لا يُمكن اختصار زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى لبنان بعنوان أو هدف واحد. الرجل الذي سيقوم في مسار جولته إلى المنطقة بزيارة الأراضي الفلسطينية المحتلّة، سيركّز في لقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين على وجوب التزام لبنان بالعقوبات الأميركية المفروضة على حزب الله وإيران. لكن الأساس في الزيارة هو تكرار ما سبَق أن طلبه الموفدون الأميركيون، خاصة مع شروع العدو في التنقيب عن الغاز شمال البحر الفلسطيني، أي القبول بما يُريده الإسرائيليون في ملف ترسيم الحدود، والضغط على الجانب اللبناني بهدف فصل الترسيم البرّي عن البحري. سيأتي بومبيو الى بيروت حاملاً هذا العرض؛ إما الالتزام بخط هوف، وإما بقاء لبنان خارج المعادلة النفطية وعدم القدرة على مواجهة خط أنابيب الغاز الذي سيمتد من «إسرائيل» إلى قبرص فأوروبا عبر اليونان!

يُولي حزب الله هذا الأمر أهمية كبرى، في ظل عدم الاتفاق على ترسيم الحدود البرية والبحرية حتى في الداخل اللبناني (راجع «الأخبار»، 26 كانون الثاني 2019)، إذ إن هذا الموضوع يمثل تهديداً للمخزون النفطي اللبناني في البلوكات الجنوبية، ولا ينفك يحذر منه رئيس مجلس النواب نبيه بري. فالفصل في ترسيم الحدود بين البر والبحر، سيؤثر حتماً على المساحة التي يمتلكها لبنان في البحر.


حين تتحدث أوساط الحزب عمّا يريده الأميركيون من هذا البلد، تنطلق دوماً من عنوان أساسي هو «المصلحة الإسرائيلية». هذه المصلحة «التي لا يُمكن أن تتحقق من دون تطويع لبنان ليكون منصّة لتنفيذ رغبات إسرائيل في المنطقة».
لا يفصِل الحزب «المُحاولات الأميركية المستمرة للسيطرة على البلد عن الصفعة الكبيرة التي تلقّاها مشروع واشنطن في سوريا، بعدَ أن حققت المقاومة نتائج مُبهرة في معاركها داخل سوريا، وعلى الحدود اللبنانية في القصير والسلسلة الشرقية، وكان للجيش اللبناني دور مهّم فيها». هذه الانتصارات التي أشار إليها السيد حسن نصر الله في أكثر من إطلالة لم ترق الأميركيين ولا الإسرائيليين، واستدعت مراراً تدخلاً عسكرياً مباشراً باستهداف مواقع تابعة للحزب وإيران والجيش السوري في سوريا. وكانت تشتدّ كلما لمسَ هؤلاء اندفاعة أوروبية وعربية تجاه الدولة السورية.
من المؤكّد بالنسبة الى الحزب أن وزير الخارجية الأميركي «سيكرر مضامين الرسائِل التي أوصلها مرؤوسوه سابقاً، لكن هذه المرة من دون قفازات». وهذه الرسائل يرتبها الحزب وفقَ أهميتها بالنسبة إلى الأميركيين:
الأولى، تتعلّق بالترسيم البرّي والبحري بين لبنان وفلسطين المحتلة. هذا الموضوع، بحسب الحزب، هو «محّل نقاش داخلي». فالعدو الاسرائيلي «يُصرّ على طرحه، ونحن نرفض الأمر لأنه سيؤدي بنا الى خسارة جزء كبير من المساحة البحرية التي نمتلكها، وبالتالي سيخسّرنا ذلك كمية كبيرة من المخزون النفطي». لطالما دفع الأميركيون باتجاه تنفيذ هذا الطرح، وهم كانوا وما زالوا يضغطون على الدولة اللبنانية للقبول به. وعلمت «الأخبار» أن رئيس الحكومة سعد الحريري يُحاول منذ أشهر التفاوض مع حزب الله حول هذا الأمر، من باب أن «الأميركيين سيقّدمون تسهيلات». وفي الوقت الذي يعطي هذا الطرح لبنان «50 في المئة من المنطقة المتنازع عليها»، يتعهّد الحريري أمام الحزب بأن «يضغط للحصول على 75 في المئة من المساحة». غيرَ أن الجواب الحاسم الذي سمعه هو أن «الملف كله في عهدة الرئيس برّي. من يُرد التفاوض فليذهب إليه، ونحن نرضى بما يرضى به»، فيما لا يزال موقف برّي على حاله، وهو الذي رفض استقبال مساعد بومبيو، ديفيد ساترفيلد، بسبب تبنّي الأخير الموقف الإسرائيلي في هذا الملف، وهو ما أثار انزعاج الإدارة الأميركية، بحسب مصادر سياسية واسعة الاطلاع.
الرسالة الثانية، تتعلق بالتزام لبنان بتطبيق العقوبات على حزب الله. كل الوفود الأميركية التي أتت أكدت أمام ممثلي المصارف اللبنانية والمسؤولين الرسميين أن الالتزام «لا يعني الاكتفاء بعدم إيداع الأموال لأشخاص ينتمون إلى حزب الله، بل أيضاً عدم إعطائهم أموالهم، هم وكل من له علاقة بهم». كما أنهم «أكدوا أن عقوبات جديدة ستفرض في المرحلة المقبلة، لتخويف اللبنانيين والمصارف وتحريضهم ضد الحزب». وربطاً بالعقوبات على حزب الله، سيشدّد بومبيو «على ضرورة أن يكون لبنان في المعسكر المُعادي لإيران».
الحريري لا يتوقف عن الطلب إلى حزب الله القبول بفصل الترسيم البري عن البحري


