أصدر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة تعميماً يحظّر على المصارف إقراض أو تجديد القروض للشركات والمؤسّسات المتهرّبة من تسديد الضريبة عبر إبراز «دفترين» لبياناتها ونتائجها المالية. يفترض أن يسهم التعميم في الحدّ من التهرّب الضريبي للشركات وللمؤسسات التي اعتادت أن تزوّر سجلاتها المالية المقدّمة للإدارة الضريبية، إلا أنه في الوقت نفسه، جاء بمثابة براءة ذمّة للمحتكرين عن الأموال التي تهرّبوا من تسديدها للخزينة، أي بمعنى قانوني ومحاسبي، اختلسوها.


نصّ التعميم 521
يوم الخميس الماضي أصدر سلامة تعميماً يحظّر فيه على المصارف والمؤسسات المالية «منح أو تجديد تسهيلات إلى أي مؤسسة أو شركة حجم أعمالها السنوي يساوي أو يزيد على 1.5 مليار ليرة إلا ضمن الشرطين التاليين مجتمعين:
- أن يكون قد تم الاستحصال من المؤسسة أو الشركة على بيانات مالية مدققة وفقاً للأصول (الميزانية وحساب الأرباح والخسائر وبيان التدفقات النقدية) بحيث تتم الدراسة الائتمانية على أساس هذه البيانات.
- أن تكون هذه البيانات مطابقة لتلك المقدمة للإدارة الضريبية».
كذلك أمهل التعميم «المصارف والمؤسسات المالية المخالفة مهلة حدّها الاقصى 30/9/2020 لتسوية أوضاع ملفات التسليفات العائدة لعملائها. وعلى المصارف والمؤسسات المالية طلب التسديد الفوري لكل قرض لم يتم تسوية أوضاعه خلال المهلة المشار إليها أعلاه، وإلا إيداع احتياط خاص في حساب مجمد غير منتج للفائدة في مصرف لبنان بذات العملة الممنوح بها القرض، بما يوازي قيمته لغاية إتمام تسوية أوضاعه».

ظاهرة الدفترين
التعميم يعترف بانتشار ظاهرة الدفترين المستعملة بنسبة واسعة من شركات القطاع الخاص بهدف التهرب من تسديد الضريبة الواجبة عن أرباحها الفعلية:
- الدفتر الأول يقدّم لوزارة المال - الإدارة الضريبية، وهو دفتر مزوّر بشكل عام يخفي الأرباح الفعلية المحققة من الشركة، أو يخفي جزءاً منها عبر عشرات الطرق المحاسبية وبنود الإنفاق الوهمية من تضخيم للرواتب والأجور والنفقات التشغيلية وسواها مما لا يكون حقيقياً. ينطلي هذا الدفتر على الإدارة الضريبية أو توافق عليه من خلال ممرات الفساد الممنهج سياسياً ومالياً، وفي المحصّلة تدفع الشركات ضرائب أقل مما يجب أن تدفع.

نقولا شماس يرحّب بالتعميم: مكافحة الاقتصاد الأسود


- الدفتر الثاني، تقدّمه الشركات للمصارف، وهو بشكل عام يكون مختلفاً جذرياً. فالحاجة إلى الحصول على القرض المصرفي أو تسهيلات مصرفية مكشوفة، تفرض على الشركات أن تصرّح عن أرباح أعلى وأن تظهر مدى نجاحها في كبح الإنفاق والرواتب أو مدى نجاح احتكارها أو مدى فعالية أساليبها في المبيعات أو أي شكل آخر يضمن لها الحصول على مواقفة الجهات الائتمانية في المصرف.

عفو عن المحتكرين
في مقابل ترحيب رئيس جمعية تجار بيروت، نقولا شماس، بهذا التعميم انطلاقاً من كونه يكافح «ظاهرتي التهرب والتهريب اللذين يشكلان مدماك الاقتصاد الأسود الذي يقوّض الاقتصاد الشرعي وخزينة الدولة»، يرى الوزير السابق شربل نحاس في التعميم نظاماً ممنهجاً للفساد: التعميم يتحدث عن ثلاثة أطراف معنية؛ العميل (الشركات والمؤسسات)، ومدقق الحسابات، والمصرف ولجنة الرقابة على المصارف المعنية بتطبيق تعاميم مصرف لبنان. فإذا كان العميل يقدّم للمصرف بيانات مدققة غير تلك المقدمة للإدارة الضريبية، فمعنى ذلك أن العميل ومدققي الحسابات مشاركون في التزوير واختلاس المال العام، أي إنه جريمة يعاقب عليها القانون. وإذا لم يتمكن المصرف من كشف أفعالهم، ولم تتمكن لجنة الرقابة من القيام بمهمة مراقبة التسليفات بشكل فعّال، فهما متورطان بجرم الإهمال... فكيف الحال إذا كان هناك اعتراف من مصرف لبنان بوجود دفترين؟ ألا يعني ذلك أن هناك مرتكباً للجريمة؟ ألا يستوجب الأمر مساءلة طرف ما؟

