فخامة الرئيس ميشال عون،

تحية إكبار وبعد،
فقد لا تترك لكم مشاغلكم الوقت الكافي لمتابعة كل ما يجري، وصولاً إلى برامج التلفزيون. لذا اسمحوا لنا بأن نتوجّه إليكم، من على صفحات الجريدة التي راهنت عليكم منذ الساعة الأولى. نكتب بشأن قضيّة قد يكون بعض الناس، للأسف، غير متنبّه لخطورتها، بعدما تسلّل الطاعون إلينا عبر الصدع العظيم، الذي خلّفته في الوعي الجماعي كوارث «الربيع العربي».
مساء غد الأحد، كان يفترض أن تعرض محطّة «أو تي في» حلقة من برنامج «عَ سطوح بيروت»، الذي تقدّمه داليا داغر، مخصّصة لأمين معلوف. «سبق صحافي» جيّد كنّا سنستقبله بحفاوة، لو لم يفجعنا الأديب المعروف بسقطته المدوّية، في 2 حزيران الماضي، يوم أدلى بحديث لمحطّة i24 الإسرائيليّة حلقة معلوف، كنّا قد طالبنا بتأجيلها، وأذعنت المحطّة عشيّة الجولة الحاسمة للانتخابات الرئاسيّة، في انتظار اعتذار الكاتب عن فعلته الشنيعة، لكنّه للأسف لم يفعل. وها هي الشاشة البرتقاليّة تعيد برمجة الحلقة، وتمهّد لها بفيلم ترويجي ملؤه الإطناب. ثم نكتشف خلال الكتابة أنّها «أجّلتها، لمواكبة الحدث السياسي». ما يترك انطباعاً بأنها ستعرضها عاجلاً أم آجلاً، وعندذاك ستأخذ على عاتقها تكريس خطأ سياسي وأخلاقي، وتغسل تهمة «الخيانة الوطنيّة» عن أمين معلوف، الذي خالف القوانين اللبنانيّة. أمِن أجل الرواج ستبث «أو تي في» هذا الحديث، الذي تفيد معلوماتنا بأنّه أجري بعد السقطة التطبيعيّة، بل في غمرة حملة الاستنكار العارمة عليها؟ أم أن هناك قراراً لدى القوّة الأساسيّة التي يستند إليها العهد الجديد، بالانحياز إلى المبادرات التطبيعيّة مع العدوّ الاسرائيلي، من ثقافيّة وأكاديميّة واقتصاديّة…؟ هذا ما لا يمكن تصديقه عن تيّار ميشال عون. إذاً، كيف نقرأ التغاضي عن مبادرة معلوف، وهي تتناقض جوهريّاً مع خطاب القسم التاريخي الذي ألقيتموه، يوم 31 تشرين الأوّل؟
نعرف، فخامة الرئيس، أنكم تحبّون أمين معلوف وتعتزّون به، مثل كثير من اللبنانيين، لكن تلك بالتحديد مشكلتنا مع الكاتب الرائج في العالم، والمحبوب في وطنه: لقد سخّر رصيده الكبير لأنسنة قاتلنا وغسله من جرائمه. ارتمى في أحضان محطّة اسرائيليّة يديرها فرانك ملّول المدافع عن سياسات الليكود الدمويّة، وقد انشئت «لتكشف للعالم وجه إسرائيل الجميل». وهذا تطبيع موصوف. إذا احتفى تلفزيون ميشال عون، غداً أو بعد أسبوع، بالكاتب «التطبيعي»، كأن شيئاً لم يكن، ومن دون فتح نقاش حول ما جرى قبل خمسة أشهر، فستكون رسالة واضحة لنخبنا السياسية والثقافية والأكاديميّة والاقتصاديّة. رسالة تقول إن الانفتاح على العدو وجهة نظر هناك دائماً من يحميها في الدولة، وفي القضاء، وفي الاعلام. رسالة تقول للرأي العام إن بوسع من يرغب من الشعب العظيم، أن «يهرول» إلى الكيان الصهيوني، من دون أي تأنيب ضمير أو خوف من المحاسبة.