أما الرسالة الثالثة، والتي يعتبرها الحزب «خطيرة»، فهي تلكَ التي تتعلق بقضية النازحين السوريين، إذ يرى أنها «الورقة الأخيرة التي يريد أن يلعبها الأميركيون للضغط على الدولة السورية لدفعها باتجاه الحلّ السياسي الذي يريدونه». فهذه الورقة هي «العمود الفقري للحلّ الذي تريد واشنطن وحلفاؤها فرضه في سوريا». والأخطر هو «تجاوب القوى السياسية المعروفة بما كان يُسمّى فريق 14 آذار مع المسعى الأميركي». وهو تجاوب ينذر بمعركة سياسية «بدأت إرهاصاتها مع استبعاد وزير شؤون النازحين صالح الغريب عن الوفد الذي يمثّل لبنان في مؤتمر بروكسل». وهو «أمر لا يُمكن السكوت عنه» من وجهة نظر الحزب. وطبعاً لن ينسى الزائر الأميركي التطرق الى موضوع القوة الصاروخية التي تمتلكها المقاومة، فهو سيكرر ادعاءاته بوجود مصانع للصواريخ في لبنان، وسيؤكد حتماً أن «أميركا لن تقبل بهذا الأمر الكاسر للتوازن». وهو «لن يوفّر هذه الفرصة لتحريض القوى السياسية كما المؤسسات الأمنية والعسكرية على المقاومة».
كل هذه الرسائل التي سيحمِلها بومبيو لن تمُر على الساحة اللبنانية كما سابقاتها. فالحزب يرجّح أن تؤدي إثارة هذه الملفات والضغط الأميركي إلى تسعير الخلاف السياسي على طاولة مجلس الوزراء، ولا سيما أن أميركا والمملكة العربية السعودية عادتا الى مشروع جمع فريق 14 آذار ولمّ شمله في سبيل فتح مواجهة لبنانية ـــ لبنانية. لكن ماذا إن فشل هذا المشروع؟ فهل ستذهب «إسرائيل»، ومن خلفها الولايات المتحدة، الى حرب جديدة؟ وهل تمهّد هذه الزيارة لها؟ يعتقد الحزب أن «تل أبيب لا تنفذ ما تريده واشنطن ودول الخليج، من دون النظر إلى المصلحة الاسرائيلية المباشرة. كما أن الأميركيين يجب أن يكونوا قد يئسوا من كل الخيارات قبل أن يذهبوا الى هذه المغامرة»، ويؤكّد أن «حزب الله لن يكون سباقاً الى فتح مشكل في الداخل اللبناني، لأنه لا يريد أن يعطي ذريعة لأحد لترويج ما يدّعيه أعداؤه من أنه يسيطر على البلد».