من يخسر ومن يربح في أحداث الأيام الأخيرة؟ الأكيد أن الضرر وقع بقوة، وأن الاستقرار السياسي والأمني اهتزّ لأول مرة بهذا الشكل منذ بداية العهد وثبات المؤسسات السياسية والأمنية، ولا سيما أن أركان الحكم كانوا لا يزالون يتغنّون لأيام خلت بأنهم تجاوزوا قطوع أزمة استقالة الرئيس سعد الحريري بأقل أكلاف ممكنة وأضرار على الأمن والليرة، وأن البلد مفتوح أمام مؤتمرات دولية وأمام موازنة جديدة ونفط ومعالجة ملف النازحين وانتخابات نيابية باتت كلها على المحك.


من الصعب توصيف أو تجاوز ما حصل. هو ليس مجرد خلاف مزمن بين رئيس مجلس النواب نبيه بري والوزير جبران باسيل منذ انتخابات عام 2009 حين أعلن باسيل أنه يريد أن «يسترد» جزين من بري، ولا هو الصراع المتجذر بين رئيس الجمهورية ميشال عون مع بري. هي حالة عداء مع الصورة المستقبلية التي يمثلها باسيل الذي يؤسس لمرحلة جديدة، تتعدى تلك التي مثلها عون منذ التسعينيات ولم يكن بري على ودّ معها. وعلى هذه النقطة، يفترض قراءة مرحلة ما بعد الحدث، لأن القضية تتجاوز خلافاً عابراً حول كلمة أو رفض بالاعتذار.


ما يجري هو حالة عداء
مع الصورة المستقبلية
التي يمثّلها باسيل


ثمة أعراف يصرّ بري على عدم القفز فوقها، وتالياً هو يضع مسبقاً خريطة طريق لكل من يعنيه الأمر اليوم ومستقبلاً. فإذا كان قد تم تجاوزه في مرحلة التحضير لرئاسة عون، فإنه لن يقبل أن يكون مجرد متفرج في العهد الذي لم يكن يرغب به أصلاً. بالنسبة إلى بري، ما بني على باطل هو باطل. والباطل هنا هو التسوية الرئاسية التي أتت بعون رئيساً من خارج الإطار الذي كان رئيس المجلس قد رسمه منذ الشغور الرئاسي. الواضح أن بري يستفيد من أي خلل أو عثرة سياسية من جانب عون وباسيل، لينقضّ على التسوية وأدواتها. على هذا الأساس، جرت محاولة استيعاب ردة فعله حين تم القفز فوق طرح السلة المتكاملة، فسلمه حزب الله إدارة التفاوض حول الحكومة، لكنها كانت شاقة، إذ وقف باسيل في وجهه فيها، ولا سيما بالنسبة الى حقيبة وزارة الأشغال، ما اضطر بري الى إعطائها من حصته. في قانون الانتخاب، تكررت القصة نفسها. أدار التفاوض وجُوبِهَ بمعارضة شديدة، الى أن تغلب على باسيل من خلال التشاور مع القوات والمستقبل والنائب وليد جنبلاط.
ليس بإمكان بري أن يقبل بأن يكون أقل من ضابط إيقاع في تركيبة الحكم وإدارة البلاد، وهو هنا يصوّب على عون والحريري معاً. لكن ردة الفعل على باسيل تبقى أخفّ وطأة في الشارع، مما يمكن أن تكون عليه ضد الحريري، الذي يكتفي بالتصعيد الكلامي ضده، فلا نشهد تظاهرات وقطع دواليب، حتى لو نكث الحريري بالعهود ووقّع مرسوم الترقية. ليس بإمكان بري أن يقبل بعهد ليس له فيه كلمة أولى وأخيرة، وهي رسالته الى عون وإلى فريقه، وإلى الحريري. فهل يمكن رئيسَ الحكومة بعد اليوم أن يتجاوز الرئاسة الثانية، على افتراض أن حلّت مشكلة الاعتذار؟ وهل بإمكان الحريري أن يطيح تفاهماً غير مكتوب مع حزب الله وبري حول التهدئة من أجل البقاء حليفاً لرئيس الجمهورية وحده، مع الأثمان التي يمكن أن يدفعها وفقاً لذلك؟
لكن مشكلة بري هذه المرة أنه ترك للاستفزاز أن يأخذ مداه، فخصمه تعلم «صنعة» بري السياسية فينافسه فيها وغيره من الطبقة السياسية عبر تسويات سياسية، ومالية، وسقف عال لا يمكن التراجع عنه، محصناً هذه المرة برئاسة للجمهورية ودعم دولي وإقليمي لموقع الرئاسة. بالنسبة الى عون وباسيل، كان واضحاً أن الأمر بالنسبة إليهما انتهى تماماً كما انتهت قضية مرسوم الترقية. ما خلا ذلك من تداعيات، فالأمور متروكة لأوقاتها. ولا يمكن لمن يعرف باسيل أن يعتقد بأنه قد يعتذر أو حتى أن يطوي صفحة الخلاف، ولو كان اعترف بأنه أخطأ باستخدام كلمات لا تشبه ادبيات التيار الوطني الحر. في الموقف الذي اتخذه باسيل، تأكيد المؤكد، أن أي تراجع من جانبه تحت الضغط، يعني أن ما راكمه في الأشهر والسنوات الأخيرة سينهار، وسيفقد بذلك الإنجاز الذي حققه كرئيس للتيار، ولا سيما بعد أزمة الرئيس سعد الحريري مع السعودية، وبعد خلافه مع بري حول المرسوم وتلويحه بتغيير رئيس المجلس بعد الانتخابات. وأي تراجع أمام بري تحديداً يعني أن العهد فقد ركيزة أساسية من قدرته على عدم المساومة، كما يقضي قاموس التيار.
بهذا المعنى، حقق باسيل في حساباته ربحاً إضافياً. وقد بات معلوماً أن ما حصل أمام مركز التيار الوطني في سنتر ميرنا شالوحي كان المؤشر الحقيقي الذي قلب مزاج الشارع الذي وقف مع باسيل بعد الظهر، بعدما كان ضده قبل الظهر. وهنا السؤال: هل إن ترك الأمور تتهاوى الى هذا الحد كان مقصوداً لاستثماره سياسياً، وهو ما حصل فعلاً، أم أنه بمحض صدفة وخطأ من جانب المتظاهرين ومن وراءهم؟
لكن عدم الاعتذار، وهو جزء من عدة الشغل السياسية، يعني أيضاً أن العهد والبلد يواجهان أزمة مفتوحة، لا يمكن التعامل معها كما في المراحل السابقة التي كان فيها التيار الوطني الحر يقاطع جلسات مجلس الوزراء أو النواب ويهدد بالشارع لتنفيذ مطالبه. اليوم، التيار الوطني هو حزب العهد والسلطة، وأي خلل في الوضع الداخلي يأكل من رصيد العهد وصورته وهيبته. فهل بإمكان العهد أن يبقى على «سلبيته» تجاه بري، ويترك الأمور تأخذ مداها من انفعالات، سيضطر عاجلاً أو آجلاً الى استخدام الجيش لتطويقها، مع كل ما يحمله ذلك من مخاطر. وهل يتحمل العهد أن يتعطل مجلس الوزراء ومجلس النواب والموازنة، بذريعة أن الانتخابات ستكون مفصلاً حقيقياً وأن الأشهر الباقية لموعدها ستكون كفيلة بتسوية كل الخلافات.
كلا الطرفين يلعبان على حافة الهاوية، والمشكلة الكبرى أن كليهما يتقنان لعبة تعطيل المؤسسات والبلد.