هل يمكن أن نتعامل مع موضوع حسّاس كهذا، بخفّة سياسيّة، بل بلامبالاة وسياحيّة، وبحياديّة قاتلة؟ لا يتحامٓقَنّ أحد عليكم، بذرائع من نوع أنّ معلوف «لم يتحدّث في السياسة»، بل عن أسلافه المشهورين في المقعد الذي يحتلّه الآن تحت قبّة «الأكاديميّة الفرنسيّة». لا يتخابٓثَنّ أحد بمناورات تصوّر لكم أن الكاتب الذي «يجسّد النجاح اللبناني في العالم»، ذهب إلى التلفزيون الصهيوني كـ «كاتب فرنسي»! إن أمين معلوف، الذي بنى مجده بصفته كاتباً «فرنكوفونياً» آتياً من لبنان، وصنع رواجه بشخصيات وموضوعات واشكاليات ومصادر من صلب الواقع اللبناني والعربي والحضارة الاسلاميّة، لا يستطيع أن يكون فرنسيّاً متى يشاء، ولبنانيّاً متى يشاء. ولو لم يكن لبنانيّاً أصلاً، لما اهتمّت به المحطة الصهيونيّة القائمة على استدراج الكومبارس العرب إلى كرنفال يُخفي المجزرة، بدليل أنّ محاوِرته ركّزت على «لبنانيّته» أيّما تركيز.
من يعرف أكثر منكم، فخامة الرئيس، أن مقاومة العدوّ الاسرائيلي ليست عسكريّة فقط، بل هي ثقافيّة وحضاريّة أساساً؟ بالأمس افتتح «معرض الكتاب الفرنكوفوني» في بيروت، بحضور وزيرة الثقافة الفرنسيّة أودري أزولاي، التي لا تخفي تعاطفها مع إسرائيل، بل تتهيأ لتنظيم احتفاليّة ضخمة في فرنسا، في الذكرى السبعين لقيام الكيان الغاصب، الذي أسسته «عصابات الهاغانا» على فلسفة المجزرة، وزرعه الغرب الاستعماري في أرض فلسطين. من الصعب أن نملي على دولة غربية، مَن ترسل إلى لبنان لافتتاح نشاط ترعاه وتنظّمه للاحتفاء بلغتها، لكنّنا نمون على محطّة وطنيّة تحلف باسم ميشال عون ألا تمضي في الاتجاه نفسه الذي بات «موضة» في لبنان والمنطقة… واجبنا المشترك ألا نغمض عيناً أو ننكّس قلماً. وأن نسمّي القاتل، ونشير إلى المتواطئ، ونفضح شاهد الزور. واليوم نرفض أن تغفر Otv «جريمة» أمين معلوف على الطريقة الفولكلوريّة اللبنانيّة، من دون محاسبة، أو اعتذار، أو نقاش. نرفض أيّة مبايعة رمزيّة للدولة السبارطيّة، ونرفض التطبيع الخبيث معها، ونرفض الاستسلام الناعم لسكينها الدامية.
فخامة الرئيس،
نعي تماماً أنّك لم تعد زعيماً لتيّار سياسي، لكنّك لطالما كنت لهذا التيّار رمزاً وقائداً ومعلّماً، وهو مؤتمن من بعدك على الأخلاق السياسيّة والوطنيّة التي حملتك إلى بعبدا. صرت رئيساً لكل اللبنانيين، وهذا يضاعف مسؤوليتك في مكافحة كل بوادر التطبيع والانفتاح على عدوّنا المطلق. لذا نلجأ إليك اليوم، في مستهلّ عهدك الذي لا نريد له أن يبدأ تحت لواء التطبيع الثقافي. نرجوك أن تتدخّل لاقناع إدارة «أو تي في» بسحب الحلقة المشبوهة نهائيّاً لا تأجيلها. ستكون هناك مناسبات كثيرة لاعادة الاعتبار الى أمين معلوف وأدبه ومساره، بعد أن يصفّي حساباته مع شعبه وضميره.
لقد دخلتم إلى بعبدا مكللين بغار المقاومة الذي يليق بكم. وهذه المقاومة هي اليوم بعهدتكم، وفي حمايتكم.
كل التمنيات بالتوفيق والنجاح.