هذه المرة، ضُبط الموساد بالجرم المشهود. المؤسسة التي يعتبرها العدو ذراعه الضاربة حول العالم، والتي يتباهى بكونها «لا تُقهر»، حصدت فشلاً مزدوجاً في لبنان بعد الرابع عشر من كانون الثاني الماضي. الفشل الأول لا يزال مجهول الأسباب. ربما كانت الصدفة وحدها أنقذت القيادي في حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، محمد حمدان، من محاولة اغتياله في صيدا، صبيحة ذلك اليوم.


أو ربما كان «خطأً» ارتكبه المنفّذ الذي تشتبه الأجهزة الأمنية في كونه إسرائيلياً، من أصل عراقي كردي، يحمل الجنسيتين العراقية والسويدية. فالعبوة المزروعة أسفل سيارة حمدان، كانت معدّة لقتله. لكن يبدو أن القاتل ارتكب «هفوة» سمحت لهدفه بالإفلات. نجا حمدان، فسُجِّل الفشل الأول. وفي غضون أسبوع، سُجِّل الفشل الثاني، بانكشاف هويات عميلين لبنانيين للموساد الإسرائيلي، هما محمد الحجار، ومحمد بيتية، وتوقيف الأول في تركيا بناءً على معلومات فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي. والأهم، كشف هويتي «ضابطين» في الموساد، يجزم أمنيون بأنهما إسرائيليان. الأول، كشفت التحقيقات التي أجراها فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي أنه دخل لبنان بجواز سفره العراقي يوم 9/1/2018، عبر مطار بيروت، وغادر إلى دمشق، عبر المصنع، يوم 14/1/2018، بعد ساعات على تنفيذ العملية. أما زميلته، فهي تحمل الجنسية الجورجية، ودخلت لبنان يوم 9/1/2018، وغادرت عبر المطار إلى قطر، ومنها إلى دولة أخرى، صباح يوم 14/1/2018.
بدأت عملية الموساد الرامية إلى اغتيال حمدان قبل أكثر من سبعة أشهر من تنفيذ الجريمة في صيدا الشهر الفائت. كُلِّف الحجار مراقبته، في منزله القديم في سيروب، بعاصمة الجنوب. وبعد انتقال القيادي في المقاومة الفلسطينية إلى منزله الجديد، في منطقة البستان الكبير في المدينة نفسها، كُلِّف بيتية مراقبته، وانتقلت العملية إلى مستوى الإعداد للتصفية الجسدية.


استأجر العميل مستودعاً قرب منزل حمدان، بذريعة استخدامه لتخزين الثياب، وتقرّب من سكان المنطقة، بينهم ناطور المبنى الذي يقطنه «الهدف». في الشهر الأخير من عام 2017، كثّف بيتية مراقبة تحركات حمدان، تمهيداً لاغتياله الذي تقرر أن يكون يوم 12 كانون الثاني 2018. سافر بيتية إلى أوروبا، ثم عاد في التاسع من كانون الثاني، بالتزامن مع قدوم الجورجية والعراقي ــ السويدي. كان الأول قد استأجر منزلاً في منطقة قريبة من المرفأ، عبر تطبيق «airbnb»، ومثله فعل «السويدي» في الأشرفية. أما زميلته، فنزلت في فندق في منطقة الحمرا.

فجر يوم الجمعة 12 كانون الثاني، توجه بيتية، برفقة الجورجية، من بيروت إلى صيدا. استقلا سيارة أجرة من كورنيش العاصمة البحري، وتحديداً، من مكان قريب من المنارة. كانا يتعانقان كعاشقين. وكان في حوزتها كيس بداخله العبوة الناسفة. وصلا إلى المدينة الجنوبية، فترجّلا واتجها سيراً على الأقدام نحو «المستودع». أرادا زرع العبوة الناسفة أسفل سيارة حمدان التي يستقلها الأخير صباح الجمعة، كما في كل أسبوع. فوجئا بأحد جيران «الهدف»، الذي كان عائداً لتوه من المطار.
صورة عن جواز سفر كوفان بامارني