الضخمة، أن رزقهم في خطر. فالردم طاول البرك الوحلية حيث تتكاثر الأسماك في الخليج الذي يعرف بـ «بحر اسكندر»، ووجه ضربة شديدة لما تبقى من الثروة السمكية، التي تضاءلت بسبب عمليات الردم المتعددة للبحر على شواطىء صيدا. نفذوا اعتصامات وقطعوا الطرق، لكن بعد فوات الأوان. المرحلة الثانية المرتقبة، تشمل إنشاء ناد لليخوت، ورصيف جديد بطول 150 متراً ليصبح طول الأرصفة المستحدثة 450 متراً، تستقبل البواخر المتوسطة الحجم في القسم الخارجي. بذلت البلدية الحالية مساعي لإقناع الصيادين بأن المرفأ لا يستهدفهم. روجت للمشروع التالي: «تأهيل ميناء الصيادين» بالشراكة مع بلدية برشلونة الإسبانية. فالمرفأ الحالي سيصبح لاحقاً مخصصاً لزوارقهم فقط. في وقت نظّفت فيه حوض الميناء وشفط الرواسب والرمول والأوساخ منه.




المقاصد: الضحية المقبلة؟

قبالة خليج اسكندر، يرتفع مبنى ثانوية المقاصد الإسلامية. المبنى ذو اللون الزهري، وواجهته ذات القناطر، شيد عام 1880. عند تأسيسه كانت روضة، استمر العمل فيها حتى عام 2001 عندما نقلت إلى مبنى دوحة المقاصد وحلت مكانها ثانوية للبنين والبنات. المبنى الممتد من ساحة ضهر المير شرقاً عند حدود صيدا القديمة حتى حدود الأوتوستراد البحري، يرتفع بطبقتين على عقارين رقم 282 و281، مساحتها أكثر من ستة آلاف متر مربع. العين على هذا المبنى. في وقت سابق، اقترح مجلس إدارة الجمعية تحويله إلى كلية تمريض بالتعاون بين جامعة بيروت العربية ومستشفى غسان حمود. مؤسسة الحريري عارضت حينها المشروع. علماً بأنها في الوقت ذاته، كانت تستثمر خان الإفرنج التابعة للأوقاف الإسلامية. منذ أشهر، يكثر الحديث عن أزمة مالية تعانيها الثانوية، وعن وأن عدداً كبيراً من طلابها لا يدفعون الأقساط وخسارتها تخطت 600 مليون ليرة. تلك الأزمة دفعت بالإدارة إلى صرف عدد من الموظفين والعمال. حالياً، تكثر الشائعات عن قرب دمج الثانوية بثانوية حسام الدين الحريري التابعة للجمعية في شرحبيل. عدد من المقاصديين يرفضون تلك الشائعات. يرون أن مجلس إدارة الجمعية الحالية برئاسة يوسف النقيب، صديق رفيق الحريري والمقرب من بهية الحريري، يروجون لها لتمرير غايات ما. في هذا الإطار، يتساءلون عن مصير المبنى الزهري فيما لو غادره طلابه؟ هل يضم إلى مملكة الواجهة البحرية ويستثمر سياحياً كمطعم أو فندق؟ المخاوف تزداد بعد تجربة مدرسة عائشة أم المؤمنين التابعة للجمعية، التي حولتها مؤسسة الحريري إلى أكاديمية التدريب والتواصل «علا». في عام 1997، وقعت الجمعية عقد إيجار حرا مع جمعية صيدا التراث والبيئة بشخص النائبة الحريري. قضى العقد بالسماح للجمعية بإعادة تأهيل وترميم المدرسة واستخدامها كمتحف يبرز تاريخ صيدا. مدة العقد 24 عاماً، ينص على أن تحصل الجمعية خلال الثماني سنوات الأخيرة منه على رسم دخول يستوفى من زوار المتحف وعلى أن ترفع لوحة تذكارية تشير إلى ملكية الجمعية للمبنى. أما وقد صار المتحف «علا»، فالتساؤلات تكثر عن مصير المبنى الزهري؟