المحتكرون يتهرّبون من تسديد الضريبة ويجنون 9 مليارات دولار


«المشكلة أن التعميم يمنح عفواً عاماً لكل المتهربين من الضريبة، لا بل هناك وقاحة في التعامل مع المسألة، إذ إن الفقرة الأخيرة من التعميم التي تمهل المصارف حتى 30/9/2020 لتسوية أوضاع ملفات التسليفات هي كمن يقول إنه سيطبق القانون بعد هذا التاريخ، وأن التزوير مسموح حتى ذلك الوقت» يقول نحاس.

المتهرّبون
من هم المُعفَون من الارتكابات السابقة؟ هم كبار المحتكرين. فالدراسات التي نشرها البنك الدولي قبل سنوات، تشير إلى أن الأرباح الناتجة عن الاحتكار توازي 16% من الناتج المحلي الإجمالي، اي ما يوازي 9 مليارات دولار كان يجب أن تسدّد عليها ضريبة بقيمة 1.53 مليار دولار، لكن كل إيرادات ضريبة الارباح بلغت 900 مليون دولار في السنة الماضية! والمصرفيون يشيرون إلى أن سلّة الأرباح المحققة في الاقتصاد الوطني تبلغ 25 مليار دولار، أي إنه، نظرياً يمكن تحصيل 4.2 مليارات دولار، فيما يمكن عملياً بلوغ 3 مليارات دولار كحدّ أدنى.
وتتضح أكثر هوية المتهرّبين من الضريبة في دراسة للبنك الدولي أظهرت أن «65% من المقترضين هم شركات متوسطة وكبيرة، و50% من المقترضين هم شركات صغيرة». لذا، فإنه بحسب مصادر في التيار الوطني الحرّ، هذا التعميم «يصيب نسبة كبيرة من المتهرّبين، ويمكن أن يزيد الإيرادات بقيمة مليار دولار بشكل تدريجي».



مماطلة رياض سلامة


الحديث عن إصدار تعميم يسهم في مكافحة التهرّب الضريبي، بدأ فعلياً قبل تأليف الحكومة مع إيفاد رئيس الجمهورية ميشال عون، منصور بطيش (قبل تعيينه وزيراً للاقتصاد) إلى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، حاملاً ورقة تتضمن سلسلة إجراءات، من بينها إصدار تعميم يلزم المصارف بالامتناع عن منح القروض للزبائن الذين يقدّمون بيانات مالية للإدارة الضريبية مختلفة عن تلك التي يقدمونها إلى المصارف، «لكن سلامة ماطل عدة أشهر قبل إصدار هذا التعميم» تقول مصادر مطلعة. وصدور التعميم بالتزامن مع انتهاء مجلس النواب من التصويت على مشروع موازنة 2019 التي كان عنوانها التقشّف والبحث عن إيرادات إضافية للخزينة، ليس له معنى فعلي، بل «هو يأتي مباشرة بعد الاجتماع الذي عقده رئيس الجمهورية ميشال عون مع فريقه الاقتصادي بحضور حاكم مصرف لبنان».


تعميم «صوريّ»
هناك الكثير من النقاشات بين المصرفيين عن تعميم رياض سلامة الأخير بوصفه «تعميماً صورياً»، بدليل أن مفاعيله غير واضحة بعد. فهو يخلو من إجراءات تنفيذية بالمعنى المباشر، رغم أن مسودته الأولى نصّت على أن تشرف لجنة الرقابة على المصارف على تطبيقه. كذلك يغفل التعميم أن الزبائن غر المستوفين للشروط، أي المتهرّبين، قد يرفضون طلب المصرف تسديد القرض، ما يعني أنه بات على المصرف تصنيف القرض من مستوى «متابعة» إلى «مشكوك فيه» إلى «متعثر»... وفي المحصلة، قد ينعكس الأمر ارتفاعاً في معدلات القروض المتعثّرة، المتنامية أصلاً، والتي يترتب عليها تكوين مؤونات إضافة إلى الغرامات المفروضة بموجب التعميم.